احتفالية تبون في تندوف: عندما يصبح الإفلاس الدعائي مشهداً سينمائياً

بقلم: هيثم شلبي

في مشهد يليق بأفلام الخيال العلمي الرخيصة، وقف الرئيس عبد المجيد تبون في منتصف يناير 2026 وسط صحراء تندوف، محاطاً بحشد من الجنرالات المزركشين والكاميرات الرسمية، ليعلن للعالم أجمع أن الجزائر على وشك أن تصبح “قوة اقتصادية عالمية” بفضل منجم حديد اسمه “غارا جبيلات”.

الأوركسترا الدعائية عزفت سيمفونيتها المعتادة: “3.5 مليار طن احتياطي”، “50 مليون طن إنتاج سنوي”، “ثورة اقتصادية”، “استقلال صناعي”، “مشروع القرن”. الإعلام الرسمي الجزائري – ذلك الكائن الأسطوري الذي يعيش في عالم موازٍ للواقع – أطلق العنان لخياله الجامح: الجزائر ستصبح “أستراليا جديدة”، وتندوف ستتحول إلى “دبي الصحراء”.

المشكلة الوحيدة في هذه الملحمة الدعائية؟ “الأرقام”.

تلك الحقائق الرقمية العنيدة، المزعجة، التي لا تنصاع للخطابات الرنانة ولا تنحني أمام الاحتفاليات الضخمة. الأرقام التي تصرخ بحقيقة واحدة: “منجم غارا جبيلات، بوضعه الحالي، مشروع فاشل اقتصادياً قبل أن يبدأ”.

 عندما يحتفل الرئيس… بالخسارة

دعونا نفهم ما يحتفل به تبون حقاً. خام غارا جبيلات ملوث بالفوسفور (أكثر من 0.8%)، مما يجعله “رخيصاً” في السوق الدولية – حوالي 75-85 دولاراً للطن، بينما تكلفة استخراجه ومعالجته ونقله تصل إلى 65-85 دولاراً للطن.

بمعنى آخر: “هامش ربح يتراوح بين صفر و10 دولارات للطن”.

عشرة دولارات! هذا ما تحتفل به الجزائر بحضور الرئيس والجنرالات والكاميرات. عشرة دولارات -كحد أقصى!!- يمكن أن تتبخر مع أي:

– زيادة في سعر الديزل لقطارات النقل

– تذبذب في أسعار الحديد العالمية (التي هبطت 30% في السنوات الثلاث الأخيرة)

– دخول منافس جديد للسوق (مثل سيماندو في غينيا، الذي سيُغرق السوق بخام أنقى وأرخص)

لكن تبون لا يهتم بهذه “التفاصيل الصغيرة”. المهم هو “الصورة”: الرئيس في الصحراء، يفتتح “مشروع القرن”، ووسائل الإعلام تصفق.

 رياضيات الكارثة: 80 عاماً لاسترداد الاستثمار

الجزائر أنفقت حتى الآن “8 مليارات دولار” على البنية التحتية: 5-7 مليارات على خط السكة الحديدية وحده، ومليار على مصنع المعالجة، ومئات الملايين على المياه والطاقة.

لنفترض – في سيناريو وردي جداً – أن المشروع سيحقق “100 مليون دولار ربح صافٍ سنوياً” (أي 10 دولارات ربح على كل طن من 10 ملايين طن).

“السؤال البسيط”: كم سنة تحتاج الجزائر لاسترداد 8 مليارات دولار؟

“الجواب المحرج”: “80 عاماً”.

ثمانون عاماً! هذا إذا سارت الأمور “على ما يرام” – أي إذا لم تنخفض الأسعار العالمية، ولم تتعطل السكة الحديدية، ولم ينفد الغاز، ولم يدخل سيماندو السوق بقوة.

في عالم الاستثمارات، أي مشروع يحتاج أكثر من 15-20 سنة لاسترداد رأس المال يُعتبر “فاشلاً”. أما 80 عاماً؟ هذا ليس استثماراً، هذا “عبء على الأجيال القادمة”.

لكن من يجرؤ على قول هذا لتبون وهو يحتفل؟

 “50 مليون طن”: الكذبة الكبرى

الرقم السحري الذي يردده الإعلام الجزائري: “50 مليون طن سنوياً”. يبدو مذهلاً، أليس كذلك؟

المشكلة: هذا الرقم “مستحيل فيزيائياً” مع البنية التحتية الموجودة.

خط السكة الحديدية الذي احتفل به تبون هو “خط أحادي” (Single Track)، وأقصى طاقة يمكنه نقلها – في أحسن الأحوال – هي “30-35 مليون طن سنوياً”. للوصول إلى 50 مليون طن، تحتاج الجزائر إلى:

– مضاعفة الخط بالكامل (تكلفة: 3-4 مليارات دولار إضافية)

– مضاعفة عدد القاطرات (من 40 إلى 100+)

– 5-7 سنوات من العمل الإضافي

“الواقع على الأرض”: المرحلة الأولى (2026) تستهدف نقل “2-3 ملايين طن فقط”. ليس 50 مليوناً، بل “2-3 ملايين”.

لكن من يهتم بالحقائق عندما يكون الخطاب الدعائي أجمل؟

 الفخ الطاقوي: لا غاز = لا تصنيع

الخطة الجزائرية – نظرياً – ليست تصدير الخام الرخيص، بل “تحويله محلياً” إلى حديد مختزل (DRI) وحديد تسليح، لرفع القيمة المضافة من 80 دولار إلى 500-600 دولار للطن.

خطة رائعة! إلا أن هناك مشكلة صغيرة: “لا يوجد غاز”.

صناعة الحديد المختزل “شرهة للغاز” بشكل جنوني. لتصنيع 10 ملايين طن سنوياً، تحتاج الجزائر إلى “11-12 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً” – وهو ما يعادل “12% من إنتاج الجزائر الكلي”.

المشكلة: الجزائر نفسها تعاني من “أزمة غاز” متفاقمة:

– الإنتاج راكد أو متراجع

– الاستهلاك المحلي يلتهم أكثر من 50% من الإنتاج

– طوابير غاز البوتان في الشتاء

– انقطاعات كهرباء في الصيف

فمن أين سيأتي الغاز لمصانع الحديد؟

“الحل الجزائري “العبقري”“: الحديث عن “”الهيدروجين الأخضر”“ و””الطاقة الشمسية”“.

مشكلة صغيرة أخرى: بناء منظومة هيدروجين أخضر بحجم كافٍ لتشغيل مصانع غارا جبيلات يحتاج:

– “عشرات المليارات من الدولارات”

– “10-15 سنة” من العمل

– تكنولوجيا لا تملكها الجزائر حالياً

لكن من يهتم بهذه “التفاصيل” عندما يكون المصطلح جذاباً: “الهيدروجين الأخضر”؟

 سيماندو (غينيا): الكابوس القادم

بينما تحتفل الجزائر بمنجم خاسر في تندوف، تستعد غينيا لإطلاق “منجم سيماندو” – أحد أنقى احتياطيات الحديد في العالم:

– “تركيز الحديد”: 68% (مقابل 57-62% في غارا جبيلات)

– “نسبة الشوائب”: منخفضة جداً (بدون فوسفور مرتفع)

– “البعد عن الساحل”: 650 كلم فقط (مقابل 1600 كلم لغارا جبيلات)

– “الطاقة الإنتاجية”: 150 مليون طن سنوياً

عندما يدخل حديد غينيا السوق بقوة (2027-2028)، سيكون بمقدوره “إغراق السوق العالمية” بأسعار تنافسية – حوالي 90-100 دولار للطن للخام النقي.

“ماذا يعني هذا لغارا جبيلات؟”

بكل بساطة: “الموت الاقتصادي”. خام جزائري ملوث بالفوسفور، يُنقل عبر 1600 كلم، بتكلفة 65-85 دولار، ليباع بـ60-70 دولار في سوق مغرق… هذا ليس مشروعاً اقتصادياً، هذا “انتحار مالي”.

لكن تبون لا يريد سماع هذا. هو مشغول بـ”الاحتفالية”.

 التاريخ يعيد نفسه: كم مرة “افتُتح” غارا جبيلات؟

الطريف في الأمر أن غارا جبيلات ليس مشروعاً جديداً. بل هو مشروع “”يُفتتح”“ كل بضع سنوات:

– “1972”: اتفاقية جزائرية-مغربية للاستغلال المشترك (لم تُفعّل أبداً)

– “2014”: إعلان “قريب” عن بدء الاستغلال (لم يحدث)

– “2018”: وضع حجر الأساس (لا شيء تحقق)

– “2022”: إعلان “جاهزية” المشروع (كذبة أخرى)

– “2026”: الاحتفالية “الكبرى” (لإنتاج 2-3 ملايين طن فقط!)

في كل مرة، الإعلام الجزائري يصرخ: “مشروع القرن!” ثم يختفي المشروع عن الأنظار، ليعود بعد سنوات في “احتفالية جديدة”.

هذه ليست سياسة اقتصادية، هذه “دورة دعائية متكررة” لتخدير الرأي العام.

 لماذا الآن؟ الدعاية كمخدّر

لماذا هذه الاحتفالية الضخمة في يناير 2026 بالذات؟

السبب بسيط: “النظام الجزائري في أزمة حادة”:

– “اقتصادياً”: تراجع الاحتياطيات، عجز في الميزانية، تضخم

– “اجتماعياً”: بطالة متفشية، نقص في السكن، تدهور الخدمات

– “دبلوماسياً”: فشل في ملف الصحراء، عزلة إقليمية متزايدة

في هذه الظروف، “غارا جبيلات” هو “مخدر إعلامي مثالي”:

– يشغل الرأي العام عن الأزمات الحقيقية

– يخلق وهماً بـ”الإنجاز الاقتصادي الكبير”

– يغذي الخطاب القومي الشوفيني (“الجزائر قوة عظمى!”)

المشكلة: “المخدرات تزول بسرعة”. وعندما يستيقظ الشعب الجزائري، سيجد نفسه أمام مشروع “مستنزف للموارد”، “غير مربح”، “فاشل اقتصادياً”، لكنه كلّف “8 مليارات دولار” من أموال دافعي الضرائب.

 الخلاصة: إفلاس دعائي معلّب

احتفالية تبون في تندوف ليست احتفالاً بإنجاز اقتصادي. إنها “احتفال بالإفلاس الدعائي” للنظام الجزائري.

إفلاس دعائي يتجلى في:

  1. “الكذب الرقمي الفاضح”: الحديث عن 50 مليون طن في وجود بنية تحتية لا تتجاوز 30-35 مليون طن
  2. “التجاهل المتعمد للاقتصاد”: الاحتفال بمشروع هامش ربحه صفر إلى 10 دولارات للطن
  3. “الهروب من الحقائق”: إخفاء أزمة الغاز التي ستمنع التصنيع المحلي
  4. “تكرار الفشل”: “افتتاح” مشروع للمرة الخامسة في 15 سنة
  5. “الاستهانة بعقل المواطن”: تصوير منجم خاسر كـ”ثورة اقتصادية”

غارا جبيلات يُلخّص حالة النظام الجزائري بأكملها: “نظام فاقد للمصداقية”، يعيش في عالم موازٍ من الدعاية والشعارات، بينما الأرقام – تلك الكائنات العنيدة – تصرخ بفشله.

عندما يصل نظام إلى مرحلة ينظم فيها احتفالية ضخمة بحضور الرئيس لمشروع “خاسر اقتصادياً قبل أن يبدأ”، فهذا يعني شيئاً واحداً فقط: “الإفلاس الدعائي الكامل”.

والأسوأ من ذلك؟ أن تبون نفسه يبدو مقتنعاً بدعايته. هذا ليس إفلاساً دعائياً فحسب، بل “إفلاس إدراكي” للنظام بأكمله.

في النهاية، الأرقام لا تكذب. وعندما تستيقظ الجزائر من سُكْر الدعاية، ستجد نفسها أمام “فيل أبيض” ضخم في تندوف، كلّف مليارات، ولا ينتج سوى الخسائر.

لكن على الأقل، “الاحتفالية كانت مبهرة”.

اقرأ أيضا

الجزائر

هل اقتربت لحظة نهاية النظام العسكري في الجزائر؟!

منذ بداية 2026، تتلاحق التطورات في أكثر من بقعة في العالم، وإن كان العنصر المشترك بينها كونها تجري في بلاد تحكمها أنظمة شمولية، عسكرية كانت أو اشتراكية أو "إسلامية". فالأخيرة "إيران" دشنت هذه الاضطرابات في آخر أيام 2025 عبر مظاهرات غير مسبوقة، لا في حجم الحشود التي تضمها، بل في شموليتها للفقراء والتجار على حد سواء، وبارتفاع سقف الجرأة في شعاراتها، حيث تستهدف المرشد الأعلى صراحة ودون مواربة. أما فنزويلا، فلم تتأخر عن الموعد، حيث أفاقت العاصمة كاراكاس على خبر اقتياد رئيسها "التشافيزي الاشتراكي المناهض للإمبريالية الأمريكية" إلى نيويورك هو وزوجته بعد اقتحام غرفة نومه وجلبه ليقف أمام قاضي محكمة في نيوريورك، من المشكوك أنه سيجد مادة قانونية صريحة يستطيع الاتكاء عليها لتبرير محاكمة مادورو أصلا، ناهيك عن إدانته!!

إدانة الاعتقالات والملاحقات التعسفية التي طالت سائقي الشاحنات بالجزائر بعد مشاركتهم في إضراب

أدانت منظمة "شعاع" لحقوق الإنسان (تعمل في نطاق حدود الجزائر ومقرها الرئيسي في لندن)، بأشدّ العبارات سلسلة الاعتقالات والملاحقات القضائية التعسفية التي طالت عددًا من سائقي الشاحنات في عدة ولايات بالجزائر.

ملعب مولاي الحسن بالرباط يحتضن مباراة مصيرية للكونغو والجزائر في “الكان”

يحتضن ملعب مولاي الحسن بالرباط، اليوم الثلاثاء، مباراة قوية ضمن منافسات كأس أمم إفريقيا لكرة القدم "المغرب 2025".