بقلم: هيثم شلبي
ليست المرة الأولى التي يجلس فيها النظام الجزائري أمام شاشة مجلس الأمن يراقب مراجعة أممية بقلق. لكن ما يجعل أبريل 2026 مختلفاً في الذاكرة الاستراتيجية للمرادية، هو أن القلق المعتاد تحوّل هذه المرة إلى شيء أقرب إلى الذعر الوجودي الذي يُشلّ القدرة على المناورة ويُضيّق هامش الخيارات إلى ما يكاد يكون أفقاً مسدوداً. فالجزائر، التي قاربت خمسة عقود وهي تُدير هذه القضية بوصفها ورقة الهوية القومية المطلقة، تجد نفسها فجأة أمام سيناريو لم يُفكّر فيه جنرالاتها يوماً بجدية: أن يُغلق هذا الملف، لا في لحظة انتصار دبلوماسي، بل في لحظة انهيار صامت للسياسة التي استنزفت مليارات الدولارات وعقوداً من الموقف الرسمي المتصلّب.
الكابوس الأول الذي يسكن الدوائر الأمنية والدبلوماسية في الجزائر هو الطبيعة الجديدة للضغط الأمريكي. فما الذي تغيّر تحديداً؟ المفارقة أن الموقف الأمريكي الداعم للمبادرة المغربية ليس وليد اليوم، لكنه ظل دائماً “دعماً بالإعلان” يبقى في حدود التأييد اللفظي دون أن يتحوّل إلى ضغط تنفيذي منظّم. ما أحدثه مسعد بولص كمبعوث رئاسي هو بالضبط هذه النقلة من التأييد إلى التشغيل؛ أي أن واشنطن لم تعد تقول “نؤيد الحكم الذاتي” وتنتظر ما ستفعله الأطراف، بل باتت تبني جدولاً زمنياً، وتُجري اتصالات تنسيقية متسلسلة، وتضع لغة محددة تريدها في البيان الأممي. الجزائر لم تواجه قط دبلوماسية أمريكية بهذا الطابع الإجرائي في ملف الصحراء، وحين تُسرَّب معلومات عن صياغات أمريكية تصف الحكم الذاتي بأنه “المسار الوحيد الممكن”، يدرك الجميع في العاصمة الجزائرية أن العبارة ليست خطابية بل هي تفكيك مدروس للعقيدة التي ظلت الجزائر تُدافع عنها طوال نصف قرن تحت اسم “تقرير المصير”.
لكن الكابوس الذي يُلاحق بشكل أكثر إلحاحاً كل صانع قرار في الجزائر اليوم هو سيناريو إنهاء مهمة المينورسو أو تغيير طبيعتها البنيوية بشكل جذري. لفهم حجم الهلع الجزائري من هذا الاحتمال، ينبغي أن نفهم ما تمثله المينورسو حقاً في العقل الاستراتيجي لجنرالات الجزائر: إنها ليست مجرد بعثة أممية لمراقبة وقف إطلاق النار تعود إلى عام 1991، بل هي في الجوهر “الشاهد القانوني الدولي” الأخير الذي يُبقي النزاع في حالة حياة رسمية ومعترف بها. طالما بقيت المينورسو تعمل في المنطقة، يظل للجزائر ورقة الادعاء بأن هناك نزاعاً قانونياً لم يُحسم، وأن هناك “قضية” تستحق محفلاً أممياً دورياً. المينورسو هي الجسر الوحيد المتبقي الذي يربط الأطروحة الانفصالية بالشرعية الدولية، ومن غيرها تصبح جبهة البوليساريو منظمة مسلحة بلا غطاء قانوني دولي، وتصبح مخيمات تيندوف عبئاً إنسانياً خالصاً تضطر الجزائر لتمويلها وتبرير وجودها أمام هيئات الأمم المتحدة دون أي عائد دبلوماسي يُذكر.
أما الهلع الأعمق فيتعلق بالأثر التسلسلي لإنهاء المينورسو على الواقع الميداني نفسه. فالبعثة الأممية الحاضرة في المنطقة العازلة تمنح الجزائر والبوليساريو ورقة استمرارية النزاع الحيّ، وتُبقي على وصف “إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي” الذي تتمسك به الجزائر في كل منتدى دولي. إن انتهت هذه البعثة أو تقلّص دورها إلى مجرد إدارة لوجستية لا معنى فعلياً لها، فإن هذا الوصف القانوني سيُصبح في حكم الأثر التاريخي لا الواقع الراهن، وستغدو المنطقة العازلة جزءاً من الإدارة المغربية الفعلية بشكل لا يقبل الطعن أمام أي محكمة أو لجنة دولية. الجزائر تُدرك أن إنهاء المينورسو لن يكون مجرد قرار إجرائي في نيويورك، بل سيكون بمثابة “صك الإعدام” للمشروع الانفصالي في مجمله.
وبالانتقال من الكابوس القانوني إلى الكابوس الاقتصادي، ثمة سيناريو آخر يُقلق جنرالات الجزائر بصورة متزايدة: احتمالية أن يتحوّل تقرير ستيفان دي ميستورا إلى وثيقة تنموية-اقتصادية تُشيد بما أنجزه المغرب في العيون والداخلة. هذا التحوّل في لغة التقرير الأممي، من الخطاب السياسي البحت إلى توثيق الواقع التنموي، يحمل دلالة مدمِّرة لأطروحة الجزائر. فكلما وثّق تقرير أممي أن المدن الجنوبية تشهد تطوراً في البنية التحتية والاستثمار وجودة الحياة، كان ذلك دحضاً عملياً للادعاء الجزائري بأن المنطقة “تحت الاحتلال”، وإسقاطاً موضوعياً لصورة المظلومية التي جعلتها الجزائر قاعدة أيديولوجية لخطابها. والأخطر من ذلك أن هذا المسار يحمل رسالة ضمنية للدول الأفريقية المحايدة التي لم تحسم موقفها بعد: مفادها أن التنمية قد وصلت، وأن الاستقرار قائم، وأن ما تروّج له الجزائر لم يعد يتطابق مع الواقع المُصوَّر والموثّق أمامهم.
يُضاف إلى ذلك ما يمكن تسميته “الكابوس الأوروبي المُضاعَف”. فرنسا وإسبانيا لم تكتفيا بتأييد المبادرة المغربية خطابياً، بل باتتا تعملان بوصفهما “ضامنتين سياسيتين وقانونيتين” لمسار الحكم الذاتي داخل أروقة المجلس. لا يستطيع النظام الجزائري أن يُقلّل من أثر هذا التحوّل على الديناميكية الداخلية للمجلس؛ فباريس التي كانت تعتمد لغة التوازن الدبلوماسي الحذر باتت تضغط بشكل استباقي لتحويل قرار 2797 إلى جدول تنفيذي متسلسل. ومدريد التي أمضت سنوات في غرفة الانتظار الدبلوماسية باتت تُعرّف دعمها للمغرب بوصفه ركيزة أمنية واقتصادية لا خياراً سياسياً قابلاً للمراجعة. هذا التحوّل الأوروبي يعني للجزائر أن اثنتين من أبرز القوى الغربية في مجلس الأمن تعملان الآن في خندق واحد مع المغرب، تاركتيها في موقع “الأقلية الدفاعية” التي لا تملك سوى الاعتراض دون القدرة على تعطيل الزخم.
ولا يمكن أن تكتمل قراءة الكابوس الجزائري دون التوقف عند الجرح الأكثر إيلاماً: سيناريو الاعتراف الأممي بالجزائر بوصفها طرفاً أصيلاً في النزاع، لا مجرد “دولة مجاورة مُعنية”. طوال عقود اعتمد النظام على تكتيك مُبتكر بحق؛ وهو أن يُموّل الحرب بشكل كامل ويتحكم في المشروع السياسي للبوليساريو من الألف إلى الياء، مع الحرص في آنٍ واحد على الإبقاء على ورقة الإنكار القانونية بادّعاء أنه “مراقب” لا طرف. هذه الحيلة القانونية أعطته مرونة غير عادية: أن يحارب دون أن يتحمل أي مسؤولية قانونية مباشرة عن إخفاقات البوليساريو. لكن إذا ما جاء قرار أممي أو لغة أمريكية في البيان الختامي تُصرّح بأن الجزائر طرف أصيل، فإن ذلك يُفكّك هذه الحيلة بالكامل. لن تستطيع الجزائر حينئذٍ الاختباء خلف “حق الشعوب في تقرير مصيرها” كمبدأ مجرد، بل ستكون طرفاً مُدانَ الغياب عن طاولة التفاوض، ومحمَّل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كل يوم يمر دون تسوية.
والأشد مرارةً في هذا السيناريو هو ما يُمثّله داخلياً. فالخطاب الرسمي الجزائري استثمر عقوداً طويلة في “تقديس” القضية الصحراوية بوصفها امتداداً لثورة نوفمبر وانعكاساً لمبادئ حركة عدم الانحياز. هذا التقديس جعل من أي تراجع أو مرونة دبلوماسية ما يُشبه الخيانة للهوية الوطنية. الجنرالات الذين بنوا شرعيتهم على هذا الخطاب لن يستطيعوا الانقلاب عليه في لحظة بساطة، حتى لو أدركوا في سرّهم أن القطار قد فات. يجد النظام نفسه في معضلة مزدوجة: التراجع يعني فضح خمسة عقود من الرواية الرسمية، والاستمرار يعني الاستمرار في صراع مكلف في ظل وضع اقتصادي هشّ تتراجع فيه عائدات النفط وتتفاقم فيه الضغوط الاجتماعية. المشكلة أنه لا يوجد في القاموس السياسي للمرادية اسم لهذه المنطقة الرمادية: أن تكون خاسراً دون أن تُعلن خسارتك.
وفي حضن هذه المعضلة يتشكّل الكابوس الأشد واقعية: إذا أغلق مجلس الأمن الملف، أو حتى أعلن بوضوح عن توجّه نحو الإغلاق، سيجد النظام نفسه أمام مخيمات تيندوف بلا أفق سياسي. مئات الآلاف من البشر محتجزون في فضاء صحراوي قاسٍ بدون جنسية معترف بها ودون أي افق للعودة، ودون أن تعترف الجزائر رسمياً بأنهم على أراضيها، كل هؤلاء يُمثلون قنبلة إنسانية موقوتة تتراكم فيها الإحباطات جيلاً بعد جيل. حين يُسقط القرار الأممي وهم الاستفتاء، وحين لا يعود في الأفق ما يُبرّر الانتظار، فإن ردود الفعل داخل المخيمات قد تتخذ أشكالاً لا يُريدها النظام الجزائري: انفلات أمني، موجات نزوح، أو ما هو أسوأ، انزلاق نحو تجنيد تنظيمات مسلحة في المنطقة. في كل هذه الاحتمالات ستجد الجزائر نفسها مضطرة لتحمّل العبء مباشرة، وهو فخ لا تجيد الدبلوماسية الجزائرية الخروج منه لأنها لم تبنِ يوماً أدوات للخروج، بل بنت أدوات للاستمرار.
الصورة الكاملة التي يرسمها أبريل 2026 لجنرالات الجزائر هي أن الزمن الدبلوماسي الذي كانوا يُديرونه بحرفية مدروسة قد توقف عن العمل لصالحهم. لعقود نجحوا في تحويل “اللاحسم” إلى استراتيجية، إبقاء الجرح مفتوحاً وإدارة العطب بدلاً من السعي لعلاجه. لكن حين تجتمع الإرادة الأمريكية والتحوّل الأوروبي والزخم المغربي المتنامي في لحظة واحدة، يتكشّف أن استراتيجية اللاحسم لها سقف زمني أيضاً. المفارقة المرّة أن أشد ما يُقلق المرادية ليس هزيمة عسكرية لم تحدث، ولا اعترافا رسميا تحاشوه، بل شيء أكثر ألماً: أن يطوي العالم الصفحة ببساطة، وأن يُصبح النزاع الذي صنعوا منه هويتهم السياسية مجرد ملف في أرشيف نيويورك، مُنتهي الصلاحية بختم أممي هادئ في أول مايو.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير