بقلم: هيثم شلبي
في 26 يوليوز 2026، أعلنت وزارة التربية الوطنية الجزائرية أن الإنجليزية ستصبح ابتداء من الموسم الدراسي 2026-2027، اللغة الأجنبية الوحيدة التي تُدرَّس في السنة الثالثة ابتدائي، فيما تؤجَّل الفرنسية إلى السنة الرابعة. القرار بحد ذاته تقني في ظاهره، لكنه فجّر في أسابيع قليلة سجالا سياسيا حادا استحضر “العشرية السوداء” ومصطلح “غنيمة الحرب”، وأدخل وزيرين سابقين في مواجهة علنية مع باحث تربوي، إلى درجة اضطرت معها رئاسة الحكومة، لا وزارة التربية، إلى التدخل لضبط رزنامة الدخول المدرسي نفسها. هذا التصعيد غير المتناسب مع “تعديل بيداغوجي” ظاهريا هو بالضبط ما يستحق التفكيك.
القرار وحدوده الحقيقية
الوقائع دقيقة ومهمة: القرار لا يلغي تدريس الفرنسية، بل يؤخره عاما واحدا، ويعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل إصلاحات لجنة علي بن زاغو لسنة 2003، التي كانت هي من كرّست تدريس الفرنسية من السنة الثانية ثم الثالثة ابتدائي. بعبارة أخرى، الجزائر لا تخترع سياسة لغوية جديدة، بل تلغي إصلاحا عمره 23 عاما لتعيد إنتاج ترتيب كان سائدا قبله. وزير التربية محمد الصغير سعداوي بَرَّر الخطوة بتفادي إرهاق تلاميذ لا يتجاوز عمرهم ثماني سنوات بثلاث لغات في وقت واحد «العربية والفرنسية والإنجليزية»، وهي حجة بيداغوجية معقولة في ذاتها ولا تحتاج تبريرا أيديولوجيا.
حين يتحول تعديل جدول الحصص إلى معركة هوية
لكن رد الفعل تجاوز حدود القرار نفسه بمسافة كبيرة. الباحث التربوي أحمد تيسة، المستشار السابق بوزارة التربية، وصف الفرنسية بأنها “غنيمة حرب” لا ينبغي التفريط فيها، معتبرا أن تأجيلها خطوة أولى نحو تقليصها لاحقا. الرد جاء من وزيرين سابقين، الهاشمي جعبوب «حركة مجتمع السلم» ومحمد بن أشنهو، اللذين اتهما تيسة بالدفاع القديم عن هيمنة الفرنسية، مستحضرَين كتابا له من 2016 بعنوان “استحالة استئصال تعليم اللغة الفرنسية في الجزائر” وتكريما فرنسيا حصل عليه سنة 2018. الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون دخلت بدورها على الخط مدافعة عن تيسة. النقاش اتسع أيضا ليشمل حذف مادة الفلسفة من امتحان البكالوريا لبعض الشعب العلمية، ليتحول من نقاش حول لغة أجنبية ثانية إلى ما وُصف بأنه معركة حول “صورة المدرسة التي تريد الدولة بناءها”.
التناقض الذي لا يفككه أي طرف في السجال
هنا يكمن جوهر المشكلة الذي لا يطرحه لا المدافعون عن الفرنسية ولا المدافعون عن الإنجليزية: الدولة الجزائرية نفسها التي بنت شرعيتها لعقود على خطاب “التعريب” ومناهضة الإرث الاستعماري، هي التي أبقت الفرنسية لغة الإدارة والجامعة والنخبة الاقتصادية طوال أكثر من ستين عاما من الاستقلال، ثم أدخلت الإنجليزية إلى الابتدائي أول مرة سنة 2022 دون أن تحسم يوما موقفها من الفرنسية بشكل واضح، لتصل اليوم إلى قرار لا يلغي الفرنسية ولا يعلي الإنجليزية بشكل كامل، بل يؤجل الأولى عاما واحدا فقط. هذا ليس حسما لهوية لغوية، بل تكرار للنمط نفسه الذي وصفه أحد المحللين بأنه “تحرك اللغة الفرنسية بين السنة الثانية والثالثة والرابعة ابتدائي” كل عقد أو عقدين، دون أن تُطرح أبدا الأسئلة الحقيقية: ما هي البنية التحتية الفعلية «عدد الأساتذة المؤهلين بالإنجليزية، جودة التكوين» اللازمة لأي تحول لغوي جاد؟ ولماذا ظل الوزراء أنفسهم الذين قادوا خطاب التعريب لعقود يرسلون أبناءهم إلى مدارس فرنسية أو يعتمدون الفرنسية في تواصلهم الرسمي دون حرج؟
عقدان من التأرجح نفسه
القرار الحالي ليس أول محطة في هذا التذبذب، بل الحلقة الأخيرة في دورة تتكرر منذ أكثر من عشرين عاما. ففي 2003، أقرت لجنة إصلاح المنظومة التربوية برئاسة علي بن زاغو تدريس الفرنسية ابتداء من السنة الثانية ابتدائي، قبل أن تضطر الوزارة، تحت وطأة الانتقادات، إلى التراجع ورفع سن بدايتها إلى السنة الثالثة ابتدائي في الموسم الدراسي 2006-2007. ظل هذا الترتيب قائما قرابة عشرين عاما، حتى أُدخلت الإنجليزية للمرة الأولى إلى الابتدائي سنة 2022 لتُدرَّس إلى جانب الفرنسية في السنة الثالثة نفسها، قبل أن يأتي قرار 2026 ليفصل بينهما من جديد بإرجاء الفرنسية عاما كاملا. بعبارة أخرى، المدرسة الجزائرية لم تشهد استقرارا حقيقيا في سياستها اللغوية لأكثر من عقدين متتاليين، بل تنقلت اللغتان الأجنبيتان بين السنوات الدراسية بمعدل تعديل واحد على الأقل كل جيل، دون أن يُطرح سؤال جوهري واحد: ما الذي تغير في تقييم الوزارة نفسها بين 2003 و2022 و2026 ليبرر في كل مرة عكس القرار السابق؟
هل البنية التحتية جاهزة لهذا التحول؟
اختبار جدية أي تحول لغوي حقيقي ليس في نص القرار الوزاري، بل في قدرة الدولة على تجهيز الكوادر اللازمة لتنفيذه. حين أُدخلت الإنجليزية أول مرة إلى الابتدائي سنة 2022، فتحت وزارة التربية منصة توظيف تعاقدي استقبلت أكثر من 60 ألف مترشح لشغل نحو 5000 منصب فقط، وهو ما يعني أن أقل من واحد من كل اثني عشر مرشحا وجد مكانا، بينما استمرت الوزارة في السنوات اللاحقة «2023، 2024، 2025» بفتح دفعات توظيف تعاقدي إضافية بالمنطق نفسه: منصة رقمية، آجال قصيرة، وتوظيف بالتعاقد لا بمسابقات دائمة مستقرة. وحين تقدم بعض المصادر رقما إجماليا يفوق 50 ألف خريج جامعي متقن للإنجليزية جرى توظيفهم أو إحصاؤهم عبر سنوات متعددة لتغطية حاجة القطاع، يبقى السؤال الأهم غائبا عن النقاش العام كله: هل تكوين هؤلاء الأساتذة، الذين تخرج غالبيتهم من تخصصات الترجمة أو الأدب الإنجليزي لا من علوم التربية، يوازي فعلا حجم الطموح المعلن لجعل الإنجليزية “لغة العلوم والاقتصاد الرقمي” في مدرسة يفوق عدد تلاميذها تسعة ملايين تلميذ؟ لا وزارة التربية ولا أطراف السجال السياسي المحتدم حول “الهوية” يطرحون هذا السؤال التقني الأكثر أهمية من أي جدل حول أي لغة “أولى” أو “ثانية”.
سؤال لا يطرحه أحد في الجزائر
المفارقة الأعمق أن هذا الجدل الداخلي المحتدم حول “التحرر” من الفرنسية يتزامن زمنيا مع مرحلة يحاول فيها الخطاب الرسمي الجزائري نفسه تصوير العلاقة مع باريس على أنها تسير نحو “استعادة الثقة” بعد عودة السفراء المتبادلة. فإذا كانت الجزائر جادة في إعادة النظر في مكانة الفرنسية داخل منظومتها التعليمية والإدارية، فلماذا لم يترافق هذا مع استراتيجية معلنة وواضحة المعالم، بدل قرار جزئي يؤجل مادة عاما واحدا ويترك الباب مفتوحا لعقد جديد من الجدل نفسه؟ وإذا كان القرار فعلا مجرد خيار بيداغوجي بريء كما يصفه الوزير، فلماذا يتحول كل نقاش حول جدول حصص في السنة الثالثة ابتدائي، بانتظام يكاد يكون دوريا كل جيل، إلى معركة وجودية حول هوية الدولة نفسها؟ الإجابة الصادقة، التي لا يجرؤ أي طرف في السجال الجزائري على قولها صراحة، هي أن الجزائر لم تحسم بعد، بعد أكثر من ستين عاما كاملة على الاستقلال، أي لغة أجنبية تريد أن تتبناها كخيار استراتيجي ثابت، وأن كل جيل من صناع القرار يكتفي بترحيل السؤال نفسه إلى الجيل الذي يليه، مكتفيا بتحريك بند واحد في جدول الحصص المدرسية بدل صياغة جواب حقيقي وواضح.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير