بين “الأطلسي” و”الصحراء”: حين تُعيد الجزائر إطلاق أنبوبها النائم منذ الثمانينيات

بقلم: هيثم شلبي

في الوقت الذي كانت فيه الأنظار تتجه صوب مدريد، حيث كان ناصر بوريطة يُفرد أمام الجميع أربعين صفحة من الهندسة القانونية الدقيقة لإنهاء نزاع مفتعل عمره خمسة عقود، فتحت الجزائر، بالتوقيت ذاته المثير للشفقة تقريباً، جبهةً أخرى في الجنوب. جبهةً يُراد منها إيهام الرأي العام بأن لدى الجزائر أوراقاً استراتيجية لا تزال صالحة للعب.

ففي 15 و16 فبراير 2026، استقبل الرئيس عبد المجيد تبون في قصر المرادية الجنرالَ عبد الرحمن تشياني، رئيس المجلس العسكري في النيجر، واحتضنا معاً مراسم “إعادة الإطلاق الرسمي لمشروع “أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP). “صرّح تبون أمام الكاميرات باستثناء مرهوب: “اتفقنا على إطلاق مشروع إتمام أنبوب الغاز العابر للصحراء عبر الأراضي النيجرية بعد شهر رمضان المبارك”. وأضاف: “سوناطراك ستتولى القيادة وستبدأ في مد الأنبوب الذي يمر عبر النيجر.”

بعد رمضان. جيد. وقبل رمضان؟ المشروع كان يرقد في دفاتر التفاهم منذ عام 2002، أي منذ ربع قرن كامل.

القصة التي لا تنتهي لمشروع الأنبوب العابر للنيجر

لفهم المشهد بحجمه الحقيقي، لا بد من استحضار السيرة الذاتية الطويلة لهذا الأنبوب المؤجَّل بامتياز: الفكرة تعود إلى السبعينيات، وأول مذكرة تفاهم بين “سوناطراك” ونظيرتها النيجيرية “NNPC” وُقِّعت عام 2002. ثم جاءت دراسة الجدوى عام 2006 لتؤكد “الجدوى التقنية والاقتصادية”، وكان الأنبوب مقرراً الانتهاء منه عام 2015. مرّ عام 2015، ثم 2019، ثم 2022، ثم 2025، وفي كل مرة تُطلق الجزائر “مسيرة جديدة” ويُعاد التوقيع على نفس البروتوكولات بأحبار جديدة وتصريحات أكثر حماسة وأنابيب مازالت حيث كانت. في فبراير 2025 تحديداً، وقّعت الجزائر ونيجيريا والنيجر اتفاقيات “لتسريع البناء”، وخلال عشرة أشهر فقط انهارت العلاقة مع النيجر بسبب طائرة مسيّرة مالية أُسقطت على الحدود، ولم يبقَ من “التسريع” سوى الاتفاقيات المكدّسة في الأدراج.

المشروع اليوم يُفترض أن يمتد على 4128 كيلومتراً من حقول “واري” في جنوب نيجيريا، عابراً النيجر كاملاً بـ841 كيلومتراً، وصولاً إلى “حاسي الرمل” الجزائرية التي تُغذي منظومة الغاز الأوروبية عبر “ترانسميد” و”ميدغاز” وغيرهما. الطاقة التصميمية: 30 مليار متر مكعب سنوياً. التكلفة المُقدَّرة: 13 مليار دولار. موعد الإنجاز “الجديد”: بعد 3 إلى 5 سنوات “وفق الخبراء”. خبراء من؟ لا أحد يعرف، لكن من المرجح أنهم الخبراء ذاتهم الذين قالوا عام 2006 إنه جاهز عام 2015.

“المستنقع المالي”: حين تصطاد طائرة مسيّرة دبلوماسية بأكملها

الدراما الجزائرية في الساحل بلغت ذروتها ليلة 31 مارس وفجر الأول من أبريل 2025، حين أسقط الجيش الجزائري طائرة عسكرية مسيّرة من طراز “Bayraktar Akıncı” تابعة للقوات المالية في منطقة “تين زاواتين” الحدودية.

