الرئيسية / وجهات نظر / أزمة نداء تونس والوقت المهدور للبلاد..
زياد كريشان

أزمة نداء تونس والوقت المهدور للبلاد..

مضى أكثر من عشرة أشهر على الأزمة المفتوحة والمتفاقمة التي يمر بها نداء تونس.. وشغلت هذه الأزمة بتقلباتها العديدة الرأي العام والإعلام ومؤسسات البلاد وصولا إلى رئاسة الجمهورية أكثر مما يجب..
ولقد كان كل هذا الاهتمام على حساب المشاغل الحقيقية للتونسيين.. وكان حريا بنا خلال هذه الفترة – وخاصة هذه الأشهر الثلاثة الأخيرة – أن ندخر كل هذا الجهد من أجل إصلاح أوضاع البلاد ودفع عجلة النمو إلى الأمام.. فيكفي بلادنا آفة الإرهاب والركود الاقتصادي لكي نضيف إليها مسلسلا من صنف «ج» فمن احتجاج إلى تصحيح إلى انقلاب إلى مؤتمر إلى استقالة إلى انسحاب إلى تجميد إلى فرصة الأمل قبل الأخير وحتى أحيانا بعده!!
ولكن إن كانت هنالك من مسؤولية سياسية وأخلاقية أساسية في كل ما جرى فهي تعود أساسا إلى مؤسسه – صاحب الباتيندة على حدّ تعبير أحد الوزراء – الذي صنع آلة انتخابية نجح ولا شك في تغيير موازين القوى بها ولكنه لم يحولها، إبان رئاسته المباشرة لها، إلى حزب فعلي مبني على مؤسسات واضحة لا جدال حول شرعيتها ومشروعيتها.. ثم قبل أن يُوظف اسمه في حرب خلافة كان نجله أحد أبطالها..
وهكذا خسر الحزب الأول، وتونس معه، وقتا ثمينا قضاه جزء من قادة البلاد في «التكمبين» و«التكمبين المضاد» فكانت سنة 2015 سنة للنسيان على كل الصعد ولولا موسم فلاحي استثنائي لكان نموّنا سلبيا في حدود ٪-1.
واليوم بعد أن اتضح زيف مسار سياسي بأسره مبني على الولاءات واللوبيات وأيا كان الحل الذي ستسفر عنه كل هذه اللقاءات والمبادرات حري بنا جميعا أن نغيّر مجالات الاهتمام وأن نترك الزبد السياسوي لأهله..
ولكن هذا الزبد قد طال حتى الجهاز التنفيذي ونقصد به التشكيلة الحكومية على وجه التحديد.. فالتغيير الوزاري الذي أعلن عنه الحبيب الصيد هو نتيجة لأزمة الحزب الأول ومفاقمة لها في نفس الوقت كما يقول عنه أحد الفاعلين الندائيين..

إقرأ أيضا: “نداء تونس”..صراعات داخلية وانقسامات عصفت بمكانة الحزب

فحكومة الحبيب الصيد الثانية ليست كما أريد لها في البداية حكومة لمواجهة الأزمات بل هي حكومة الأزمات الداخلية سواء تعلق ذلك بالنداء أو بحلفائه أيضا والحال أن مهمة هذه الحكومة هي إنقاذ البلاد من حالة الركود الاقتصادي بصفة خاصة فوجدنا أنفسنا في منطق محاصصات حزبية بل و«شقّية» (نسبة إلى شقوق النداء) وترضيات لحلفاء استراتيجيين (النهضة) أو تكتيكيين (الوطني الحر)..
ومن المخلفات السياسية الخطيرة لهذه الأزمة المساس بصورة الرئاسة وبسمعتها.. فإذا لم تتمكن «هيبة الدولة» الموعودة من فرض الانضباط داخل حزب الرئيس فكيف ستفرضه في البلاد؟!
ولتكتمل هذه الفوضى السياسية غير الخلاقة بدأت أطراف داخل الرباعي الداعم للحكومة (وداخل النهضة علنا وعند جماعة جربة سرّا) في التسويق للعبة وفاقية جديدة: قوائم موحدة في الانتخابات الجهوية والبلدية القادمة على الأقل بين حزبي الشيخين أي بعد كل ما حصل يريد المتحالفون في الحكم اليوم أن يحرموا الشعب التونسي في انتخابات نصف المدة (أي ما بين دورتين تشريعيتين) من الحكم الواضح والمباشر والصريح على كل مكونات المشهد السياسي اليوم وأن يقدموا لنا قائمات ممزوجة يعتقدون أنها ستحصل على أغلبية مطلقة دون أن يعطي التونسيون حكمهم في جناحي هذا الطائر الغريب..
لا شك لدينا أن أزمة نداء تونس أضحت اليوم شبه متماهية مع أزمة الحكم اليوم وأن إصلاح هذا مرتبط بذاك.. وبقدر ما يتأخر الحلّ السياسي الملائم لأزمة النداء ستتفاقم أزمة منظومة الحكم برمّتها..
ورغم أن منطق المؤسسات يقتضي دوام هذه الأغلبية طيلة السنوات الأربع القادمة ولكن لو انهار الحزب الأول – وهذا احتمال وارد – فقد نكون مضطرين إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها حتى يحسم الشعب من جديد..
لقد ذهبت سنة 2015 دون أن توضع تونس على السكة الصحيحة وأخشى ما نخشاه أن تنسج على منوالها سنة 2016…

صحفي تونسي/”المغرب”