بقلم: هيثم شلبي
هناك مهارة نادرة تتقنها الجزائر الرسمية بامتياز: فن تجاهل الكارثة الحقيقية، بينما تصنع الضجيج حول الوهم. يبدو ذلك جليا في التعامل مع معضلة تراجع احتياطي البنك المركزي من العملة الصعبة. فبينما احتياطي النقد الأجنبي يتآكل بمعدل ينذر بالخطر؛ وبينما البنك الدولي يطلق تحذيرات متتالية عن “صعوبات اقتصادية ملحوظة”، نجد الآلة الإعلامية الرسمية منشغلة بمهمة أكثر إلحاحاً: رصد أي “فشل مغربي” محتمل في تنظيم كأس أفريقيا!
رحلة التبخر الصامت
دعونا نضع الأرقام أمامنا بوضوح، لأن الأرقام – على عكس الخطابات – لا تكذب:
- 2014: 194مليار دولار (الذروة التاريخية)
- 2022: 60 مليار دولار
- نهاية 2023: 69 مليار دولار
- نهاية 2024: 72 مليار دولار (حسب وزير المالية)
- نهاية 2025: في حدود 62 مليار أو أقل (حسب تحذيرات البنك الدولي)
- نهاية 2026: 40-50 مليار دولار!!
هذه ليست مجرد أرقام جافة، هذه قصة انهيار بطيء. من 194 مليار إلى حوالي 50 مليار في غضون اثني عشر عاماً فقط. أكثر من 140 مليار دولار تبخرت – ليس في مشاريع تنموية عملاقة، ليس في بناء اقتصاد منوّع ومستدام – بل في تغطية عجز مزمن وفاتورة استيراد متضخمة ونموذج اقتصادي فاشل يعتمد بنسبة 90% على المحروقات.
البنك الدولي، في تقريره الأخير (ديسمبر 2025)، كان واضحاً وصريحاً: الاحتياطيات “واصلت منحى الانكماش”، وتراجعت إلى ما يعادل “15 شهراً من الواردات مع نهاية 2024، بعدما كانت 16.4 شهراً قبل عام”. التحذير أوضح: “هذا التراجع لم يكن ظرفياً”، بل هو نتيجة “اتساع عجز الحساب الجاري على خلفية هبوط العائدات الطاقوية وتزايد فاتورة الواردات”.
خبراء اقتصاديون جزائريون – من القلة الشجعان الذين يجرؤون على قول الحقيقة – يحذرون من أن “الأسوأ في انتظار الجزائريين”. يتحدثون عن “الدخول في نفق”، عن “عرض مستقبل البلاد للخطر”، عن الحاجة الملحّة لإصلاحات هيكلية لم تحدث ولن تحدث في ظل النموذج الحالي.
لكن وسط كل هذا، ما الذي ينشغل به الإعلام الرسمي؟ تصيّد “أخطاء” في تنظيم المغرب لكأس أفريقيا.
الاحتياطي يتآكل، والإعلام يراقب المغرب
لنفهم المفارقة بدقة: بينما احتياطي النقد الأجنبي يتناقص بمعدل يدور حول رقم 10 مليارات دولار سنوياً (حسب السنوات)، خصصت القنوات الجزائرية ساعات – بل أياماً – من البث لمتابعة تنظيم المغرب لكأس أفريقيا، بحثاً عن أي “فشل” محتمل يمكن تضخيمه.
ازدحام في مدخل ملعب؟ عنوان عريض: “الفوضى تعم تنظيم المغرب!”
تأخر بسيط في بداية مباراة؟ تحليل معمق: “الإخفاق التنظيمي يفضح الادعاءات المغربية!”
مشكلة تقنية عابرة في البث؟ تقرير خاص: “البنية التحتية المغربية تنهار تحت ضغط الحدث!”
في نفس الوقت، تقرير البنك الدولي عن تآكل الاحتياطي الجزائري؟ صمت شبه مطبق. تحذيرات الخبراء الاقتصاديين عن أزمة مالية قادمة؟ تجاهل تام. عجز متفاقم في الميزانية يُموّل من الاحتياطي المتناقص؟ لا تعليق.
فلسفة “الانشغال بالثانويات“
هناك استراتيجية نفسية معروفة في السياسة السلطوية: عندما تكون لديك مشاكل حقيقية عميقة لا تعرف – أو لا تريد – حلها، اصنع ضجيجاً حول مشاكل وهمية أو ثانوية لتشتيت الانتباه.
الاقتصاد الجزائري يواجه تحديات بنيوية خطيرة:
- اعتماد شبه كامل على المحروقات: 90% من عائدات النقد الأجنبي من النفط والغاز، مع تسجيل تراجع سنوي ثابت في الإنتاج، وبالتالي المداخيل.
- فشل التنويع الاقتصادي: رغم عقود من الوعود، الصادرات غير النفطية لا تزال ضئيلة ولم تتجاوز 5 مليارات دولار على الرغم من أرقام الرئيس تبون التي تضعها في خانة 13 مليارا!!
- فاتورة استيراد متضخمة: الجزائر تستورد كل شيء تقريباً، من الغذاء إلى الأدوية إلى المواد الأساسية
- عجز مزمن في الميزانية: يُغطى بطباعة النقود دون حساب، وبالسحب المستمر من الاحتياطي
- بيروقراطية خانقة وفساد يعيقان أي استثمار حقيقي أو تنمية مستدامة
كل هذه المشاكل تتطلب إصلاحات جذرية، قرارات صعبة، تغييراً حقيقياً في النموذج الاقتصادي. لكن بدلاً من ذلك، الأسهل هو تحويل الانتباه: دعونا نراقب المغرب! دعونا نبحث عن “إخفاقاته”! دعونا نصنع “انتصارات” وهمية بالتشهير بنجاحاته!
موازنة 2026: الكارثة المغلفة بالتفاؤل
موازنة 2026 الجزائرية – التي وُصفت رسمياً بأنها “تاريخية” و”طموحة” – تحكي قصة مختلفة تماماً. العجز المتوقع يقارب 40 مليار دولار، سيُموّل – كالعادة – من احتياطي الصرف. بمعنى آخر: الجزائر تأكل من لحمها لتُطعم نفسها.
خبير اقتصادي جزائري، سليمان ناصر، حذر بوضوح من أن “العجز في ميزانية 2026 يضع الدولة أمام اختبار صعب”، وأن “الاستمرار في اللجوء إلى حلول ظرفية لتغطية العجز، مثل السحب من احتياطات الصرف، لا يصلح لمواجهة أزمة ذات طابع هيكلي”.
لكن بدلاً من مواجهة هذا “الاختبار الصعب”، الحل الأسهل: تجاهل المشكلة، والتركيز على مراقبة ما يفعله المغرب. كأن نجاح المغرب في تنظيم حدث رياضي سيحل مشكلة تآكل الاحتياطي الجزائري!
الإنكار المُنظّم
الأكثر إثارة للقلق ليس فقط تجاهل المشكلة، بل الإنكار المُنظّم لوجودها أصلاً. المسؤولون الجزائريون يصرون على أن “الاقتصاد صامد”، أن “المؤشرات إيجابية”، أن “الاحتياطي في مستوى جيد”.
حتى عندما يعلن البنك المركزي أرقاماً تظهر التراجع، يُصاحب الإعلان بعبارات تطمينية: “المستوى جيد”، “لا قلق على الاقتصاد”، “الوضع تحت السيطرة”. كأن التراجع من 194 مليار إلى قرابة 50 مليار المتوقع هذا العام “مستوى جيد”!
هذا الإنكار يُذكّر بالنكتة القديمة عن الرجل الذي يسقط من ناطحة سحاب، وفي كل طابق يمر به يقول: “حتى الآن، كل شيء على ما يرام!”
ما يُنفق على المراقبة بدلاً من البناء
الموارد – البشرية والمالية – المُهدرة في “مراقبة المغرب” مذهلة. تخيلوا لو أن الطاقة المبذولة في تصيد “أخطاء” تنظيم كأس أفريقيا، والساعات الطويلة من البث التلفزيوني، والمقالات التحليلية “العميقة” عن “فشل مغربي وهمي”، تخيلوا لو أن كل هذا استُثمر في:
- دراسات جدية عن كيفية تنويع الاقتصاد الجزائري
- خطط فعلية لتطوير الصادرات غير النفطية
- إصلاحات حقيقية للبيروقراطية الخانقة
- محاربة فعلية للفساد المستشري
- جذب استثمارات أجنبية حقيقية
لكن هذا يتطلب عملاً صعباً، قرارات جريئة، مواجهة مصالح راسخة. بينما مراقبة المغرب؟ سهلة، رخيصة، وتخلق انطباعاً زائفاً بأننا “نفعل شيئاً”.
المقارنة القاسية
المفارقة الأقسى: بينما الجزائر تهدر طاقتها في “مراقبة” المغرب، المغرب منشغل ببناء نفسه. المغرب ينظم أحداثاً دولية (كأس أفريقيا، كأس العالم 2030)، يطور بنيته التحتية، يجذب استثمارات ضخمة، يوقع اتفاقيات دولية مهمة، يبني ممرات صناعية، يطور موانئ عملاقة.
والجزائر؟ منشغلة برصد أي خطأ صغير في تنظيم المغرب لحدث رياضي. كأن اكتشاف “خطأ مغربي” سيضيف دولاراً واحداً للاحتياطي الجزائري المتآكل!
الدول الجادة لا تضيع وقتها في مراقبة جيرانها، بل في بناء نفسها. الدول الواثقة من مشاريعها لا تحتاج للبحث عن “فشل الآخرين” لتشعر بالرضا. والدول التي تواجه أزمات اقتصادية حقيقية لا ترفع الدعاية مكان الحلول.
الخلاصة: من التبخر إلى الانفجار
الاحتياطي يتآكل بصمت، لكن هذا الصمت لن يدوم إلى الأبد. عاجلاً أم آجلاً، سيأتي اليوم الذي لن تكفي فيه التطمينات الرسمية، ولن تُجدي الدعاية نفعاً، وسيواجه الاقتصاد الجزائري “لحظة الحقيقة”.
وفي ذلك اليوم، لن ينفع أن نقول: “لكننا رصدنا أخطاء المغرب في تنظيم كأس أفريقيا!”. لن ينفع أن نحتج: “لكننا صنعنا ضجيجاً إعلامياً كبيراً حول جيراننا!”. الاقتصاد لا يهتم بالدعاية، والأرقام لا تكذب، والاحتياطي المتبخر لن يعود بالشماتة.
المأساة الحقيقية ليست في أن الاحتياطي يتآكل، فهذه مشكلة يمكن حلها بإصلاحات جادة. المأساة الحقيقية أن النظام يفضل إنكار المشكلة وتشتيت الانتباه عنها، بدلاً من مواجهتها.
وهكذا، بينما يتبخر المستقبل الاقتصادي للجزائر بهدوء، يستمر الإعلام الرسمي في مهمته النبيلة: مراقبة برتقالة تسقط في أكادير، والاحتفاء بأن “جيراننا أسوأ منا”.
حتى يأتي يوم الحساب.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير