بقلم: هيثم شلبي
عندما يصوّت برلمان على قانون بالإجماع في الرابع والعشرين من ديسمبر، وتحتفل به القنوات الرسمية كـ “انتصار تاريخي” و”صفعة للاستعمار” و”استعادة للكرامة الوطنية”، ثم يأتي مجلس الأمة بعد شهر واحد فقط – في الثاني والعشرين من يناير – ليتحفظ على نصف مواده بالضبط (13 مادة من أصل 27)، فأنت لست أمام قصة تشريعية عادية. أنت أمام مسرحية هزلية كتبها كاتب سوريالي في لحظة إلهام كوميدي مأساوي.
الفصل الأول: الاحتفاء الذي لم يدم
دعونا نتذكر المشهد جيداً: ديسمبر 2025، البرلمان الجزائري يمرر “قانون تجريم الاستعمار الفرنسي” بإجماع تام. الضجة الإعلامية كانت أسطورية. القنوات الرسمية تبث على مدار الساعة تحليلات عن “اللحظة التاريخية”، المحللون الاستراتيجيون يتحدثون عن “نقطة تحول في العلاقات الجزائرية-الفرنسية”، الصحف تخرج بعناوين عريضة عن “القانون السيادي الذي سيجبر فرنسا على الاعتذار”، والسياسيون يتبادلون التهاني على هذا “الإنجاز الوطني الكبير”.
كان القانون، في نسخته الأصلية، يتضمن 27 مادة تطالب بالاعتراف الرسمي من فرنسا بجرائم الاستعمار، والاعتذار الصريح، والتعويض المادي والمعنوي. يعني، كل شيء. الحزمة الكاملة. لم نطلب القمر فقط، بل طلبنا المجموعة الشمسية بأكملها، وبدا أننا على وشك الحصول عليها. كان الاحتفاء بالقانون يوحي بأن فرنسا ستستيقظ صباح اليوم التالي وتقدم اعتذاراً رسمياً مع شيك تعويضات بالمليارات.
لكن كما يقول المثل: “الطبل الفارغ صوته عالٍ”. أو بالأحرى، القانون الفارغ احتفاؤه صاخب.
الفصل الثاني: عندما يصحو البرلمان من غيبوبته
بعد شهر واحد بالضبط من هذا الاحتفاء المسعور، حدث ما لم يكن متوقعاً – أو بالأحرى، ما كان متوقعاً تماماً لمن يعرف كيف تجري الأمور في الجزائر. مجلس الأمة، الغرفة الثانية للبرلمان، اجتمع لمناقشة هذا “القانون التاريخي”. وفجأة، كما لو أن أحداً أيقظهم من نوم عميق، وصلت “التعليمات العليا” وبدأ أعضاء المجلس – الذين يمثلون أحزاب “الحزام الرئاسي” والموالين للسلطة – يطرحون أسئلة محرجة.
“مهلاً، هل فكرنا في التبعات الدبلوماسية؟”، “هل هناك وضوح في مطلب الاعتراف؟”، “ماذا عن مخاطر التأويل القانوني؟”، “هل لدينا أساس قانوني كافٍ لتحريك آليات المساءلة الدولية؟”. أسئلة معقولة تماماً، لكن المشكلة الصغيرة أنها كان يجب أن تُطرح قبل التصويت بالإجماع على القانون، وليس بعد شهر من الاحتفاء به كإنجاز قومي!
في جلسة الثاني والعشرين من يناير 2026، جاء القرار الصادم: التحفظ على 13 مادة من أصل 27. نصف القانون بالضبط. والأهم من ذلك، أن المواد المتحفظ عليها كانت بالتحديد تلك المتعلقة بـ “التعويض والاعتذار”، أي جوهر القانون بأكمله، روحه وسبب وجوده. كأننا صنعنا سيارة ثم قررنا إزالة المحرك والعجلات، لكن احتفظنا بالهيكل كديكور.
الفصل الثالث: فلسفة “التجريم اللطيف“
دعونا نفهم المنطق هنا: نحن نريد قانوناً يجرّم الاستعمار الفرنسي، لكن دون أن نطالب بالاعتذار أو التعويض. يعني، نريد أن نقول لفرنسا: “أنتم مجرمون، ارتكبتم جرائم ضد الإنسانية، دمرتم بلداً بأكمله… لكن لا بأس، تفضلوا، استمروا في حياتكم، لا نريد منكم اعتذاراً ولا تعويضاً، فقط أردنا أن ‘نسجل موقفنا'”.
هذا ليس قانون تجريم، هذا بيان سياسي مؤدب. أو بالأحرى، هذا “تجريم استشاري” – نجرّمكم من حيث المبدأ، لكن دون عواقب فعلية. كأننا نقول لسارق: “أنت سارق، لكن احتفظ بالمسروقات، ولا داعي للاعتذار، المهم أننا سجلنا أنك سارق في سجلاتنا الداخلية”.
التبريرات التي قدمها أعضاء مجلس الأمة كانت تحفة فنية في الدبلوماسية اللغوية: “عدم وضوح مطلب الاعتراف”، “الخلط مع مفاهيم الاعتذار السياسي”، “مخاطر التأويل القانوني”، “الانعكاسات المحتملة”. كل هذه التعبيرات الراقية تعني شيئاً واحداً بسيطاً: نحن خائفون من رد فعل فرنسا!
الفصل الرابع: “القانون السيادي” الذي يخاف من سيادته
المفارقة الأكبر أن القانون كان يُسوّق على أنه “قانون سيادي”، رمز “استقلال القرار الوطني”. لكن ما حدث يكشف أن هذا القانون السيادي كان في الحقيقة… يستأذن. يستأذن من التوازنات الدولية، من العلاقات الدبلوماسية، من حسابات السياسة الخارجية. وعندما لم يحصل على الإذن الضمني، تم تفريغه من محتواه. إن هذا التراجع يثبت ما قلناه مرارا وتكرار حول بديهية: نظام فاقد للمشروعية والسيادة، لا يمكنه إصدار أي قرارات سيادية!!
هناك نائب برلماني سابق، محند آرزقي فراد – وهو من أوائل من طالبوا بهذا القانون – عبّر عن “صدمته” من هذا التراجع. قال إنه لمس منذ البداية “غياب قناعة سياسية حقيقية”، وأن القانون استُخدم “ظرفياً في سياق توتر العلاقات مع فرنسا، دون إرادة فعلية للمضي به إلى نهايته”. بمعنى آخر: كان القانون مجرد ورقة ضغط، لعبة تكتيكية، وليس مشروعاً سيادياً حقيقياً.
الرجل قال شيئاً مهماً آخر: “القانون لا يجرّم الدولة الفرنسية المعاصرة، بل يجرّم مرحلة تاريخية استعمارية موثقة، ولا علاقة له بالعلاقات الدولية أو الحسابات الدبلوماسية”. لكن يبدو أن مجلس الأمة كان له رأي آخر: كل شيء له علاقة بالحسابات الدبلوماسية، حتى التاريخ نفسه.
الفصل الخامس: الخوف من “التأويلات القانونية“
من بين التبريرات الطريفة التي ساقها المجلس: الخوف من “التأويلات القانونية” لبعض الأحكام. يعني، فجأة اكتشفوا أن القانون قد يُفهم! وأن الناس قد يقرؤونه ويفسرونه! يا للكارثة!
هذا منطق عجيب: نكتب قانوناً، ثم نخاف من أن يُفهم كما هو مكتوب. كأننا نريد قانوناً غامضاً، مبهماً، لا يفهمه أحد، بحيث لا يترتب عليه أي التزام فعلي. قانون للديكور، للواجهة، “للتسجيل التاريخي”، لكن ليس للتطبيق أو المطالبة بتنفيذه.
المشكلة الحقيقية ليست في “التأويلات القانونية”، بل في النوايا السياسية. عندما يكون لديك نية حقيقية لتجريم شيء ما، تكتب قانوناً واضحاً صريحاً لا يحتمل التأويل. أما عندما تريد أن “تظهر” أنك تفعل شيئاً دون أن تفعله حقاً، فأنت تكتب قانوناً غامضاً، ثم تتحفظ على نصفه خوفاً من أن يُفهم.
الفصل السادس: التوقيت الفاضح
لنضع الجدول الزمني أمامنا بوضوح:
- 24 ديسمبر 2025: المجلس الشعبي الوطني يصوّت بالإجماع على القانون، احتفاء إعلامي هائل
- 22 يناير 2026: مجلس الأمة يتحفظ على نصف القانون، صمت إعلامي شبه مطبق
- 24 يناير 2026: الجزائر تستدعي القائم بأعمال السفارة الفرنسية بسبب تقرير وثائقي على “فرانس 2”
الرسالة واضحة: نحن لا نريد مواجهة حقيقية مع فرنسا (لذا نقبر القانون)، لكننا نريد ضجة إعلامية (لذا نستدعي السفير بسبب تقرير تلفزيوني). نريد أن نبدو أقوياء وسياديين، لكن دون أن ندفع ثمن القوة والسيادة. نريد البطولة بلا مخاطرة، والكرامة بلا كلفة.
الخاتمة: قانون في ثلاجة التاريخ
الآن، القانون دخل ما يُسمى في الأدبيات الدستورية “اللجنة المتساوية الأعضاء” بين الغرفتين، لإيجاد “صياغة توافقية”. وهذا تعبير لطيف عن: سنجمّد القانون إلى أجل غير مُسمى. لأن أي “صياغة توافقية” ستكون إما تفريغاً كاملاً للقانون من محتواه، أو إبقاءه في الأدراج إلى أن ينساه الناس.
القانون الذي كان سيجبر فرنسا على الاعتذار أصبح الآن عبرة في كيف تصنع بطولة وهمية، وكيف تحوّل “الإنجاز التاريخي” إلى أضحوكة تشريعية في ثلاثين يوماً فقط.
وفي النهاية، لم يبقَ من القانون سوى ذكريات الاحتفاء المحرجة، وسؤال واحد يطارد كل من شارك في هذه المهزلة: هل كانوا يعرفون من البداية أن القانون ميت، أم اكتشفوا ذلك في اللحظة الأخيرة؟ الإجابتان مخيفتان بنفس القدر!
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير