بخور روما لن يبدد رائحة عفن زنازين عنابة: الجزائر والبابا وتجارة الصورة!

بقلم: هيثم شلبي

ثمة سؤال بسيط يطرح نفسه على من يتابع الإعلام الرسمي الجزائري هذه الأيام: هل زيارة البابا ليو الرابع عشر للجزائر حدثٌ ديني تاريخي، أم هي “صك غفران” دبلوماسي بالجملة؟ الإجابة، للأسف، أقرب إلى الثانية منها إلى الأولى، لا لأن الزيارة لا قيمة لها في ذاتها، بل لأن النظام العسكري الجزائري قرر أن يستأجر العربة البابوية لأغراض لا علاقة لها بالإيمان.

ستشمل الجولة الرسولية للبابا ليو الرابع عشر، الممتدة من الثالث عشر حتى الثالث والعشرين من أبريل، أربع دول أفريقية هي الجزائر والكاميرون وأنغولا وغينيا الاستوائية، في أطول رحلة يخوضها منذ توليه الحبرية. ويكفي أن نعلم أن هذه الرحلة تستغرق أحد عشر يوماً وتشمل ثماني قدّاسات وخمساً وعشرين خطبة، لندرك أن البابا لا يصطحب معه وثيقة براءة لأي حكومة. غير أن الجزائر، أرضاً وإعلاماً ومسؤولين، قررت أن تقرأ المشهد بعيون مختلفة تماماً.

حفاوة لافتة من بلد تعداد كاثوليكيه أقل من عشرة آلاف شخص

الجزائر بلد تبلغ نسبة المسلمين السنيين فيه تسعة وتسعين بالمئة من إجمالي سكانه الذين يتجاوزون خمسة وأربعين مليون نسمة، فيما لا يزيد عدد الكاثوليك فيها على ثمانية آلاف وسبعمئة شخص.  هذه المعطيات الديموغرافية الصارخة لا تُشكّل عقبة أمام مبدأ الزيارة في ذاتها، فالمغزى الديني والتاريخي لحضور القديس أوغسطين في هذه الأرض حقيقي وراسخ، وهو ما أعلنه البابا صراحةً. لكن، ما يستدعي الوقوف أمامه طويلاً هو التناسب المثير للدهشة بين صغر الحضور المسيحي وضخامة التغطية الإعلامية الرسمية.

ستشهد الزيارة تغطية إعلامية من نحو مئتي صحفي، مع تجهيز مركز إعلامي خاص في عنابة، وهو رقم يجعل المرء يتساءل: ماذا ستفعل هذه الحشود الصحفية في مدينة تضم كاتدرائية القديس أوغسطين، وعشرات الزنازين المكتظة بناشطين وصحفيين وعمال نقابيين زُجّ بهم إليها بتهم جاهزة كـ”الإضرار بالمصالح الوطنية” و”التحريض على التجمهر”؟ المفارقة مذهلة: مئتا صحفي لرصد بابا زائر، وصحفيون آخرون خلف القضبان لمجرد أنهم كتبوا.

قارن هذا بالكاميرون أو أنغولا أو غينيا الاستوائية. الكاميرون دولة ذات أغلبية مسيحية يمثل فيها الكاثوليك نحو خمسة وعشرين بالمئة من السكان، فيما تضم أنغولا أكثر من سبعة عشر مليون كاثوليكي يشكلون ما يقارب نصف سكانها. وبالمنطق البسيط، كان المتوقع أن تطغى التغطية في هاتين الدولتين ذواتَي الثقل الكاثوليكي الهائل على أي تغطية جزائرية. لكن الواقع يقول عكس ذلك تماماً. فالإعلام الجزائري الرسمي تعامل مع الزيارة كما لو أن الفاتيكان يمنح الجزائر عضوية شرف في نادٍ دولي مرموق، لا كما هو قادم للصلاة في كنيسة تتسع لبضع مئات من المؤمنين، في بلد يكاد يخلو من المسيحيين أصلاً.

وثيقة الاتهام التي لا تمحوها أي صورة

في الرابع من أبريل 2026، أي قُبيل الزيارة بأيام قليلة، وجّهت منظمات هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية وعدد من هيئات حقوق الإنسان رسالة مفتوحة إلى البابا ليو الرابع عشر تطالبه باستغلال زيارته لإثارة ملف المعتقلين السياسيين وضحايا القمع الديني في الجزائر.  هذه الرسالة، بحد ذاتها، تمثل وثيقة اتهام دامغة، ليس لأن البابا مسؤول عن قمع الجزائر، بل لأن موقعيها وجدوا في زيارته فرصة نادرة لكسر جدار الصمت الدولي المضروب حول الملف.

فبحسب هذه الرسالة، صدر بحق المدافع عن حقوق الإنسان والناشط النقابي علي معمري في فبراير 2026 حكم بالسجن عشر سنوات بتهم إرهابية ملفقة بسبب نشاطه النقابي السلمي. عشر سنوات لمجرد ممارسة العمل النقابي. هذا الرقم لا يُحتاج معه إلى تعليق، لكنه يحتاج إلى أن يُقال في وجه مئتي صحفي يُعدّون الميكروفونات لمزيد من افتتاحيات “الجزائر منارة التسامح والحوار”.

وتكشف المنظمات ذاتها أن أكثر من أربعين كنيسة بروتستانتية أُغلقت منذ عام 2017 إما بأوامر إدارية أو بسبب مضايقات قضائية لأعضائها، وأن أحمدياً مسلماً يُدعى مروان ملوك من تيبازة لا يزال رهن الاعتقال التعسفي منذ نوفمبر 2025.  هنا تتجلى المفارقة في أشد صورها سخريةً: نظام يُغلق الكنائس ويعتقل من يمارس شعائر دينية غير إسلامية، يستقبل رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم ويُزيّن المناسبة بشعار “السلام عليكم” بثلاث لغات على الملصقات الرسمية. لا شيء يعبّر عن هذا التناقض أفضل مما يعبر عنه هو نفسه.

وصنّفت منظمة مراسلون بلا حدود الجزائر في المرتبة مئة وتسعة وثلاثين من مئة وثمانين دولة على مؤشر حرية الصحافة لعام 2024، في حين اعتُقل شاعر الحراك محمد تاجادّيت مرتين في غضون عام واحد، وصدر بحقه حكم بالسجن خمس سنوات بتهم تتصل بـ”الإرهاب” لا بسبب عبوة ناسفة، بل بسبب قصيدة. هذه بعض ملامح واقع حقوقي لا يمكن لأي كاميرا أن تمحوه، مهما صوّرت من لقاءات ومصافحات.

الجزائر الوحيدة: حين يغدو الاستثناء حرجاً

الجزائر الدولة الوحيدة في هذه الجولة الأفريقية ذات الغالبية المسلمة الساحقة، إذ تضم أقل من عشرة آلاف كاثوليكي في مقابل ثمانية وأربعين مليون مسلم.  وهذا بالضبط هو ما يجعل الاستثمار الدعائي الجزائري في هذه الزيارة مكشوفاً لمن يقرأ المشهد بعيون مفتوحة. فلو كان الأمر يتعلق باحتفاء ديني صادق، لكانت الاحتفاليات أصغر حجماً وأقل توظيفاً. لكن النظام يُدرك تماماً أن كونه الدولة المسلمة الوحيدة ضمن الجولة يمنحه “قيمة مضافة” إعلامية يمكن تسويقها على أنها نموذج حضاري للتعايش وتقاطع الأديان. إنها بضاعة جذابة للتصدير، لو لم يكن المستورد يعلم ما يجري خلف الواجهة.

والواجهة رائعة، لا شك: سيزور البابا المسجد الأعظم بالجزائر العاصمة في خطوة تهدف إلى تعزيز الحوار الإسلامي المسيحي، وسيتوجه إلى عنابة لإحياء ذكرى القديس أوغسطين في موطنه التاريخي. أما خلف الواجهة، فرصيد الجزائر في ملف الحرية الدينية يبقى أحد أسوأ السجلات في شمال أفريقيا. هذا ليس رأياً، بل هو ما توثقه التقارير الدولية عاماً بعد عام بلا انقطاع.

ما الذي يأمله النظام فعلاً؟

يعيش النظام العسكري الجزائري مأزقاً حقيقياً في محيطه المباشر. العلاقة مع المغرب في حالة تجميد دبلوماسي كامل، والحدود مغلقة منذ أكثر من ثلاثة عقود. أما الساحل الأفريقي الذي طالما اعتبرته الجزائر حديقتها الخلفية، فقد شهد انقلابات متتالية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو أفقدت الجزائر نفوذها التقليدي هناك. وعلى الجبهة الأوروبية، لم تتعافَ العلاقات مع فرنسا من الجرح المزمن المتصل بملف الذاكرة والاعتراف التاريخي. في هذا الفراغ الاستراتيجي المتمدد، يبدو أن جنرالات المرادية وجدوا في الزيارة البابوية بديلاً رمزياً عن سياسة جوار فاعلة: صورة مع البابا تعوّض غياباً عن خريطة الشراكات الحقيقية.

لكن هذا الرهان مبني على سوء فهم جوهري لطبيعة الدبلوماسية المعاصرة. الدول لا تختار شركاءها الاستراتيجيين بناءً على الصور التذكارية، بل بناءً على استقرار الحوكمة واحترام القانون وضمان بيئة الأعمال. والزيارة البابوية، في أفضل أحوالها، هي رسالة قيم وليست شهادة حسن سيرة سياسية. البابا ليو الرابع عشر، وبحسب المسؤولين في الفاتيكان أنفسهم، يزور أفريقيا بهدف توجيه انتباه العالم نحو هذه القارة، لا منح أي حكومة شهادة في حسن السلوك.

ما يزيد المشهد إثارةً أن منظمات حقوق الإنسان لم تكتفِ بكتابة رسالتها للبابا في الخفاء، بل نشرتها للرأي العام الدولي. وهذا يعني أن ما يأمل النظام الجزائري في تحويله إلى صورة انتصار دبلوماسي، تحوّل بالفعل إلى منبر إضافي لعرض ملف حقوق الإنسان أمام الرأي العام الغربي. أي أن الجزائر، بسعيها لاستثمار الزيارة إعلامياً، منحت في الوقت ذاته الضوء لمن يريد إثارة ملف معتقليها.

خاتمة: قداس ينتهي والزنازين تبقى

سيُقلع البابا ليو الرابع عشر راجعاً إلى روما في الثالث والعشرين من أبريل. ستُرفع الأعلام، وستُطوى المنصات الإعلامية المؤقتة، وسيُعاد المركز الصحفي الخاص إلى مستودعاته في عنابة. وسيبقى علي معمري خلف القضبان بحكمٍ بالسجن عشر سنوات، وستبقى الكنائس الأربعون مُقفلة، وسيبقى شاعر الحراك يواجه خمس سنوات بتهمة الإرهاب الشعري.

فالعورة الحقوقية للنظام الجزائري أعمق من أن يسترها رداء أبيض، مهما كان صاحبه عظيماً. والبخور الفاتيكاني عطر جميل لا شك، لكنه لم يُصنَع يوماً لتغطية على رائحة عفن الزنازين. النظام الذي يريد فعلاً أن يكسر عزلته لا يحتاج إلى بابا يزوره، بل إلى سجناء يُطلق سراحهم، وصحفيين يُعيد إليهم أقلامهم، وكنائس يفتح أبوابها قبل أن يفتح أمام راعيها أبواب القصر.

ذلك هو الطريق الوحيد من العزلة إلى الشراكة: ليس عبر استجداء البركة من روما، بل عبر اكتساب الثقة من الشعب الذي يحكمونه، ومن العالم الذي يريدون أن ينتموا إليه.

اقرأ أيضا

محطة وقود في قلب المتوسط: زيارة ميلوني للجزائر بين الضرورة الإيطالية والوهم الجزائري!

في الخامس والعشرين من مارس 2026، حطّت جورجيا ميلوني رحالها في مطار هواري بومدين، وهي تحمل في حقيبتها ما لم يصرّح به أحد: ورقة بفاتورة الغاز وعناوين وكالات الطاقة الإيطالية. أما الإعلام الرسمي الجزائري، فقد كان جاهزاً "بالمعزوفات" الموسيقية المعتادة، ينتظر فقط إشارة البدء ليُطلق سيمفونيته المعهودة عن "الجزائر قبلة قادة العالم".

متقدما على الجزائر.. المغرب يعزز حضوره ضمن قائمة أكبر مستوردي السلاح بإفريقيا

يشهد شمال إفريقيا تحولات لافتة في موازين التسلح، مع تصاعد ملحوظ في وتيرة اقتناء المعدات العسكرية، في سياق إقليمي يتسم بتزايد الاهتمام بتحديث القدرات الدفاعية. وفي هذا الإطار، ذكر تقرير حديث صادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن المغرب عزز موقعه ضمن أكبر مستوردي الأسلحة في إفريقيا خلال الفترة 2021–2025، متقدما على الجزائر في الترتيب العالمي.

منظمة تطالب السلطات الجزائرية بالإفراج الفوري عن معتقلي الرأي ووقف الملاحقات القضائية التعسفية

طالبت  منظمة "شعاع لحقوق الإنسان" (تعمل في نطاق حدود الجزائر ومقرها الرئيسي في لندن)،  السلطات الجزائرية، بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع معتقلي الرأي.