بقلم: هيثم شلبي
في الأسبوع نفسه الذي سجّلت فيه الجزائر ذروة تاريخية في استهلاك الكهرباء وسط موجة حر بلغت 49 درجة، أعلنت وزارة الدفاع حصيلة عملياتية أسبوعية ضخمة لمكافحة تهريب المخدرات والتنقيب غير الشرعي عن الذهب والهجرة غير النظامية على طول حدودها الجنوبية والغربية، تلتها بعد يومين عملية أكبر أسفرت عن ضبط 10.4 ملايين قرص مؤثر عقلي و33 كلغ من الكوكايين. في الموازاة، يواصل الخطاب الرسمي والإعلامي الجزائري تقديم البلاد بوصفها “ركيزة أساسية في أمن الطاقة الأوروبي” و”البديل الأنسب للغاز الروسي”. السؤال الذي لا يطرحه أحد داخل هذا الخطاب: هل تسمح بنية الجزائر الداخلية فعلا بتحمّل الدور الذي تسوّقه لنفسها في بروكسل وبرلين؟
الأرقام التي يستشهد بها الخطاب الرسمي
الوقائع الطاقية حقيقية ولا تحتاج تضخيما. بحسب بيانات يوروستات، استحوذت الجزائر على 17.4% من قيمة واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز المنقول عبر الأنابيب خلال 2025، لتحتل المرتبة الثانية بعد النرويج، بينما تراجعت حصة روسيا من 45% عام 2021 إلى نحو 12% فقط. وبلغت صادرات الجزائر إلى أوروبا خلال النصف الأول من 2026 نحو 16.9 مليار متر مكعب، بارتفاع 6.9% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وسط دخول جديد إلى السوق الألمانية عبر أول شحنة غاز مسال مباشرة وصلت محطة فيلهلمسهافن في يوليو 2026. هذه أرقام مستقلة «يوروستات، الاتحاد الدولي للغاز»، لا تصريحات حكومية، وهي تثبت أن الجزائر شريك طاقي حقيقي لأوروبا. لكن المشكلة ليست في هذه الأرقام، بل فيما يُسكت عنه بجانبها.
ما يسكت عنه الخطاب: الاستهلاك الداخلي يلتهم هامش المناورة
في اليوم نفسه تقريبا الذي يُحتفى فيه بالشحنة الألمانية، سجّلت الجزائر يوم الأربعاء 19 أغسطس ذروة استهلاك كهرباء قياسية بلغت 21828 ميغاواط، متجاوزة الرقم القياسي المسجل قبلها بيوم واحد بـ101 ميغاواط فقط، في تصاعد متواصل طيلة أسبوع كامل. تقارير متخصصة «مركز واشنطن للسياسات، تقارير طاقية مستقلة» أشارت مرارا إلى أن الطلب المحلي على الكهرباء ينمو بمعدل يقارب 4% سنويا، وأن الجزائر خصصت أقل من نصف مليار دولار فقط من خطة استثمار سوناطراك الخمسية البالغة 42 مليار دولار لمشاريع الحد من حرق الغاز المصاحب، وهي نسبة أقل بكثير من نظيراتها الدولية. بعبارة أخرى، بينما تكبر واجهة التصدير، يكبر إلى جانبها استهلاك داخلي «كهرباء الصيف، تحلية المياه، دعم الطاقة» لم تعالج الجزائر أسبابه الهيكلية، وهو ما اعترفت به تقارير متخصصة صراحة حين حذّرت من أن “النمو المتواصل للطلب المحلي… قد يقلص الفائض الموجه للتصدير مستقبلا”.
وحتى مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يُقدَّم كورقة رابحة إضافية لنقل غاز نيجيريا عبر النيجر إلى الجزائر ثم أوروبا، يمر جغرافيا عبر إقليم يشهد بالضبط النوع نفسه من الهشاشة الأمنية التي تكشفها الحصيلة العسكرية الجزائرية الأسبوعية داخل حدودها هي: تهريب، جماعات مسلحة، حدود مثقوبة. لا فرق جوهريا بين حدود الجزائر الجنوبية وحدود النيجر التي يفترض أن يعبرها الأنبوب، والمنطق نفسه الذي يجعل الأولى غير مضمونة يجعل الثانية كذلك.
