الجزائر

هل اقتربت لحظة نهاية النظام العسكري في الجزائر؟!

بقلم: هيثم شلبي

منذ بداية 2026، تتلاحق التطورات في أكثر من بقعة في العالم، وإن كان العنصر المشترك بينها كونها تجري في بلاد تحكمها أنظمة شمولية، عسكرية كانت أو اشتراكية أو “إسلامية”. فالأخيرة “إيران” دشنت هذه الاضطرابات في آخر أيام 2025 عبر مظاهرات غير مسبوقة، لا في حجم الحشود التي تضمها، بل في شموليتها للفقراء والتجار على حد سواء، وبارتفاع سقف الجرأة في شعاراتها، حيث تستهدف المرشد الأعلى صراحة ودون مواربة. أما فنزويلا، فلم تتأخر عن الموعد، حيث أفاقت العاصمة كاراكاس على خبر اقتياد رئيسها “التشافيزي الاشتراكي المناهض للإمبريالية الأمريكية” إلى نيويورك هو وزوجته بعد اقتحام غرفة نومه وجلبه ليقف أمام قاضي محكمة في نيوريورك، من المشكوك أنه سيجد مادة قانونية صريحة يستطيع الاتكاء عليها لتبرير محاكمة مادورو أصلا، ناهيك عن إدانته!!

ولأن التحليل السياسي لا علاقة له بتنبؤات الأبراج والفلكيين (جميعهم تنبؤوا بالمناسبة بانهيار النظام الجزائري هذا العام، وإن اختلفوا حول الوسيلة!!)، لم نكن بحاجة للقول بأن الدور المقبل هو على النظام الجزائري، ليس فقط لكون إيران وفنزويلا يكادان يكونان حليفيه الوحيدين، ولكن، وهذا هو الأهم، لدرجات الشبه العديدة التي يشترك فيها النظام الجزائري مع نظامي حليفيه؛ والأهم من هذا وذاك، اشتراكه معهما في سوء الأوضاع المعيشية لمواطنيه، التي لم تترك له أي رصيد شعبي يمكن أن يحميه في مواجهة معارضي الداخل والخارج، اللهم باستثناء القوة الغاشمة، التي -بدورها- لا تغني ولا تسمن من جوع.

الحالة الجزائرية المسجلة حتى الآن، تتعلق أساسا بموجة الإضرابات التي يشنها التجار، ومهنيو النقل، كل لأسبابه، وإن كان المشترك بينهما، الاحتجاج على قرارات حكومات الرئيس عبد المجيد تبون الكارثية. هذا الأخير، تحول، لهذا السبب بالذات، إلى هدف مباشر من طرف جميع معارضي النظام، وذلك بسبب فداحة الأخطاء التي يرتكبها، وحجم الكذب الذي يمارسه، ونوعية الخطاب المنفصل عن الواقع، الذي يدرك زيفه كل جزائري، ولا يؤدي بالنهاية سوى إلى نتيجة واحدة: زيادة السخط الشعبي على الثنائي تبون- شنقريحة، وباقي أركان النظام.

وما يزيد من تفاقم الوضع في الجزائر، افتقاد الرئيس تبون، وعرابه الجنرال شنقريحة، وجميع وزراء الحكومة لأي أفكار أو برامج أو مشاريع يمكنها تفكيك الألغام التي تزرع في طريق علاقتهم بالشعب الجزائري. ولا أدل على ذلك من التذكير بقرارات حكومة تبون الكارثية: المستورد الذاتي (قادت لدمار المؤسسات الصغرى والمتوسطة)، منحة السفر (شرعنت تجارة العملة، وحطمت قيمة الدينار الجزائري)، تقييد الاستيراد للحفاظ على رصيد العملة الصعبة (أهلكت المؤسسات الاقتصادية الكبرى ودفعت الاستثمار الأجنبي على قلته للهرب)، منحة البطالة (فاقمت من أعدادها بدل محاربتها)، قانون النقل (تسبب في إضراب جميع وسائل النقل وتشكيل كرة ثلج لا يعلم مداها أحد)، رفع أسعار المحروقات (دعمت موجة غلاء غير مبرر طالت جميع الطبقات الشعبية).. وغيرها الكثير من القرارات، بحيث تصبح مهمة من يبحث عن قرار حكومي “جيد” في عهد الرئيس تبون، مهمة مستحيلة حرفيا!!

ومع ذلك، فمن المهم التأكيد على أن قراءة الرابط بين هذه الموجة من الاحتجاجات القطاعية، واحتمالية سقوط النظام الجزائري، تبقى “رومانسية” ومتسرعة إذا لم يتم تدعيمها بعناصر أخرى، يمكنها جلب معظم الشعب الجزائري للشارع، في موجة تفوق حراك 2019، أو احتمالية حدوث انقلاب عسكري يتجاوز كونه نوعا من تجديد النخب داخل النظام نفسه، وهو الأمر الذي لن يفيد الجزائريين في شيء. لذلك، إذا تجاوزنا “خطاب الأماني” لدى المعارضة الجزائرية، يمكن تدعيم هذه التوقعات “الوردية” ببعض الملاحظات الأخرى، التي تجعلنا نصطف إلى جانب من يتوقعون اقتراب لحظة كتابة الفصل الختامي في حياة هذا النظام العسكري الجاثم على صدور الجزائريين منذ استقلالهم “الصوري” عن فرنسا!!

أولا: عموم المشكلة: فأزمات الجزائر السياسية والاقتصادية لا تقتصر على “تجار العلمة” أو سائقي الحافلات، بل تشمل جميع قطاعات الشعب الجزائري، بما فيها صغار الجنود والكوادر داخل المؤسسة العسكرية نفسها. فباستثناء فئة قليلة جدا من كبار الجنرالات، ورجال الأعمال، والمسؤولين التنفيذيين، يمكن القول بثقة أن الإحساس بالأزمة، هو العنصر المشترك بين جميع الجزائريين، الموجودين داخل وخارج الجزائر.

ثانيا: انسداد أدوات “التنفيس” التي تفرغ الاحتقان الداخلي الشعبي، وتمنعه، أو على الأقل تؤجل، لحظة الانفجار. فخلال عهد الرئيس تبون “الميمون”، تفننت الحكومة في صياغة قوانين تحرّم، وليس فقط تقيد، حرية التعبير والتجمع والرأي وغيرها من الحريات، وطالت إدانة الناس حتى الصحفيين والمؤرخين، الذين حكموا بالحبس لفترات تتجاوز الخمس سنوات، على آرائهم الأكاديمية والتاريخية، بل وحتى تشكيكهم برواية رسمية لهذا الحدث أو ذاك، وهو وضع غير مسبوق عالميا، يدل -إن دل على شيء- على حجم “الرعب” الذي يدب في مفاصل الدولة الجزائرية، الذي يجعل النظام متحفزا تجاه أي نوع من التعبير الحر عن الآراء.

ثالثا: صراع الأجنحة داخل النظام. فلطالما كان التفاهم على قواعد لعب واضحة هو صمام الأمان لإدارة لعبة القوى بين أجنحة النظام المؤثرة الثلاثة: الرئاسة، هيئة الأركان، المخابرات! “فوضى” لا أدل عليها من وجود عشرات الجنرالات داخل سجون النظام؛ وفرار أعداد مماثلة خارج البلاد، مع ما يقدمونه من ثروة معلومات استخباراتية تجعل النظام برمته عرضة لابتزاز القوى الخارجية؛ ناهيك طبعا عن التغييرات المتوالية التي تطال المناصب الأمنية والعسكرية الحساسة وتعدها عما تحتاجه من استقرار مؤسساتي، والتي جعلت سبع جنرالات يتناوبون على إدارة كل من جهازي المخابرات الداخلية والخارجية خلال عهد تبون- شنقريحة، بمعدل أقل من عام لكل رئيس جهاز!!

رابعا: “المعارك الدعائية” الخاسرة، وبشكل كارثي، والتي لم تسهم في تسجيل أي نقطة إيجابية لصالح النظام من طرف الأغلبية الشعبية. فمن استضافة قمة عربية فاشلة غاب عنها جميع الرؤساء العرب المؤثرين، وتسلمت الجزائر رئاستها لمدة أربعة شهور فقط! إلى الفشل المدوي في “أم المعارك” المتمثلة في الانضمام للبريكس؛ إلى معارك زيادة الصادرات خارج قطاع المحروقات؛ وتصنيع السيارات؛ والاكتفاء الذاتي من القمح؛ وغيرها العشرات من المعارك التي سرعان ما كان المواطن الجزائري يكتشف أنها مجرد شعارات فارغة لا تصلح إلا للتندر على تصريحات “عمي تبون”!!

إن الاكتفاء بهذه “العينات” من الأسباب التي نقول بأن تظافر آثارها لا يمكن إلا أن يقود إلى انهيار هذه المنظومة الفاقدة للشرعية، والنجاعة. وقد يحدث أن تستمر أنظمة فاقدة للمشروعية في الحكم، نظرا لما تقدمه من استقرار وخدمات للغالبية العظمى من الناس، وهي الحالة التي لا تنطبق بأي حال من الأحوال على النظام الجزائري، الأمر الذي يقود لا محالة إلى انفجار الوضع الداخلي، عبر ثورة تطيح هذه المرة بجميع مكونات هذا النظام العسكري الفاشل، وتفتح الباب أمام نظام وطني حقيقي -لا بالشعارات-، يكون متمتعا بالشرعية الشعبية، وينجح في جمع الجزائريين حول مشروع مجتمعي يساهم فيه كل منهم بنصيب عادل من “المغنم والمغرم”. لكن يبقى السؤال: هل نرى هذه اللحظة خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة، أم أن الأمر يحتاج لبضعة أشهر قبل رؤيتها واقعا في الشارع؟ الله وحده يعلم!

اقرأ أيضا

مباراة حارقة تجمع منتخبي الجزائر وبوركينافاسو لانتزاع ورقة التأهل

يشهد ملعب الأمير مولاي الحسن بالعاصمة الرباط، مساء اليوم الأحد انطلاقا من الساعة السادسة والنصف، مباراة حارقة تحمع منتخبي الجزائر وبوركينافاسو ضمن مباريات الجولة الثانية للمجموعة الخامسة بمنافسات "كان المغرب 2025".

باريس: قانون تجريم الاستعمار الفرنسي بالجزائر خطوة تأتي بنتائج عكسية تجاه “إرادة استئناف الحوار”

اعتبرت وزارة الخارجية الفرنسية، اليوم الأربعاء، أن اعتماد الجزائر قانونا يجرّم الاستعمار الفرنسي في البلاد (1830-1962) خطوة تأتي بنتائج عكسية تجاه "إرادة استئناف الحوار الفرنسي الجزائري".

منظمة حقوقية: تعديل قانون الجنسية في الجزائر سابقة خطيرة

أعربت منظمة "شعاع" لحقوق الإنسان (تعمل في نطاق حدود الجزائر ومقرها الرئيسي في لندن)، عن بالغ قلقها إثر مصادقة البرلمان الجزائري، اليوم الأربعاء 24 دجنبر الجاري، على القانون المعدِّل والمتمِّم للأمر رقم 70-86 المؤرخ في 15 دجنبر 1970، المتضمن قانون الجنسية الجزائرية.