الرئيسية / المغرب الكبير / الجزائر وأزمة البترول..هل هي نهاية السلم الاجتماعي؟
هل تهدد الأزمة النفطية السلم الاجتماعي في الجزائر؟
هل تهدد الأزمة النفطية السلم الاجتماعي في الجزائر؟

الجزائر وأزمة البترول..هل هي نهاية السلم الاجتماعي؟

جاء تراجع أسعار النفط إلى مستويات قياسية ليضيق الخناق على الجزائر التي يعتمدها اقتصادية بصورة شبه كلية على عائدات الذهب الأسود.

تأزم الوضعية النفطية وضع الجزائر أمام تساؤلات بخصوص الماضي والحاضر المستقبل. فالمتابعون للشأن الجزائري صاروا يتساءلون عن ماذا صنعت البلاد بثروتها التي راكمتها إبان الفورة النفطية، ويناقشون تخبط الدولة في مواجهة الوضع الحالي ويتخوفون من مستقبل قد لا يحمل بشائر لبلد عانى من ويلات الاضطرابات السياسية والاجتماعية الدموية في القرن الماضي.

ولأن أزمة البترول رهينة للتقلبات الدولية وسبل مواجهتها لا تتم على المستوى المحلي فقط بل أيضا على المستوى الدولي داخل منظمة الدولة المنتجة للنفط، “أوبيك”، فإن الوصول إلى توافقات دولية بهذا الشأن ما يزال أمرا صعبا.

خلال اجتماعهم في 4 ديسمبر من العام الماضي، خرجت دول “أوبيك” بقرار إبقاء الإنتاج على مستوياته الحالية بالرغم ارتفاع العرض مقابل العرض ما يتسبب في استمرار انخفاض الأسعار.

وبالرغم من كون الجزائر من أكثر المتضررين من الوضع الحالي إلى جانب فنزويلا والجزائر ونيجيريا وإيران، إلا أن المنظمة لم تستطع التوافق بشأن خفض الإنتاج.

سعي بعض أعضاء ”أوبيك” خفض إنتاج النفط اصطدم بمقاومة سعودية التي استمرت في سياسة رفع الإنتاج، إلى جانب دولة أخرى خارج المنظمة هي روسيا، للتخفيف من آثار انخفاض أسعار النفط.

إعلان إيران عن رفع سقف إنتاجها مع بداية السنة المقبلة يطرح تساؤلا حول مصير سعر البرميل في 2017 وما إذا سيواصل انخفاضه المدوي.

الخاسر الأكبر في هذه المعادلة هو الاقتصاد الجزائري الذي تضرر كثيرا. وما يزيد في تعقيد الأوضاع بالنسبة للجزائر هو ارتفاع أسعار المواد المستوردة ذات الاستهلاك الكبير بسبب سياسة خفض قيمة الدينار ما يعني تراجع القدرة الشرائية لغالبية الجزائريين وارتفاع نسب البطالة بسبب تجميد التوظيف في القطاع العام وتراجع الاستثمارات العمومية.

إقرأ أيضا: بعد المصادقة على الدستور..هل دخلت الجزائر مرحلة ما بعد بوتفليقة؟

شأن هذا الوضع أن يرخي بظلاله على الجانب الاجتماعي مع اضطرار الدولي إلى التخلي تدريجيا عن سياسية الدعم كما هو مقرر مع نهاية هذه السنة وبداية العام المقبل.

في نفس الأثناء، فإن الوضعية المالية للجزائر مرشحة للتأزم أكثر بسبب الاستمرار في استنزاف الاحتياطي المالي المرشح لأن ينقص بحوالي 30 مليار دولار على الأقل ما يهدد بفراغ “صندوق ضبط العائدات” في أقل من سنتين ونفاذ احتياطات البلاد في غضون سنوات قليلة.

هذا الصندوق كان قد امتلأ أيام كان سعر البرميل يتجاوز 100 دولار، أما اليوم فإن الاحتياطات المالية الجزائرية مرشحة للنضوب بعد أن لجأت إليها الحكومة لتعويض العجز الحاصل في ميزانيتها.

إذا ما استمرت الحكومة الجزائرية في على وتيرة الإنفاق الحالية، فإن احتياطات الصرف مهددة بالنفاد في ظرف خمس سنوات. على المستوى القصير، يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة الجزائرية هو الجانب المتعلق بالميزانية.

فميزانية الدولة في الجزائر لا يمكن أن تصمد إلا مع وجود سعر لبرميل البترول يتجاوز 100 دولار، وهو ما لا يتحقق حاليا. من شأن هذا الوضع أن يؤثر سلبا على الاستثمارات والنفقات العمومية وقدرة الدولة على التوظيف وعلاقاتها مع الشركة التي ستضرر بدورها لا محالة.

وأمام قتامة الصورة، بدت الحكومة الجزائرية عاجزة ومفتقدة لاستراتيجية واضحة لمعالجة الأزمة والحد من آثارها كما يقول منتقدوها، حيث اكتفت إما بحلول ترقيعية أو البحث عن تحميل المواطن تبعات الأزمة وتبعات سنوات من الفشل في التخطيط الاقتصادي وغياب الرؤية الاستراتيجية لإقامة اقتصاد وطني غير مرتهن لتقلبات أسعار النفط في السوق الدولية.

ويبقى التخوف الكبير لدى عدد من الجزائر هو الأثر الذي ستخلفه هذه الأزمة على السلم الاجتماعي الذي ظلت الدولة تشتريه بفضل عائدات النفط إبان فترة الازدهار، دون أن تسعى إلى إدخال إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية حقيقية في وقت كان فيه الصراع على السلطة على أشده بين أجنحة النظام وكان الفساد ينخر دواليب الدولة ويعشعش وسط أقرب المقربين من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

وعلى مدى سنوات، كان القناعة لدى عدد من المتابعين للمشهد في الجزائر أن ذكرى “العشرية السوداء” الأليمة، التي ما تزال حاضرة في أذهان الجزائريين، هي الدافع الأول الذي يحول دون اندلاع اضطرابات اجتماعية خطيرة بسبب سوء الأوضاع المعيشية لعدد كبير من الجزائر بالرغم من ما راكمته الدولة من عائدات مالية مهمة في السنوات الأخيرة.

بيد أن المخاوف تكبر في المدة الأخيرة من كون الوضعية الحالية للاقتصاد الجزائري وعجز الحكومة عن إيجاد إجابات للأزمة الراهنة تهدد بنهاية السلم الاجتماعي في البلاد، وهو ما لا ترغب فيه ولا شك أي من دول الجوار نظرا لكون المنطقة تشهد ما يكفي من عوامل التوتر.

فهل تستطيع السلطات الحاكمة في الجزائر تجنيب البلاد ويلات اضطرابات اجتماعية قد تعيد إلى الأذهان اضطرابات نهاية عقد الثمانينات؟

الأكيد أن ذلك يتطلب وعيا من الطبقة الحاكمة بضرورة تغيير تصوراتها وممارساتها التي كانت حسب البعض سببا في الوضع الذي آلت إليه البلاد بسبب قصر النظر وغياب الإرادة لبناء اقتصاد وطني يوفر تنمية حقيقية تحصن البلاد ضد تقلبات أسعار النفط.