عندما تتحول الحصيلة الأمنية إلى مؤشر اقتصادي
الحصيلة الأمنية للفترة من 12 إلى 18 أغسطس وحدها تضمنت توقيف 49 مهربا وإحباط تهريب أكثر من 400 كيلوغرام من القنب الهندي، إلى جانب مئات التوقيفات المرتبطة بالهجرة غير النظامية والتنقيب غير الشرعي عن الذهب في أقصى الجنوب، وصولا إلى استسلام مسلح. وبعد يومين فقط، أعلنت المديرية العامة للأمن الوطني عن “أكبر عملية من نوعها” بضبط عشرة ملايين ونصف المليون قرص مؤثر عقلي وشبكة تهريب امتدت من الولايات الجنوبية إلى وهران وتيزي وزو والجزائر العاصمة والبليدة وتيبازة. هذا ليس مجرد ملف أمني معزول، بل مؤشر مباشر على حجم الاقتصاد الموازي الذي يعبر الحدود الجنوبية للبلاد أسبوعيا، في الوقت الذي تطلب فيه أوروبا من الجزائر ضمانات استقرار وانتظام إمداد طويلة الأمد.
طبقة إدارية تدار بمنطق المطافئ لا بمنطق التخطيط
هذه الهشاشة لا تُفسَّر فقط بأرقام الاستهلاك والتهريب، بل بطريقة إدارة الأزمات نفسها. فمنذ اندلاع موجة حرائق الغابات في يوليو 2026، التي بلغت حصيلتها الإجمالية 1968 حريقا «667 في الغابات والأدغال، 1301 في المحاصيل الزراعية» عبر عشرات الولايات، اتخذت الدولة النمط الإداري المعتاد نفسه: تعليمات رئاسية بمهلة قصوى «31 أغسطس»، ثم لجان ولائية لتقييم الأضرار، ثم اجتماعات تنسيقية متكررة لوزير الداخلية مع الولاة «في أوائل أغسطس ثم منتصفه»، وصولا إلى بدء صرف التعويضات في 18 أغسطس عبر مقرات البلديات. لكن حين تُفحص الحصيلة الفعلية، يتبين أن وزارة السكن خصصت في مرحلة أولى 258 إعانة مالية فقط بقيمة إجمالية 85 مليون دينار (قرابة 644 ألف دولار بالسعر الرسمي للدينار، أو 354 ألف دولار بالسعر الحقيقي للدينار) لعائلات فقدت مساكنها (بواقع 1370 دولارا للعائلة!!)، وهو رقم متواضع جدا قياسا بحجم الكارثة المعلن رسميا. النمط نفسه تكرر بالتوازي في ملفين آخرين لا علاقة مباشرة لهما بالحرائق: برنامج استعجالي لاستيراد 10 آلاف حافلة لتجديد أسطول نقل متهالك، لم يتحقق منها سوى أقل من 70 بالمئة رغم مرور خمسة أشهر على الأجل الذي حددته الوزارة لاستكمال العملية؛ واجتماع تنسيقي منفصل لتفعيل أجهزة قياس السرعة على المركبات الثقيلة بعد حادث انقلاب حافلة بومرداس الذي خلّف 28 قتيلا وتبين أن سائقها كان تحت تأثير مخدرات. ثلاثة ملفات مختلفة «حرائق، نقل، مخدرات» تدار جميعها بالآلية الإدارية عينها: تعليمة رئاسية عاجلة، إسعاف ميداني، وتغييب شبه تام لأي نقاش حول الأسباب الهيكلية «تقادم البنية التحتية، ضعف الرقابة، غياب اللامركزية الفعلية» التي تجعل الجزائر بحاجة إلى هذا الكم من “الإسعافات” في وقت واحد.
سؤال لا يطرحه أحد في الجزائر
الخطاب الجزائري يقدم نفسه في بروكسل بلغة “الشريك الموثوق” الذي يعوّض الفراغ الروسي، وفي باماكو والنيامي بلغة “قوة الجوار الإقليمي” الضامنة للاستقرار عبر مشروع الأنبوب العابر للصحراء. لكن الأرقام نفسها الصادرة عن مؤسسات الدولة الجزائرية في أسبوع واحد ترسم صورة مختلفة: بنية تحتية كهربائية تُختبر عند كل موجة حر، خطة استثمار طاقي تخصص أقل من 1.2% لمعالجة الهدر البيئي، وحدود جنوبية تحتاج عملية عسكرية أسبوعية موسّعة لضبطها. فإذا كانت الجزائر عاجزة عن تأمين تدفق الكهرباء لسكانها في ذروة صيف واحد، وعاجزة عن إغلاق ثغرة حدودية واحدة تمر عبرها ملايين الأقراص المخدرة أسبوعيا، وتدير أزماتها المتزامنة «الحرائق، النقل، الحدود» بمنطق التعليمة الرئاسية العاجلة بدل التخطيط الهيكلي، فما الذي يضمن لأوروبا أن هامش التصدير الذي تراهن عليه لتعويض الغاز الروسي سيبقى متاحا حين يشتد الطلب الداخلي في الشتاء المقبل، أو حين يتوسع مشروع أنبوب يعبر بالضبط المنطقة الأكثر هشاشة أمنيا في القارة؟
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير