الرئيسية / وجهات نظر / «حكومة ليون» و «الرقص مع الذئاب» في ليبيا
سمير سعداوي

«حكومة ليون» و «الرقص مع الذئاب» في ليبيا

في خضم الانتفاضة على العقيد معمر القذافي عام 2011، برزت مسألة مشروعية تدخل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، عقدة، تم الالتفاف عليها بتأكيد أن هذا التدخل يقتصر على حماية المدنيين ولن ينتج منه بأي حال، انتشار قوات أجنبية على الأرض أو تدخل مباشر في مسار الأحداث، الأمر الذي أثيرت حوله شكوك لاحقاً، خصوصاً في ما يتعلق بملابسات تعقب القذافي في سرت وتصفيته.
وبعد أربع سنوات على مرحلة انتقالية لم يتمكن خلالها الليبيون من إرساء نواة دولة قانون ومؤسسات، تعاظم شأن التدخل الخارجي تدريجاً، حتى أوصل البلاد إلى مسلسل حروب داخلية تشكل تهديداً وجودياً لليبيا. ولا تزال عقدة التدخل الخارجي ماثلة، سواء في بقاء الملف الليبي في يد مجلس الأمن، أو في رعاية دولية، تكاد تتحول وصاية، لعملية الحوار التي يأمل المبعوث الدولي برناردينو ليون في أن تتوّج بتشكيل حكومة وفاق تخرج البلاد من حال الانقسام بين سلطتين إحداهما في الشرق والأخرى في الغرب.
هنا تبرز مجدداً مشروعية ما سيفرزه الحوار، ذلك أنه في سبيل إبعاد حكومته العتيدة عن تجاذبات الأزمة، يخطط ليون لتحصينها بصيغ رديفة لتلك المرسومة في الإعلان الدستوري الذي أفرز على ضعفه وهشاشته مجلس نواب منتخباً، لم يستطع ممارسة سيادته وتم تحديه بعملية عسكرية نتجت منها عودة «المؤتمر الوطني»، البرلمان السابق المنتهية ولايته إلى المشهد، بفضل حكم قضائي لم يعترف به نصف الليبيين على الأقل، بما في ذلك قوى نافذة ومسيطرة على مناطق لا يستهان بها.
تتشكل حكومات الوفاق عادة، نتيجة عملية محاصصة سواء بين أطراف سياسية، مختلفة لكنها تملك صفة تمثيلية، سواء على صعيد وطني أو مناطقي أو قبائلي. ويبدو من خلال ما تسرب من كواليس الحوار الذي كانت آخر جولاته في المغرب، أن تحصين «حكومة ليون» سيقتضي إخراجها من دائرة التجاذبات، أي بعيداً عن نفوذ البرلمان المنعقد في طبرق والمؤتمر الذي عاود اجتماعاته في طرابلس. تلك الحصانة تحوّل الحكومة إلى هيكل «معلق في الهواء»، قائمة بحد ذاتها، لكنها لا تتمتع بالضرورة بسلطة على المتحاربين المتفلتين أيضاً من أي نفوذ داخلي، وهي بذلك حكومة «تبيت في العراء» و «ترقص مع ذئاب» تتحين الفرصة لنهش جسدها، ما لم تكن القوى الدولية تملك سلفاً مخططاً لتبني تلك الحكومة لتصبح حينها وليدة توافقات ومحاصصات خارجية، وهنا تكمن نقطة ضعفها.
أضف إلى ذلك أن «خلط الأوراق» المستمر نتيجة الصراع العسكري، أدى إلى نزع المشروعية عن معظم القوى التي دخلت «محرقة» العمل السياسي منذ سقوط نظام القذافي، واندفعت في عملية محاصصة بالقوة لم يعد ممكناً معها، معرفة أحجام التمثيل الحقيقية، خصوصاً أن بعض الأطراف متهم بإذكاء نار الصراع على الأرض للتعتيم على تراجع شعبيته وانهيار مصداقيته في الشارع.
ومن الواضح أن التدخلات الخارجية، سواء الإقليمية أو الدولية، تتحمل مسؤولية كبيرة في فشل قيام طبقة سياسية جديدة على أنقاض النظام السابق، ليس فقط من خلال تصدير الصراعات الخارجية إلى الساحة الليبية، بل أيضاً من خلال دعم جهات في ليبيا وتحويلها إلى قوى أمر واقع مصطنعة.
ولا مبالغة في القول إن العثور على مجموعة وطنية تمتلك مشروعية، هي اليوم بمثابة «البحث عن إبرة في كومة قش»، وعملية لا يستطيع الخارج الاضطلاع بها، في حين يتعذر على الداخل تقديم بدائل في هذا المجال بالسرعة المطلوبة لوضع حد للنزاع الدموي.

*كاتب صحفي/”الحياة”