بقلم: هيثم شلبي
في الأسبوع الذي وقف فيه الرئيس عبد المجيد تبون أمام أفراد الجالية الجزائرية في ألمانيا معلناً بنبرة الواثق أن «المعارضين مرحباً بهم»، وأن «كل جزائري له الحق في الانتقاد»، كان الكاتب والصحافي مصطفى بن فضيل واقفاً أمام شرطة الحدود بمطار الجزائر يكتشف أنه ممنوع من مغادرة التراب الوطني، بلا قرار قضائي، بلا تهمة، بلا تبليغ، بل بلا عناء التبرير أصلاً.
مشهدان متزامنان يختصران المسافة الفاصلة بين الخطاب والممارسة في الجزائر الرسمية: خطاب انفتاح يُصدَّر من العواصم الأوروبية لاستهلاك الخارج، وممارسة تكميم تُدار من مكاتب الاستعلامات العامة لضبط الداخل.
تفاصيل القضية، كما رواها صاحبها وأكدتها هيئة تحرير مجلة «نقد» التي يرأسها المؤرخ المعروف دحو جربال، تكاد تكون مادة جاهزة لمسرحية عبثية لو لم تكن واقعاً معاشاً. ففي 18 يناير 2026 نشر بن فضيل، الصحافي بجريدة «الوطن» والروائي والمسرحي المعروف، عرضاً صحافياً للعدد 44 من مجلة «نقد» العلمية، المخصص لملف «الغاز الصخري: المخاطر والرهانات». مجلة قانونية تصدر وتوزع داخل الجزائر منذ 35 عاماً، وعدد لم يصدر أي قرار بمنعه أو حجزه أو سحبه من التداول، وعرض صحافي من النوع الذي دأب الرجل على كتابته مع كل إصدار جديد للمجلة. لكن مساء اليوم نفسه استدعته مصالح الاستعلامات العامة للاستماع إليه، وهناك أُبلغ شفوياً بأنه خاضع لإجراء المنع من السفر، دون تحويله إلى وكيل الجمهورية أو قاضي التحقيق، ودون أن تتقدم أي جهة رسمية بشكوى ضده.
تلقى الرجل بعد أيام تطمينات بإمكانية السفر دون عراقيل، فاعتقد أن الملف طوي. وحين دُعي مؤخراً للمشاركة في مهرجان أفينيون الدولي للمسرح بفرنسا لتقديم عمل جديد يتناول جرائم التجارب النووية الفرنسية في الجزائر، توجه إلى المطار ليكتشف أن المنع ما زال قائماً. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: النظام الذي يبني جزءاً معتبراً من خطابه على ملف الذاكرة والجرائم الاستعمارية، يمنع كاتباً من السفر لتقديم مسرحية تدين تلك الجرائم أمام جمهور دولي في عقر الدار الفرنسية. حتى معركة الذاكرة، وهي المعركة الوحيدة التي يفترض أن النظام يخوضها بلا تحفظ، تصبح ثانوية أمام الهاجس الأمني من صحافي مستقل يفكر خارج التعليمات.
وقد لخصت الرسالة المفتوحة لهيئة تحرير «نقد» جوهر المسألة حين ذكّرت بأن أي تقييد لحرية التنقل يجب أن يستند إلى أسس قانونية واضحة تحترم مبادئ الشرعية والضرورة والتناسب، وتساءلت عن مدى انسجام إجراء بلا قرار معلل ولا تبليغ رسمي مع مفهوم دولة القانون. سؤال بلاغي بطبيعة الحال، لأن الجواب يعرفه الجميع: المنع من السفر في الجزائر تحول إلى عقوبة إدارية سرية، لا يوقعها قاض، ولا يبلَّغ بها صاحبها، ولا يمكن الطعن فيها لأنها ببساطة غير موجودة على الورق. عقوبة شبح يكتشفها المرء عند شباك شرطة الحدود، ثم يحمل حقيبته عائداً دون أن يعرف من قررها ولا لماذا ولا إلى متى.
وقضية بن فضيل ليست استثناء بل حلقة في سلسلة موثقة. فالصحافي رؤوف حرز الله أعلن سنة 2025 أنه خاضع لإجراء يمنعه من مغادرة التراب الوطني دون أي إشعار رسمي، وباءت كل محاولاته للاستفسار لدى الجهات المختصة بالفشل. والصحافي مصطفى بن جامع مُنع في أكثر من مناسبة من العبور نحو تونس دون أن يعثر على قرار قضائي يبرر الإجراء أو جهة يمكن مساءلتها عنه. وسبق لمنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أن دعتا السلطات الجزائرية سنة 2022 إلى التراجع عن قرارات منع طالت نشطاء مقيمين في كندا. وحين حاول النائب السابق عن الجالية عبد الوهاب يعقوبي إصلاح الوضع بمقترح تعديل يشترط ألا يصدر المنع إلا بأمر قضائي معلل من قاضي الحريات، مع تبليغ المعني ومنحه حق الطعن خلال أجل محدد، رفض البرلمان التعديل بذريعة أنه «ينتقص من صلاحيات النيابة العامة». اعتراف رسمي نادر الصراحة: حجز المواطنين داخل الحدود بلا تعليل صلاحية سيادية لا يجوز المساس بها.
وليس اختيار هذه الأداة اعتباطاً. فالمنع غير المعلن من السفر هو العقوبة المثالية من منظور جهاز أمني يريد الردع بأقل كلفة: لا محاكمة تستقطب الأضواء وتمنح الضحية منبراً، ولا حكم مكتوب يمكن لمنظمة دولية التلويح به، ولا مسؤول محدد يمكن مساءلته. مجرد إشارة في قاعدة بيانات شرطة الحدود تكفي لتحويل بلد بأكمله إلى إقامة جبرية موسعة، مع الاحتفاظ بإمكانية الإنكار الدائم. إنها الرقابة في صيغتها الأكثر اقتصاداً: عقاب كامل الفعالية، منعدم الأثر القانوني.
على أن المنع من السفر ليس سوى الطبقة الخارجية من جهاز تكميم متعدد الطوابق. ففي 11 يوليو الجاري، قبل أيام فقط من واقعة المطار، أيد مجلس قضاء الجزائر إدانة عميد الصحافيين الجزائريين سعد بوعقبة، وهو في الثامنة والسبعين وله أكثر من نصف قرن في المهنة، بعقوبة 18 شهراً حبساً موقوف النفاذ مع غرامة مالية، في قضية تصريحات تلفزيونية عن الرئيس الراحل أحمد بن بلة، بعد حكم ابتدائي في ديسمبر الماضي بثلاث سنوات وغرامة مليون دينار، رافقه حكم بالغلق النهائي لمنصة «رؤية» التي بثت الحوار ومصادرة معداتها وإدانة مديرها. والرجل نفسه سبق أن حوكم سنة 2023 بسبب مقال رأي، وسُجن في التسعينيات بسبب كتاباته الناقدة. الخلاصة التي يرسلها القضاء واضحة: التاريخ الوطني لا يُراجَع، حتى من طرف من عاشه وكتب عنه خمسين سنة.
والتاريخ تحديداً هو حقل الألغام الثاني. فالمؤرخ الجامعي محمد الأمين بلغيث حكم عليه في أكتوبر 2025 بثلاث سنوات حبساً نافذاً وسنتين موقوفتي التنفيذ بسبب تصريح متلفز حول الأمازيغية، ولم يخرج من سجنه إلا بعفو رئاسي في ديسمبر. والروائي بوعلام صنصال، وهو في الثمانين، اعتقل في نوفمبر 2024 فور نزوله بمطار الجزائر على خلفية تصريح صحافي، وحكم عليه بخمس سنوات نافذة أيدها الاستئناف في يوليو 2025، قبل أن يفرج عنه في نوفمبر من السنة نفسها بعفو رئاسي جاء، كما نص بيان الرئاسة حرفياً، «استجابة للطلب الذي تقدم به الرئيس الألماني»، مع تكفل برلين بنقله وعلاجه.
وامتد المنطق نفسه إلى صحافي أجنبي لا صلة له بالسياسة الجزائرية أصلاً. فالفرنسي كريستوف غليز، الصحافي الرياضي المتعاون مع مجلة «سو فوت»، سافر إلى الجزائر سنة 2024 لإعداد روبورتاج عن نادي شبيبة القبائل، فوجد نفسه محكوماً بسبع سنوات سجناً نافذاً بتهمة «تمجيد الإرهاب»، لمجرد أنه أجرى قبل سنوات مقابلات مع مسؤولين سابقين في النادي محسوبين على حركة «الماك» المصنفة إرهابية منذ 2021. وقد أيدت محكمة استئناف تيزي وزو الحكم في 3 ديسمبر 2025، ليصبح غليز، وفق منظمة مراسلون بلا حدود، الصحافي الفرنسي الوحيد المسجون في العالم كله. وخلف هذه الأسماء البارزة يقبع عشرات من معتقلي الرأي ونشطاء الحراك الذين توثق اللجان الحقوقية المحلية ملفاتهم بعيداً عن الأضواء، ممن لا يملكون شهرة صنصال ولا رئيساً ألمانياً يتوسط لهم ولا سفارة تتابع محاكماتهم.
وهنا يظهر النمط الذي يرفع هذه الحالات من مستوى الجرد الحقوقي إلى مستوى التشخيص البنيوي: النظام الجزائري لا يعرف البراءة، يعرف العفو فقط. صنصال لم يبرأ، وبلغيث لم يُنصَف، وإنما مُنح كل منهما حريته بمكرمة رئاسية، الأول استجابة لضغط برلين، والثاني احتواء لإحراج داخلي فجره سؤال بسيط تداولته النخب الجزائرية نفسها: لماذا يستحق الكاتب المدعوم من عواصم الخارج عفواً لا يستحقه ابن الشهيد المسجون بسبب رأي؟ في دولة القانون تنتهي قضايا الرأي بأحكام براءة تصدرها محاكم مستقلة، أما في نظام العفو فتنتهي بمراسيم رئاسية تؤكد أن الحرية سلعة يحتكر الرئيس توزيعها، وأن سعرها يرتفع كلما كان الوسيط أجنبياً وازناً. وهكذا يتحول كل إفراج إلى دليل إدانة إضافي للمنظومة التي اعتقلت أصلاً.
على هذه الخلفية، تفقد دعوة تبون لمعارضي الخارج كل مضمون عملي. فالرجل يشترط معارضة «حضارية» تأتي «بالبديل»، لكن بن فضيل قدم أرقى أشكال المعارضة الحضارية الممكنة: اختار البقاء في البلاد ورفض الإقامة في الخارج رغم الفرص المتاحة له، كما شهد بذلك زملاؤه، وكتب عرضاً لدراسة علمية صادرة عن مجلة قانونية، فكانت مكافأته عقوبة بلا قاض ولا تهمة ولا ورقة. والرسالة التي يلتقطها كل معارض في المنفى واضحة تماماً: العودة ليست عودة إلى فضاء سياسي، بل دخول في نطاق سيطرة جهاز يمنح ويمنع خارج القانون، والترحيب الرئاسي لا يلزم شرطة الحدود في شيء. من يصدق خطاب برلين فليسأل بن فضيل الذي لم يغادر أصلاً، أو صنصال الذي اعتقل في المطار ذاته الذي يفترض أن يستقبل العائدين.
سيواصل النظام رفع شعار الانفتاح كلما حل بعاصمة أوروبية، وستواصل أجهزته في الداخل عملها المعتاد، وبين الخطابين ستضاف أسماء جديدة إلى القائمة. غير أن منسوب الحرية الحقيقي في أي بلد لا يقاس في المنابر، بل عند شباك شرطة الحدود. والدولة التي تخاف من عرض صحافي لدراسة عن الغاز الصخري، ومن مؤرخ سبعيني، ومن صحافي رياضي جاء يكتب عن كرة القدم، ليست دولة تفتح ذراعيها للمعارضين، بل قلعة تستعمل الترحيب سلاحاً دعائياً وتعتبر المطار خط دفاعها الأول. والقلاع، كما يعلّم التاريخ الذي يخشاه النظام أكثر من أي معارض، لا تسقط عادة تحت ضربات الخارج، بل حين تهترئ جدرانها من الداخل.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير