النظام الجزائري يتمادى في تجاهل مواطنيه في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الامة!!

بقلم: هيثم شلبي

في نظام يخلو من أي إثارة سياسية، تصبح المتابعة الشعبية لمستجدات حياته السياسية شبه معدومة، لاسيما إذا كان المشهد أمامهم يتكرر منذ قرابة الستة عقود، مع تغيير طفيف في الوجوه دون أن يستتبعه تغيير حقيقي في الآليات وفلسفة العمل.

نسوق هذه المقدمة ونحن نتابع “انتخابات” التجديد النصفي لأعضاء مجلس الأمة الجزائري، والتي خلت من أي حدث يغري بالمتابعة، اللهم معرفة من سيخلف صالح قوجيل على رأس المجلس.

ويأتي استبدال قوجيل لأنه استنفذ مدته القانونية، وليس لأنه -لا سمح الله- تجاوز سن التقاعد قبل ثلاثين عاما، حيث أن تمديد عهدته الحالية، من شأنه أن يدخله -ومعه دولة الجنرالات- في موسوعة غينيس، حيث سيكون أكبر مسؤول سناً يوجد على رأس مؤسسة تعنى بالشأن العام، وقد تجاوز المائة عام وهو في منصبه!! حيث أن الرجل من مواليد 1930، وعمره حاليا هو 95 سنة بالتمام والكمال!!!

انتخابات مجلس الأمة الجزائري لم تجلب أي تغيير يذكر في تركيبته، حيث تصر سلطة الرئيس تبون/ الجنرال شنقريحة على التمتع بأغلبية تتجاوز الثلثين بكثير، على الرغم من عدم وجود معارضة حقيقية (اللهم إلا إذا اعتبرنا حركة مجتمع السلم وجبهة القوى الاشتراكية معارضة!! وهما اللذان أكملا ديكور الانتخابات الرئاسية الماضية).

فمن أصل 58 مقعدا تنافس عليها منتخبو الولايات والبلديات، حصلت أحزاب الموالاة على 47 مقعدا (بنسبة 81%)، تصبح 91% إذا أضفنا إليها المستقلين الستة!! حيث فازت جبهة التحرير الوطني ب 19 مقعدا، والتجمع الوطني الديمقراطي ب 14 مقعدا، وجبهة المستقبل ب 10 مقاعد، بينما ذهبت 3 مقاعد إلى حركة البناء، ومقعد واحد لتجمع أمل الجزائر.

وبإضافة أعضاء الثلث الذين سيختارهم الرئيس تبون دون الحاجة لدخول انتخابات (29 مقعدا في هذه الانتخابات النصفية، يكون الرئيس تبون مدعوما من طرف 82 نائبا من أصل 87 نائبا، وهو ما يقل قليلا عن نسبة 95%، فلماذا يحتاج النظام إلى أغلبية بهذه النسبة (ولو شكليا)؟ علما بأن المحسوبين على المعارضة هم موالاة أيضا (النسبة الحقيقية هي 100%، في سابقة عالمية)!!

وبمطالعة المشهد على صعيد المجلس الشعبي (الغرفة الأولى في البرلمان الجزائري)، والذي يفترض أن يضم نواب الأمة الذين تم اختيارهم في اقتراع مباشر، فلن نجد الوضع أفضل حالا، حيث يتمتع الرئيس تبون بأغلبية تصل إلى 84% إذا ما اعتبرنا حركة مجتمع السلم حزبا معارضا (لديها 65 مقعدا من أصل 407).

ويكفي أن نعرف أن عدد أعضاء البرلمان الجزائري يتجاوزون نظيرهم الأمريكي -بغرفتيه- بواقع 46 نائبا، حيث أن عدد نواب الجزائر هو 581 بينما يبلغ عددهم في الولايات المتحدة 535 نائبا!

ولو تجاوزنا لعبة الأرقام إلى موضوع الصلاحيات، فكيف يمكن للجزائريين أن يتابعوا شؤون برلمان يحرم على نوابه “قانونا” أن يناقشوا أي قضية تتعلق بالشؤون الخارجية أو بكل ما يخص مؤسسة الجيش؟! لا موازنات ولا أداء ولا محاسبة ولا توصيات!! بمعنى أن النظام الذي يتمتع بأغلبية فعلية تصل إلى 100% في كل من غرفتي البرلمان، يحرم على أغلبيته أن تطرح أي تساؤل يخص مؤسستي الجيش والرئاسة (التي تختص بالسياسة الخارجية)!! وهي لعمري سابقة عالمية أخرى في بلد السوابق العجيبة.

الأحزاب المشكلة لهذه الأغلبية المطلقة، من المفترض أن تمرر قانونا جديدا للأحزاب تجمع كلها، صغيرها وكبيرها، على كونه سيئا! هذا إضافة لعشرات القوانين التي لا تلقى قبولا شعبيا، الأمر الذي يكرس الموقف الشعبي من هذه المؤسسات التمثيلية، ويفاقم العزوف عن المشاركة في استشاراتها الانتخابية، ولسان حالهم يقول: لماذا أضفي مشروعية على نواب لا يمارسون دورهم التشريعي، والأهم الرقابي، على سلطة تنفيذية لا تقيم لمصالحنا وزنا؟!

إن خوف النظام الجزائري من وجود برلمان بأحزاب حقيقية، حتى ولو بنسبة تقل عن الثلث، لا يوازيه إلا خوفه من السماح بأي نوع من التظاهر الشعبي بأي عدد ممكن، ولأي قضية كانت! كما هو الحال مع التظاهرات الداعمة لفلسطين، والتي منعت في الجزائر على مدى عمر الحرب على قطاع غزة!! كما أن حجم ترسانة القوانين التي تحرّم وتجرّم جميع أشكال التعبير عن الرأي حتى في وسائل التواصل الاجتماعي، واستمرار اعتقال نشطاء الحراك الشعبي منذ 2019 دون تهمة حقيقية، كلها إشارات تنبئ بحجم الرعب الذي يعيشه النظام من أي كلمة ناقدة، سواء صدرت من البرلمان؛ هيئات المجتمع المدني؛ أو عموم المواطنين، وهو ما يشي بدرجة الضعف والهشاشة التي يحس بها نظام الجنرالات منتهي الصلاحية، نتيجة فقدانه للمشروعية الشعبية، مهما اجتهد في تنظيم انتخابات أو غيرها من “الأشكال” الديمقراطية الفارغة من المعنى والمحتوى.

كخلاصة، معضلة المشروعية بالنسبة للنظام العسكري المتسلط على رقاب الجزائريين، لن تحلها محاولات “التذاكي” هنا وهناك، حتى لو جند لذلك جميع أجهزته الدعائية، وعلى رأسها الرئيس تبون، لأن الشعب قد قال كلمته فعلا خلال الحراك الشعبي في 2019، ولم تشهد الجزائر منذ تلك اللحظة ما يجعل المواطنين يراجعون حكمهم بضرورة إسقاط هذا النظام، بعسكره ومدنييه، بمؤسساته وآليات حكمه، وما انتخابات مجلس الأمة إلا تأكيد جديد، لمن لا يزال بحاجة لدليل، على إفلاس هذا النظام، وخلو جعبة شيوخه الذين تجاوزوا سن التقاعد منذ عقود، من أي حلول إيجابية لأي مشكلة في الجزائر!!

اقرأ أيضا

الجزائر

هل اقتربت لحظة نهاية النظام العسكري في الجزائر؟!

منذ بداية 2026، تتلاحق التطورات في أكثر من بقعة في العالم، وإن كان العنصر المشترك بينها كونها تجري في بلاد تحكمها أنظمة شمولية، عسكرية كانت أو اشتراكية أو "إسلامية". فالأخيرة "إيران" دشنت هذه الاضطرابات في آخر أيام 2025 عبر مظاهرات غير مسبوقة، لا في حجم الحشود التي تضمها، بل في شموليتها للفقراء والتجار على حد سواء، وبارتفاع سقف الجرأة في شعاراتها، حيث تستهدف المرشد الأعلى صراحة ودون مواربة. أما فنزويلا، فلم تتأخر عن الموعد، حيث أفاقت العاصمة كاراكاس على خبر اقتياد رئيسها "التشافيزي الاشتراكي المناهض للإمبريالية الأمريكية" إلى نيويورك هو وزوجته بعد اقتحام غرفة نومه وجلبه ليقف أمام قاضي محكمة في نيوريورك، من المشكوك أنه سيجد مادة قانونية صريحة يستطيع الاتكاء عليها لتبرير محاكمة مادورو أصلا، ناهيك عن إدانته!!

بعد فشل مشروعاته الكبرى.. تبون يتمسك بفيلم “الأمير عبد القادر” من أجل إنقاذ شعبيته!

بدا لافتا وغريبا في آن واحد، الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام الدعائية للنظام الجزائري، التي تحدثت عن اجتماع موسع حضره بوعلام بوعلام مدير ديوان رئاسة الجمهورية، كمال سيدي السعيد مستشار لدى رئيس الجمهورية مكلف بالمديرية العامة للاتصال، مليكة بن دودة وزيرة الثقافة والفنون، فيصل مطاوي مكلف بمهمة برئاسة الجمهورية بقطاع السينما، عبد القادر جمعة مستشار لدى وزيرة الثقافة والفنون، سليم عقار مدير مؤسسة الأمير عبد القادر، وأنور حاج إسماعيل منتج ومخرج!! مناسبة الاجتماع كانت أغرب من حجم حضوره، حيث خصص لإطلاع الرئيس على مستجدات مشروع فيلم "الأمير عبد القادر"، الذي يبدو أن أوجه شبه كثيرة تجمعه مع مشروع غار جبيلات وغيره من مشاريع الرئيس الكبرى، لاسيما استحالة تنفيذه!!

“السكوار” يفضح محاولات النظام الجزائري التغطية على انهياره الاقتصادي!

من يطالع وسائل الإعلام الجزائرية بمختلف أنواعها، لا يجد موضوعا يطغى هذه الأيام على تدهور سعر صرف الدينار الجزائري أمام العملات الدولية، لاسيما اليورو والدولار، في السوق السوداء، التي يطلق عليها الجزائريون مصطلح "السكوار".