أزمة الغاز الصخري… إلى أين؟

ينذر قيامُ مجموعة من المحتجّين في عين صالح بالانتقال مرّتين إلى موقع استكشاف الغاز الصخري بالمنطقة وإيقاف آلات الحفر ومنع الشركة من إكمال أشغالها، بإمكانية تصعيد الاحتجاجات في الأيام القادمة إذا لم تجد السلطة حلا لاحتواء الوضع.
بالأمس كانت هناك مظاهراتٌ سلمية يومية في عين صالح، وحينما تجاهلتها السلطة، بدأت الاعتصامات وتوقف الكثير من التلاميذ عن الدراسة والعمال عن العمل للمشاركة في الاحتجاجات، ولكن حينما طال الأمدُ بالمتظاهرين أكثر من شهر، ولم يلح في الأفق أيّ مؤشر لإمكانية استجابة السلطة لمطلبهم الوحيد وهو التوقف التام عن المشروع والتخلي عنه، وبدا أن السلطة مصرّة على تنفيذ مشروع الاستكشاف تحت شعار “تأمين الأمن الطاقوي للبلد”، بدأ بعض المحتجين يصعّدون احتجاجاتهم عبر الانتقال إلى موقع الاستكشاف خارج المدينة وإيقاف آلات الحفر.
المحتجّون فهموا من تصريحات مختلف المسؤولين أن السلطة غير مستعدّة حاليا للتخلي عن التجارب الاستكشافية على الأقل، ثم كان تصريحُ شركة “توتال” الفرنسية بأنها تستغل الغاز الصخري في الجزائر، بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، وأجّجت غضبهم أكثر ودفعتهم إلى التصعيد، حيث شعروا بالخديعة وهم الذين سمعوا أكثر من مسؤول يتحدث عن الاستكشاف فقط لتأتي “توتال” وتؤكد الشروعَ في مرحلة الاستغلال.
لا نفهم كيف تتراجع فرنسا عن استغلال الغاز الصخري في عام 2011 ويصرح الرئيس هولند بأنه لا أحد يمكنه أن يقنعه بأن هذا الغاز لا يضرّ البيئة، ثم تصرّ الجزائر على العكس، وتسمح لشركة “توتال” الفرنسية باستغلال هذا النوع من الغاز حسب ما كشفته هذه الشركة نفسها؟
ليس من مصلحة السلطة أن تتسبّب في فتح بؤرة توتّر جديدة في الجنوب في حين أن الأزمة في غرداية لم تُحلّ بعد وهي تشتعل بين الفينة والأخرى، والعلاقات بين السكان هناك لايزال يشوبها التوتر والتوجّس، كما أن احتجاجات البطالين في ورڤلة لاتزال مستمرة، والمطلوب هو أن تجد السلطة حلا آخر غير المراهنة على ربح الوقت لفرض الأمر الواقع على السكان في عين صالح وباقي مناطق الجنوب، فهذا الحلّ قد يفضي إلى نتائج عكسية ويتزايد منسوب التوتر والاحتقان والسخط لدى السكان فيصعّدون احتجاجاتهم أكثر.
الأزمة دخلت شهرها الثاني منذ أيام وهذا ليس مؤشراً إيجابياً.. السلطة كما يبدو لن تنجح في كسب القضية من خلال طريقة ربح الوقت أو استخدام ورقة الولايات المنتدَبة وغيرها لتليين موقف السكان، بل قد يدفع تسويفها الأوضاع أكثر إلى التعفين، والمنطقة ملتهبة بما فيه الكفاية، وأزمات دول الجوار قد تفيض عليها، والمطلوب إيجاد حل يقوم على توفير بدائل تنموية أخرى للمنطقة غير الغاز الصخري، ولعلّ قرار توزيع مليون هكتار من الأراضي على الراغبين في الاستثمار الفلاحي بالجنوب والهضاب هو أحد مفاتيح الحل وأحد البدائل الناجعة لريع المحروقات بكل أنواعها، وليس للغاز الصخري وحده.

*صحفي جزائري/”الشروق”

انتخابات 2026

اقرأ أيضا

تقرير.. المغرب يضمن مكانته كرائد دولي في جاذبية الاستثمار سنة 2026

في لحظة محورية تُجسّد نجاح التحولات الهيكلية في بيئة الأعمال بالمملكة، تكشف بيانات منصة الاقتصاد العالمي المستندة …

عندما تلتقي 22 ألف ميغاواط بعشرة ملايين قرص مخدر: هل تحتمل الجزائر وزن الورقة الطاقية التي تسوّقها لأوروبا؟

في الأسبوع نفسه الذي سجّلت فيه الجزائر ذروة تاريخية في استهلاك الكهرباء وسط موجة حر بلغت 49 درجة، أعلنت وزارة الدفاع حصيلة عملياتية أسبوعية ضخمة لمكافحة تهريب المخدرات والتنقيب غير الشرعي عن الذهب والهجرة غير النظامية على طول حدودها الجنوبية والغربية، تلتها بعد يومين عملية أكبر أسفرت عن ضبط 10.4 ملايين قرص مؤثر عقلي و33 كلغ من الكوكايين. في الموازاة، يواصل الخطاب الرسمي والإعلامي الجزائري تقديم البلاد بوصفها "ركيزة أساسية في أمن الطاقة الأوروبي" و"البديل الأنسب للغاز الروسي". السؤال الذي لا يطرحه أحد داخل هذا الخطاب: هل تسمح بنية الجزائر الداخلية فعلا بتحمّل الدور الذي تسوّقه لنفسها في بروكسل وبرلين؟

من “غنيمة حرب” إلى مادة مؤجلة: ماذا تكشف معركة الفرنسية الجديدة عن عجز الجزائر عن حسم هويتها اللغوية؟

في 26 يوليوز 2026، أعلنت وزارة التربية الوطنية الجزائرية أن الإنجليزية ستصبح ابتداء من الموسم الدراسي 2026-2027، اللغة الأجنبية الوحيدة التي تُدرَّس في السنة الثالثة ابتدائي، فيما تؤجَّل الفرنسية إلى السنة الرابعة. القرار بحد ذاته تقني في ظاهره، لكنه فجّر في أسابيع قليلة سجالا سياسيا حادا استحضر "العشرية السوداء" ومصطلح "غنيمة الحرب"، وأدخل وزيرين سابقين في مواجهة علنية مع باحث تربوي، إلى درجة اضطرت معها رئاسة الحكومة، لا وزارة التربية، إلى التدخل لضبط رزنامة الدخول المدرسي نفسها. هذا التصعيد غير المتناسب مع "تعديل بيداغوجي" ظاهريا هو بالضبط ما يستحق التفكيك.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *