هل الجيش أصبح في عين الإعصار؟!

في السبعينيات من القرن الماضي سمعت المرحوم مساعدية يقول: “إن مصيبة الجزائر في جيشها!”.. كنت وقتها مبتدئا في الصحافة، واستغربت مثل هذا القول من مسؤول الإعلام والتوجيه بالحزب الحاكم الوحيد!

المزيد: الجزائر.. لا جديد تحت الجيش


كانت نظرة الشعب إلى الجيش نظرة ملائكية.. فالضابط أو صف الضابط كان يضع قبعته في مؤخرة السيارة ويتركها مركونة ومفتوحة.. والشعب هو الذي يقوم بحراستها. صورة الجندي الجزائري كانت تختلط في أذهان المواطنين بين صورة المجاهد وصورة الجندي المناضل الذي يكافح إلى جانب الشعب في بناء القرى وفتح الطرق والتعليم في المناطق البعيدة والنائية، ويدافع عن حرمة وأمن البلاد في نفس الوقت، وخروج الجنود من الثكنات في عطلة نهاية الأسبوع يتطلب اللباس العسكري الإجباري.
اليوم الصورة تبدلت، أصبحنا لا نرى العسكر في الشوارع بالزي العسكري، ولا نرى الزي العسكري إلا في التلفاز، وكأن اللباس العسكري أصبح ارتداؤه معرة !
ووصل الأمر بالضباط في العشرية الحمراء إلى التنقل بسيارات مدنية (404 باشي) مثلا، وبطاقات تعريف مدنية عوض البطاقات العسكرية، باختصار أصبح الضباط يختبئون من الإرهابيين لدى الشعب، بأخذ صفة الشعب، أي أصبح الشعب هو الذي يحمي هؤلاء عوض أن يحموهم هم من الإرهاب !
حدثني عقيد متقاعد أنه تنقل ذات يوم إلى باريس للعلاج… واستخرجوا له جواز سفر مدني كتبت عليه صفته المهنية “مزارع” للتمويه على الفرنسيين، وعندما وصل إلى مطار أورلي طبع له مسؤول الشرطة الفرنسية الجواز وهو يضحك معه ويقول: “مرحبا بك يا حضرة العقيد المزارع في فرنسا”!
ويبقى السؤال المحيّر: كيف وصلت حالة الجيش الذي أوجد الدولة مع شعبه إلى هذه الوضعية؟! هل حقيقة أن الجيش أساء إلى نفسه حين حاول حكم البلاد بالمدنيين كواجهة، فحكموا به وشوّهوا صورته لدى الشعب إلى هذه الدرجة؟!
أم أن الجيش هو الذي أساء إلى نفسه حين لوّث هذه المؤسسة بالانغماس في السياسة دون حساب عواقب ذلك على سمعة المؤسسة على المدى البعيد؟!
هل جماعة وجدة هي التي حكمت الجزائر بالجيش وبومدين.. أم أن بومدين والجيش هما اللذان كانا ضحية لحكم العسكر للبلاد طوال الفترة البومدينية؟! وهل الشاذلي هو الذي حكم بالجيش، أم أن الجيش هو الذي حكم بالشاذلي والجبهة.
أحداث أكتوبر كانت نتائجها تدل على أن المعركة كانت بين الجبهة المدنية والجناح العسكري في الجبهة، في سياق الصراع حول من له الحق في تنصيب الرئيس.. تماما مثلما كان الأمر في 1979 بعد وفاة بومدين… وكان الأمر كذلك بعد جانفي 1992 عندما أعاد الشاذلي الأمانة إلى مصدر السلطة الحقيقي وهو الجيش وليس الشعب كما يقول الدستور… والحالة نفسها قام بها كافي وزروال فيما بعد… فهل ينجح بوتفليقة فيما فشل فيه كل الرؤساء الذين سبقوه وينقل مصدر القرار في تعيين الرؤساء من طاغارا إلى الرئاسة؟!

المزيد: بوتفليقة يقيل رؤساء أجهزة أمنية وعسكرية لأسباب مجهولة

لسنا ندري.. لكن الأكيد أن عملية “التخلاط” الجارية الآن داخل المؤسسة العسكرية، أكبر مما قام به الرؤساء السابقون مجتمعين!

*صحفي جزائري/”الخبر”

اقرأ أيضا

بخور روما لن يبدد رائحة عفن زنازين عنابة: الجزائر والبابا وتجارة الصورة!

ثمة سؤال بسيط يطرح نفسه على من يتابع الإعلام الرسمي الجزائري هذه الأيام: هل زيارة البابا ليو الرابع عشر للجزائر حدثٌ ديني تاريخي، أم هي "صك غفران" دبلوماسي بالجملة؟ الإجابة، للأسف، أقرب إلى الثانية منها إلى الأولى، لا لأن الزيارة لا قيمة لها في ذاتها، بل لأن النظام العسكري الجزائري قرر أن يستأجر العربة البابوية لأغراض لا علاقة لها بالإيمان.

مراجعة أبريل 2026 في مجلس الأمن: الكابوس الذي يقضّ مضجع المرادية!

ليست المرة الأولى التي يجلس فيها النظام الجزائري أمام شاشة مجلس الأمن يراقب مراجعة أممية بقلق. لكن ما يجعل أبريل 2026 مختلفاً في الذاكرة الاستراتيجية للمرادية، هو أن القلق المعتاد تحوّل هذه المرة إلى شيء أقرب إلى الذعر الوجودي الذي يُشلّ القدرة على المناورة ويُضيّق هامش الخيارات إلى ما يكاد يكون أفقاً مسدوداً.

التصعيد القضائي ضد الناشط السياسي زغيلش يفاقم أزمة الحريات في الجزائر

دعت منظمة "شعاع لحقوق الإنسان" (تعمل في نطاق حدود الجزائر ومقرها الرئيسي في لندن)، السلطات الجزائرية إلى الوقف الفوري لكافة أشكال المتابعات القضائية ذات الطابع التعسفي ضد الناشط السياسي والصحفي عبد الكريم زغيلش؛ وضمان احترام حقوقه الأساسية، وعلى رأسها حقه في حرية التعبير.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *