تقرير فرانس 2 وسُلّم الأولويات المقلوب: عندما يصبح تقرير تلفزيوني أهم من قانون تجريم الاستعمار!

بقلم: هيثم شلبي

في عالم الدبلوماسية الطبيعي، هناك تراتبية منطقية للأزمات والردود. الجرائم الكبرى تستدعي ردوداً كبرى، والإهانات الصغيرة تُعالج بهدوء دبلوماسي. لكن في الجزائر، يبدو أن هذه التراتبية مقلوبة رأساً على عقب، أو بالأحرى، مصممة بعناية فائقة لتجنب المواجهات الحقيقية، مع إعطاء الأولوية للتركيز على الضجيج الإعلامي الآمن.

مشهد السوريالية السياسية
تخيلوا معي المشهد: يوم الخميس 22 يناير 2026، مجلس الأمة الجزائري يقرر التحفظ على نصف مواد “قانون تجريم الاستعمار” – ذلك القانون الذي كان من المفترض أن يحاسب فرنسا على 132 سنة من الجرائم ضد الإنسانية، من المذابح إلى التهجير القسري إلى سرقة الثروات إلى محو الهوية. القرار يتخذ بهدوء، دون ضجيج، بتعبيرات راقية عن “التحفظات الدستورية” و”الحاجة لمزيد من الدراسة”. الرسالة الضمنية واضحة: لا نريد مشاكل حقيقية مع باريس.

بعد يومين فقط – السبت 24 يناير 2026 – تستيقظ الجزائر الرسمية غاضبة، متوترة، مستفزة. ليس بسبب 132 سنة من الاستعمار (تلك يمكن تأجيلها)، بل بسبب برنامج وثائقي مدته ساعة أو أقل بثته قناة “فرانس 2” الحكومية الفرنسية. وزارة الخارجية تستدعي القائم بأعمال السفارة الفرنسية “فوراً”، وتصدر بياناً ناري اللهجة يصف البرنامج بأنه “اعتداء واضح على الدولة الجزائرية ومؤسساتها ورموزها”، و”نسيج من الأكاذيب والافتراءات”، و”إساءات عميقة واستفزازات لا مبرر لها”.

المنظمة الوطنية للصحافيين الجزائريين تصدر بياناً “تدين بشدة الحملة الشرسة التي يقودها الإعلام الفرنسي”، الأحزاب السياسية تتسابق على إصدار بيانات الاستنكار، والإعلام الرسمي يخصص ساعات من البث لتحليل “الهجمة الفرنسية الجديدة”.

معادلة الشجاعة الانتقائية

دعونا نضع المعادلة بوضوح وبساطة: الاستعمار الفرنسي الذي دام أزيد من 130 عاما لا مانع -بل ويجب- أن تتحفظ الدولة الجزائرية عليه، وتمنع إقراره، بينما برنامج تلفزيوني مدته أقل من ساعة يستدعي تجند أجهزة الدولة بأكملها، بحكومتها وأحزابها وإعلامها، أمر لا يمكن فهمه خارج السياق الجزائري!

الرسالة التي تصل للمراقب البسيط: الجزائر الرسمية تخاف من المواجهة الحقيقية مع فرنسا (تجريم الاستعمار بعواقبه)، لكنها تتشجع أمام “المعارك” الإعلامية الآمنة التي لا تكلف شيئاً.

فلسفة “الغضب الآمن”

هناك نمط واضح في السلوك الدبلوماسي الجزائري تجاه فرنسا: الغضب الشديد من الأمور الثانوية، والتردد الفاضح في الأمور الجوهرية.

عندما تعلن فرنسا دعمها لمغربية الصحراء – وهي قضية استراتيجية كبرى – تقطع الجزائر العلاقات الدبلوماسية (وهذا رد مبرر من وجهة النظر الجزائرية). لكن عندما يأتي الوقت لمحاسبة فرنسا قانونياً على جرائم الاستعمار – وهي قضية أكبر وأعمق – نتراجع ونتحفظ ونؤجل!

عندما يصدر عن الكاتب الفرنسي (بوعلام صنصال) رأي ينتقد الجزائر، ويخالف الرواية الرسمية – وهو مجرد رأي – تحدث حملة اعتقالات وتهديدات وضجيج إعلامي هائل، ويصدر بحقه حكم نافذ بالسجن خمس سنوات. لكن عندما يتعلق الأمر بمطالبة فرنسا رسمياً بالاعتذار والتعويض عن جرائم موثقة، نكتشف فجأة أن لدينا “تحفظات دستورية”.

هذا ما نسميه “الغضب الآمن” – الغضب من أشياء لا تكلفنا شيئاً، والتي تسمح لنا بأن نبدو أقوياء أمام الرأي العام المحلي دون أن ندخل في مواجهة حقيقية مع خصم قوي.

التناقض الفاضح في الخطاب

الأكثر إثارة للسخرية هو التناقض الصارخ في الخطاب الرسمي. عندما تحفظ مجلس الأمة على قانون تجريم الاستعمار، كانت التبريرات “دبلوماسية” و”عقلانية”: “يجب أن نأخذ في الاعتبار التوازنات الدولية”، “لا يمكن أن نعقّد علاقاتنا مع شريك تاريخي”، “يجب أن نكون براغماتيين في مطالبنا”.

لكن بعد يومين فقط، عندما يتعلق الأمر بتقرير تلفزيوني، تختفي كل هذه “البراغماتية” وتظهر لغة أخرى تماماً: “اعتداء على الدولة”، “إساءات عميقة”، “استفزازات لا مبرر لها”. فجأة، لا أحد يتحدث عن “التوازنات الدولية” أو “العلاقات مع الشريك التاريخي”.

السؤال المنطقي: إذا كان تقرير تلفزيوني يستدعي كل هذا الغضب والاستدعاء الفوري للسفير، فماذا كان يجب أن تستدعي 132 سنة من الاستعمار -بمقياس النسبة والتناسب-؟ حرب؟ قطع علاقات دبلوماسية كامل؟ رفع قضية في محكمة العدل الدولية؟

الجواب الذي نراه على أرض الواقع: التحفظ على نصف قانون، مع ضمانات بأن النصف الباقي سيكون مجرد “تسجيل موقف” بلا عواقب فعلية.

منطق “الرمزية بلا كلفة”

ما نشهده هو نموذج كامل لدبلوماسية “الرمزية بلا كلفة”. نريد أن نبدو أقوياء ومستقلين وسياديين أمام شعبنا، لكن دون أن ندفع ثمن هذه القوة والسيادة. نريد البطولة الرخيصة، الشجاعة التي لا تكلف شيئاً، الموقف الذي يصلح للدعاية الداخلية لكنه لا يقلق باريس.

استدعاء السفير بسبب تقرير تلفزيوني يحقق هذا الهدف تماماً: يصنع عناوين صحفية محلية عن “الرد الحازم على الإساءة الفرنسية”، لكنه في الحقيقة لا يعني شيئاً دبلوماسياً. فرنسا تعرف جيداً أن هذا مجرد “مسرح” للاستهلاك المحلي، وأن الجزائر لن تذهب أبعد من الاستدعاء والبيان الناري.

في المقابل، تجريم الاستعمار بكل عواقبه (الاعتذار والتعويض) كان سيعني مواجهة حقيقية، لها ثمن دبلوماسي واقتصادي محتمل. وهذا ما لا تريده الجزائر الرسمية، رغم كل الخطابات الوطنية الحماسية.

الرسالة المزدوجة لفرنسا
في غضون يومين، أرسلت الجزائر رسالتين متناقضتين تماماً لفرنسا:
الرسالة الأولى (22 يناير): “نحن لا نريد مشاكل حقيقية معكم. قانون تجريم الاستعمار؟ لا تقلقوا، سنفرغه من محتواه. الاعتذار والتعويض؟ ننساهم. سنكتفي بـ’تسجيل موقف’ لا قيمة له.”

الرسالة الثانية (24 يناير): “لكننا في نفس الوقت نحتاج لبعض الضجيج الإعلامي المحلي. لذا سنستدعي سفيركم بسبب تقرير تلفزيوني، ونصدر بيانات نارية، ونصنع أزمة مصطنعة تدوم أسبوعاً ثم تُنسى.”

فرنسا، بخبرتها الدبلوماسية الطويلة، تقرأ الرسالتين جيداً وتفهم اللعبة: النظام الجزائري يريد أن “يحفظ ماء الوجه” أمام شعبه، لكنه لا يريد مواجهة حقيقية. وبالتالي، باريس تلعب اللعبة نفسها: تستدعي سفيرها “للتشاور” (إجراء رمزي آخر)، تصدر بياناً عن “الأسف” (بلا معنى حقيقي)، وتنتظر أسبوعاً حتى تهدأ العاصفة الإعلامية.

الخلاصة: الخوف من المواجهة الحقيقية

ما يكشفه هذا التناقض الصارخ بين إقبار قانون تجريم الاستعمار واستدعاء السفير بسبب تقرير تلفزيوني ليس فقط ازدواجية معايير، بل خوف عميق من المواجهة الحقيقية. خوف من أن تطالب بحقوقك التاريخية بجدية، لأن ذلك قد يكلفك شيئاً اقتصادياً أو دبلوماسياً. فالأسهل أن تصنع “أزمات” صغيرة آمنة بالتنسيق مع الإليزيه، تثير فيها الضجيج وتستدعي السفراء وتصدر البيانات النارية، ثم تعود الأمور لطبيعتها بعد أيام.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة المُرّة: من يخاف من تجريم الاستعمار، لا يملك الحق في الغضب من تقرير تلفزيوني. من يتراجع عن المطالبة بالاعتذار والتعويض عن مليون ونصف شهيد، لا يستحق أن يُستمع إليه عندما يستنكر “إساءة إعلامية”.

الجرأة إما أن تكون حقيقية في المواقف الكبرى، أو هي مجرد مسرح رخيص للاستهلاك المحلي.

اقرأ أيضا

التغيير الحكومي في الجزائر.. هل المشكلة في عدم تنفيذ برنامج الرئيس أم في غياب البرنامج أصلا؟!

مع استلام الوزير الأول سيفي غريب مهامه كرابع من شغلوا المنصب في عهد الرئيس تبون (6 سنوات)، على رأس الحكومة الثامنة التي تشهدها "الجزائر الجديدة"، يعود الجزائريون لطرح "سؤال المليون دولار": ما هو السر وراء تعدد الحكومات في عهد الرئيس عبد المجيد تبون؟! حيث أن السبب المعلن لم يعد مقنعا لأحد، والقائل بأن الرئيس تبون ما زال يبحث عن التركيبة الفريدة التي يمكنها تجسيد برنامجه على أرض الواقع! فلماذا لم يعد الجزائريون مقتنعون بهذا المبرر؟

الجزائر

معرض التجارة البينية الأفريقية في الجزائر.. “نسمع جعجعة ولا نرى طحينا”!!

لا حديث لوسائل إعلام النظام الجزائري هذه الأيام، سوى عن احتضان بلادهم للدورة الرابعة من معرض التجارة البينية الأفريقية، من 4-10 سبتمبر. حدث تم رفعه إلى مستوى أهمية يتجاوز بكثير مستوى ما يحيط بالاجتماع السنوي للأمم المتحدة على مستوى رؤساء الدول، ملصقين به شتى الأوصاف التي تجعله دليلا على أهمية "الجزائر الجديدة" ومكانة "القوة الضاربة". بل إن الأمر وصل من العبث حدا تم فيه تعطيل جلسة افتتاح الدورة العادية للبرلمان، بحجة إتاحة الفرصة للدولة لإنجاح تنظيم المعرض، وهو ما أثار ولا يزال، ردود فعل غاضبة من بعض النواب، لاسيما المنتمين إلى "حركة مجتمع السلم"، إذ كيف يمكن لمعرض سيفتتح في الرابع من سبتمبر أن يمنع عقد جلسة -بروتوكولية- يوم 2 سبتمبر؟؟! يحدث هذا فقط في بلاد الجنرالات!

الجزائر تُعلن الحرب على الخريطة: المغرب محوه ولا من شاف ولا من دري!”

مشاهد 24 في تطوّر خطير وغير مسبوق في تاريخ العبث السياسي، قرر نظام العسكر أن …