الرواية الجزائرية تقول إن المسيّرة اخترقت مجالها الجوي بكيلومترين، والرواية المالية تقول إنها كانت على عمق عشرة كيلومترات داخل الأراضي المالية. لا أهمية للأرقام في هذا الجدل؛ الأهمية في ما أعقب ذلك: في اليوم التالي مباشرة، أعلن تحالف دول الساحل (AES) الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو، استدعاء سفرائه من الجزائر وصفه بـ”العدوان الصريح على التحالف بأكمله”. رد الجزائر لم يكن أقل درامية: أغلقت مجالها الجوي أمام مالي، وسحبت سفراءها من مالي والنيجر، وأجّلت تعيين سفيرها الجديد في بوركينا فاسو.

النتيجة؟ الجزائر التي أمضت عقوداً تُسوّق نفسها “وسيطاً إقليمياً لا يُعوَّض” في الساحل، وجدت نفسها في غضون 72 ساعة محاصَرةً دبلوماسياً من ثلاث دول تتشارك معها أكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر من الحدود. هذا ما تصفه وثائق مراكز التفكير الدولية بـ”الفشل الدبلوماسي الكارثي”، وما يُسميه المتابعون بـ”المستنقع المالي” الذي ابتلع الادعاءات الجزائرية بالوصاية الإقليمية مرة واحدة وإلى الأبد.

في هذا السياق بالضبط، جاءت “مكالمة المصالحة” الجزائرية-النيجرية في فبراير 2026 لتُلغي “الفترة الشاذة من البرود” على حد تعبير تبون. “شاذة” يا سيادة الرئيس؟ هي فترة لم تتجاوز عشرة أشهر، لكنها كانت كافية لإثبات أن الجزائر تفتقر إلى “عمق الدولة” في علاقاتها مع جيرانها الجنوبيين بالشكل الذي كانت تدّعيه.

جغرافيا الخطر: 841 كيلومتراً في أكثر مناطق الأرض اشتعالاً
دعونا ننزل من سماء البيانات إلى أرض الحقيقة: الجزء النيجري من الأنبوب، البالغ 841 كيلومتراً، يمر عبر مناطق “تيلابيري” و”آغاديز” و”دوسو”، وهي بالضبط المناطق التي تشهد نشاطاً غير مسبوق لتنظيمي “داعش في غرب أفريقيا” (ISWAP) و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM).

وفق تقارير مجلس الأمن الأممي، باتت هذه الجماعات “تُحكم قبضتها على مناطق واسعة وتمارس ضغطاً متزايداً على المراكز الحضرية”. الهجوم على بامكو في سبتمبر 2024 والهجوم على جيبو في مايو 2025 دليلان ملموسان على أن هذه التنظيمات لم تعد في الأحراش بعيداً عن البنية التحتية، بل أمست جاراً مزعجاً لأي مشروع ضخ يحلم بالمرور من هذه المناطق.

وللتذكير: تكلفة حماية ألف كيلومتر من خط أنابيب في بيئة عدائية تحتاج إلى منظومة عسكرية دائمة لا تملكها النيجر أصلاً، وهي التي لا تزال تتلقى “تبرعات” من الجزائر لبناء محطات كهرباء بطاقة 40 ميغاواط، وهو ما يكشف الهوّة الساحقة بين طموح “الأنبوب الاستراتيجي” وإمكانيات “الدولة المضيفة”.

هل يوجد بنك “عاقل” يضخ 13 مليار دولار في هذا المسار؟

حتى الآن لا يبدو في الأفق أي مؤسسة مالية دولية تتحمس لهذه “الفرصة الاستثمارية”. ليس من باب المبالغة أن نلاحظ أن الاتحاد الأوروبي، الذي يُعدّ المستفيد النظري الأول من هذا الغاز، لم يُعلن عن أي التزام تمويلي للمسار الجزائري، في حين أن بنك الاستثمار الأوروبي (EIB) وبنك التنمية الإسلامي (IsDB) يتصدران قائمة الممولين المحتملين لمنافسه المغربي-النيجيري.

المقارنة التي لا تحتمل: أنبوب الأطلس مقابل أنبوب الصحراء

المشروع المغربي-النيجيري (NMGP) الذي تبلغ كلفته 25 مليار دولار، ويمتد على نحو 7000 كيلومتر عبر 13 دولة ساحلية أطلسية، ليس مجرد مشروع طاقة بديل. إنه نقيض فلسفي كامل لأنبوب الجزائر.

المسار الأطلسي يسلك خط الساحل الغربي عبر بنين وتوغو وغانا وكوت ديفوار وليبيريا وسيراليون وغينيا وغينيا بيساو وغامبيا والسنغال وموريتانيا، وصولاً إلى المغرب. هذه الدول تتمتع في مجملها باستقرار مؤسساتي مقبول وطبقات وسطى صاعدة ومصالح اقتصادية تجعل حماية البنية التحتية مسؤوليةً مشتركة ومصلحة حقيقية. والأهم: الجزء الأكبر من الأنبوب يسلك المسار البحري تحت المياه، ما يجعل أي “تخريب” أمراً بالغ التعقيد لجماعات التمرد البرية.

المسار الصحراوي في المقابل يسلك خط مواجهة مباشرة مع الجغرافيا الأكثر اشتعالاً في العالم. يكفي أن تقرأ عنوان التقرير الذي أصدرته “جيوبوليتيكال مونيتور” في نوفمبر 2025 عن الأنبوب المغربي لتفهم التوازن الدقيق بين المشروعين: “خط أنابيب نيجيريا-المغرب: رافعة دبلوماسية تحمل مخططاً هندسياً”.

يُقرّ بأن للمشروع تعقيداته، لكنه يُثبت أن المغرب يبني “منظومة رأسمال دبلوماسي” قارية لا أحد يمتلكها في هذا الجانب من الكرة الأرضية. في الجلسة الأخيرة من “أسبوع الطاقة الدولي” في لندن عام 2026، قال مدير “NNPC” النيجيري باشير بايو أوجولاري: “إن التسليم المتسارع لمشاريع مثل خط أنابيب نيجيريا-المغرب… أمر بالغ الأهمية لتعزيز التكامل الإقليمي وتقدم التجارة عبر الحدود”. نيجيريا ذاتها، التي تُشترك في كلا المشروعين، تُعطي في تصريحاتها المالية والرمزية الأولوية للمسار الأطلسي، مُعاملةً الوعود الجزائرية بعين المستأنس لا المنبهر.

“دبلوماسية الشيكات”: حين تشتري الزمن بدل الفضاء

ما أعلنته الجزائر في قصر المرادية لم يكن مجرد أنبوب. كان “حزمة إغراء” متكاملة تشمل مساعدات طبية، ومنحاً تعليمية، وتعاوناً عسكرياً.

هذا ما يُعرف في الدراسات الاستراتيجية بـ”دبلوماسية الشيكات”، أي استخدام العطاء المادي المُعجَّل لشراء حياد الطرف الآخر في ملفات أكثر حساسية. الجزائر تريد من النيجر تحديداً أمرين: الأول هو تحييده عن محور مبادرة الوصول إلى المحيط الأطلسي التي يقودها المغرب والتي أغرت نيامي بصورة لافتة في الفترة الأخيرة، والثاني هو بناء “رئة” دبلوماسية في تحالف دول الساحل بعد أن تحوّلت مالي إلى “ثقب أسود” يبتلع كل مسعى جزائري.

الفخ في هذه الاستراتيجية هو أنها تُعالج الأعراض لا العلة. تشياني الذي زار الجزائر اليوم ليس معزولاً عن المنظومة الإقليمية التي تُعيد تشكيل نفسها بمعادلات لا تُشبه خمسينيات الاستقلالات ولا سبعينيات التضامن الثالثي. قادة الساحل يلعبون لعبة الشطرنج على عدة رقعات في الوقت ذاته، وإمضاؤهم على وثيقة “بعد رمضان” لا يعني أن الرهانات ثُبِّتت.

السيناريوهات: بين “المشروع الدعائي” والفوضى الأمنية

التطور الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور هو أن يتحوّل هذا الإعلان إلى “مشروع دعائي” رفيع المستوى، يُقدَّم للرأي العام الجزائري والإفريقي بوصفه إنجازاً استراتيجياً، بينما يبقى في الواقع العملي مجموعة من البروتوكولات الدافئة. تاريخ المشروع الممتد منذ 2002 يُرجّح هذا السيناريو بشدة، خاصةً أن “سوناطراك” ذاتها مثقلة بإدارة الحصة الجزائرية من الأنبوب (2310 كيلومترات)، قبل أن تُضيف إليها 841 كيلومتراً في نيجر.

السيناريو الأسوأ للمشروع هو حادثة أمنية واحدة موجعة في شمال نيجيريا أو وسط النيجر تُجمّد الأشغال وتطير معها مليارات من التمويل الذي لم يُعلَن عنه أصلاً. وهو سيناريو يُعزز تلقائياً مصداقية المسار الأطلسي الذي يُقدّم نفسه بديلاً أكثر أماناً لأوروبا العطشى إلى غاز غير روسي.

المُضحك المُبكي في هذا كله هو التزامن. في الأيام الفاصلة بين 8 و24 فبراير 2026، كانت الدبلوماسية المغربية تُحصد ثمار عمل مضنٍ لعقود، وكانت وثيقة من أربعين صفحة توضع على طاولة واشنطن ومدريد وتُعيد رسم معادلات المنطقة. وفي الوقت ذاته، كانت الجزائر تُعيد إطلاق أنبوب وُلد مقترحاً في عهد الرئيس بومدين، وعُرض على الجميع في عهد بوتفليقة، وخُطط له مرات ومرات في عهود متعاقبة، ولا يزال حتى اليوم حيث كان دائماً: في خانة “المشاريع الواعدة التي ستبدأ قريباً”.

قريباً. بعد رمضان. بعد رمضان المقبل، بعد رمضان الذي لا يأتي أبدا!!

اقرأ أيضا

بينما يتبخر احتياطي العملة الصعبة بصمت… الإعلام الجزائري يراقب برتقالة تسقط في أكادير!

هناك مهارة نادرة تتقنها الجزائر الرسمية بامتياز: فن تجاهل الكارثة الحقيقية، بينما تصنع الضجيج حول الوهم. يبدو ذلك جليا في التعامل مع معضلة تراجع احتياطي البنك المركزي من العملة الصعبة. فبينما احتياطي النقد الأجنبي يتآكل بمعدل ينذر بالخطر؛ وبينما البنك الدولي يطلق تحذيرات متتالية عن "صعوبات اقتصادية ملحوظة"، نجد الآلة الإعلامية الرسمية منشغلة بمهمة أكثر إلحاحاً: رصد أي "فشل مغربي" محتمل في تنظيم كأس أفريقيا!

ترحيب حقوقي برفض إسبانيا تسليم السيناتور السابق عبد القادر جديع للسلطات الجزائرية

رفضت السلطات الإسبانية تسليم السيناتور الجزائري السابق عبد القادر جديع إلى الجزائر، بعد قرار صادر عن المحكمة الوطنية الإسبانية، قضى بعد قبول طلب التسليم الذي تقدمت به السلطات الجزائرية، في ختام مسار قضائي امتد لأشهر.

تقرير فرانس 2 وسُلّم الأولويات المقلوب: عندما يصبح تقرير تلفزيوني أهم من قانون تجريم الاستعمار!

بقلم: هيثم شلبي في عالم الدبلوماسية الطبيعي، هناك تراتبية منطقية للأزمات والردود. الجرائم الكبرى تستدعي …