ورطة الجزائر والبوليساريو المحتملة إذا أُقرّ قانون التجنيس الإسباني!

بقلم: هيثم شلبي

حين صوّت مجلس النواب الإسباني يوم 10 سبتمبر 2026 على مقترح منح الجنسية للصحراويين المولودين في الإقليم قبل 29 سبتمبر 1977، سارعت قيادة البوليساريو إلى الترحيب. اكتفى إبراهيم غالي بتحفظ شكلي مفاده أن القانون “لا يعوّض حق تقرير المصير”. وصفقت المنابر الدائرة في فلك النظام العسكري الجزائري لما اعتبرته “هدفاً” في مرمى الرباط.

غير أن القراءة المتأنية لنص القانون ولسياق تطبيقه تكشف مفارقة لم ينتبه إليها المحتفلون. ما يبدو هدية سياسية قد يتحول إلى أخطر اختبار تواجهه الجزائر والبوليساريو منذ نصف قرن، وهو اختبار الأرقام.

ماذا يقول القانون فعلاً؟

يمنح النص الجنسية عن طريق “رسالة التجنيس” لكل من يثبت ولادته في الإقليم قبل التاريخ المذكور. ويمنح الأبناء المباشرين مهلة خمس سنوات لطلب الجنسية بعد حصول آبائهم عليها. ويفتح لباقي الصحراويين طريق الإقامة القانونية المختصرة بسنتين.

وسائل الإثبات متعددة: بطاقة التعريف الإسبانية ولو كانت منتهية الصلاحية، ووصولات التسجيل لدى بعثة المينورسو، وشهادات الميلاد، والدفاتر العائلية، والوثائق الإدارية الإسبانية. أما التقديرات فتتراوح بين 80 و110 آلاف مستفيد محتمل مع ذريتهم.

القانون لم يكتمل بعد. أمام مجلس الشيوخ، حيث يملك الحزب الشعبي الأغلبية المطلقة، أجل ينتهي أواخر نوفمبر 2026. وإذا اختار التعديل أو الفيتو، فقد يتأخر الحسم النهائي إلى فبراير 2027. لكن هذا لا يغير جوهر المعادلة التي نناقشها.

الإحصاء الذي هُرِّب منه خمسون عاماً

منذ 1975 والنظام الجزائري يرفض إحصاء سكان مخيمات تندوف وتسجيلهم فردياً. مجلس الأمن طالب بذلك في قرارات متتالية منذ 2011، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين نبّهت إلى الأمر مراراً. والنتيجة أرقام متضاربة:

  • 173,600: الرقم الذي تعتمده خطط الأمم المتحدة، وهو مبني على دراسة مشتركة بين الوكالات سنة 2018 لا على تسجيل فردي.
  • 90,000: رقم “الأكثر هشاشة” الذي استخدمته المفوضية لأغراض المساعدة.

الفارق بين الرقمين هو نفسه المساحة التي وثّق فيها تقرير المكتب الأوروبي لمكافحة الاحتيال، تحويل جزء من المساعدات الإنسانية.

هنا تكمن المفارقة الأولى. القانون الإسباني سيجري بشكل غير مباشر الإحصاء الذي عطلته الجزائر. كل طلب جنسية يقدمه ساكن من المخيمات هو تسجيل فردي موثق، يثبت فيه صاحبه صلته بالإقليم أمام إدارة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي. ولا تستطيع الجزائر منع ذلك دون أن تظهر أمام العالم كمن يحرم “اللاجئين” الذين تتحدث باسمهم من حق طالما طالبت به البوليساريو.

السابقة الموريتانية: المصفاة الأولى

المسار الإسباني ليس الأول من نوعه. في مطلع 2013 نقلت الصحافة المغربية عن وكالة “الأخبار” الموريتانية وجود تعليمات من جهات عليا للوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة بتسجيل الصحراويين الموجودين على التراب الموريتاني والمقيمين في المخيمات. وفي منطقة بئر أم كرين وحدها قفز عدد المسجلين من 2761 في إحصاء سنة 2000 إلى 10514.

وتكررت الظاهرة في نهاية 2023. نقلت صحف موريتانية أن أعداداً كبيرة من سكان مخيمات الرابوني توجهت إلى تيرس زمور وداخلة نواذيبو، ولحق بهم صحراويون مقيمون في دول أوروبية. ولم يصدر في الحالتين أي بلاغ رسمي من نواكشوط.

في 2013 قُرئ المسار الموريتاني على أنه تمويه، يتيح للبوليساريو إخفاء الحجم الحقيقي للمخيمات قبل أي إحصاء دولي. لكن حين يُضاف إليه المسار الإسباني تنقلب الوظيفة من التمويه إلى الفرز:

  • ذوو الأصول الموريتانية يأخذون الجنسية الموريتانية.
  • المولودون في الإقليم قبل 1977 وأبناؤهم يأخذون الجنسية الإسبانية.

فمن يبقى في المخيمات؟ ومن هم؟

البوليساريو في مواجهة معيارها الخاص

هنا نصل إلى جوهر الورطة. طوال مسار تحديد الهوية في التسعينيات، تمسكت البوليساريو ومن ورائها الجزائر بإحصاء 1974 الإسباني وبالحدود الاستعمارية معياراً وحيداً لتعريف “الشعب الصحراوي”. ورفضتا أهلية القبائل الصحراوية المتنازع عليها التي قدم المغرب طلباتها.

والقانون الإسباني يعتمد عملياً المعيار نفسه: الولادة داخل الإقليم تحت الإدارة الإسبانية. وبالتالي فكل من يبقى في المخيمات عاجزاً عن إثبات هذه الصلة هو، بمعيار البوليساريو نفسها، خارج “الشعب” الذي تدّعي تمثيله.

قد يكون بين هؤلاء صحراويون من قبائل يمتد مجالها إلى تندوف أو شمال موريتانيا أو وادي نون. وقد يكون بينهم وافدون من الساحل. لكن هذا لم يعد مهماً في منطق الجبهة، فهي من رسمت الحدود التي تقصيهم. والتناقض هنا ليس اتهاماً مغربياً، بل نتيجة منطقية لخطاب البوليساريو ذاته.

معادلة الرقم: رهان لا يتحكم فيه أحد

يمكن تصور نتيجتين للتطبيق:

  • إقبال كبير بوثائق صحيحة: قد تجد البوليساريو في ذلك سنداً لرواية “عشرات الآلاف”. ولعل هذا ما يفسر ترحيبها السريع.
  • عدد محدود مقارنة بـ173,600: ينهار الرقم الذي بُنيت عليه ميزانيات المساعدة والخطاب الدبلوماسي معاً. ويُطرح سؤال لا تملك الجزائر جواباً مريحاً عنه: من هم الباقون، وبأي صفة يعيشون على أرضها منذ عقود؟

وتزداد المعادلة تعقيداً بسبب اتفاقية اللاجئين لسنة 1951. فهي تنص على انتهاء صفة اللاجئ لمن يكتسب جنسية جديدة ويتمتع بحمايتها. كل جواز إسباني يصدر لساكن من المخيمات يُنقص تلقائياً عدد “اللاجئين” المعترف بهم. لن يُفرغ ذلك المخيمات دفعة واحدة، فكبار السن الذين تجاوزوا الخمسين سيبقى أكثرهم في أماكنهم. لكنه سيقلص تدريجياً الأساس القانوني للمساعدات، ومعه الاقتصاد الريعي الذي نشأ حولها.

ورطة الوثيقة

ثمة تفصيل إجرائي يبدو صغيراً لكنه يحمل دلالة سياسية ثقيلة. يشترط القانون شهادة خلو من السوابق العدلية عن السنوات الخمس الأخيرة، صادرة عن الدول التي أقام فيها المتقدم. فمن سيصدرها لسكان المخيمات؟

  • إذا أصدرتها الجزائر: تكون قد أقرت بمسؤوليتها القانونية المباشرة عن سكان تصر على أنهم تحت سلطة “دولة” أخرى.
  • إذا أصدرتها البوليساريو: ستجد مدريد نفسها أمام وثيقة صادرة عن كيان لا تعترف به. ورفضها سيكشف أن “جمهورية تندوف” الوهمية عاجزة حتى عن منح مواطنيها المفترضين ورقة إدارية.

مخرج أم مأزق للجزائر؟

قد يرى البعض أن القانون يمنح الجزائر مخرجاً منخفض الكلفة، خاصة بعد القرار الأممي 2797 في أكتوبر 2025. القرار وضع مبادرة الحكم الذاتي في قلب المسار التفاوضي، وصوّتت لصالحه 11 دولة وامتنعت 3، بينما امتنعت الجزائر عن المشاركة في التصويت. وفق هذه القراءة يذهب ذوو الأصول الموريتانية إلى موريتانيا، والمولودون في الإقليم إلى إسبانيا، وتتخلص الجزائر من عبء ثقيل.

في هذه القراءة جزء من الصحة، لكنها تغفل ثلاث حقائق:

  1. لا ترحيل واقعياً. نتحدث عن جيلين أو ثلاثة وُلدوا في تندوف، ولا يمكن “إعادتهم” إلى دول لا يعرفونها. الأرجح أن تستوعبهم الجزائر بصمت في نسيجها المحلي، وهذا بحد ذاته اعتراف متأخر بأن جزءاً من سكان المخيمات لم يكن “لاجئاً صحراوياً” أصلاً.
  2. الكلفة الحقيقية سردية لا مالية. بنى النظام العسكري الجزائري جزءاً من شرعيته الإقليمية على “قضية شعب يُقاوم”، وتصفية المخيمات بهدوء تعني إعلان نهاية هذا الاستثمار.
  3. القيادة ستخرج قبل القاعدة. الأسر المرتبطة بقيادة البوليساريو هي الأقدر على استيفاء الوثائق والانتقال إلى أوروبا. سيتعمق نموذج “الشيخ في المخيم والابن في إسبانيا”، وستتسع الهوة بين نخبة تملك مخرجاً أوروبياً وقاعدة تُطالَب بالصمود.

نظرة استشرافية

المسار ليس محسوماً. قد يُفرغ الحزب الشعبي القانون من محتواه بالتعديلات، وقد تُبطئ حكومة يقودها بعد انتخابات 2027 تطبيقه. لكن إذا صدر القانون في صيغته الحالية، فإن مهلة السنوات الثلاث المخصصة لتقديم الطلبات ستنتج شيئاً لم يسبق له مثيل منذ 1975: أرقاماً أوروبية موثقة عن عدد من يستطيع فعلاً إثبات صلته بالإقليم.

طالبت البوليساريو باستفتاء لعقود، وعطلته الجزائر كلما اقترب من التسجيل الفردي. وقد تكون المفارقة الكبرى أن الاستفتاء الوحيد الذي سيُجرى فعلياً هو استفتاء على الأرقام، تنظمه مدريد في مكاتب السجل المدني، ولا يملك جنرالات الجزائر أي سلطة على صناديقه.

انتخابات 2026

اقرأ أيضا

الجزائر

840 كيلومترا من الوعود.. حين يصطدم الإسفلت الجزائري بالحقيقة الموريتانية

في فبراير 2024، وقف الرئيسان تبون وولد الشيخ الغزواني أمام الكاميرات، في مشهد رسمي معتاد يجمع بين تبادل الابتسامات الدبلوماسية وإطلاق الإشارة الرمزية لمشروع يُفترض أن يغير خريطة التجارة في غرب أفريقيا.

الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان.. النظام الجزائري يتلاعب سياىسيا بعقوبة الإعدام

أفادت الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان بأنه في أعقاب صيف حار شهد حرائق غابات هائلة في …

أسعار النفط

تقرير دولي.. الجزائر ضمن الدول الأكثر عرضة للخطر لـ”عصر ما بعد النفط”

فيما يتجه العالم نحو عصر ما بعد النفط، لا تزال بعض الدول بعيدة عن هذا التحول الكبير الذي قد يتيح لاقتصادها أن يتحسن، حيث سبق لهذه الدول أن ذاقت سنة 2020 مخاطر اعتماد اقتصادها على النفط