الرئيسية / وجهات نظر / خدعة الحل السياسي في ليبيا
محمد أبو الفضل

خدعة الحل السياسي في ليبيا

المتابع للتفاعلات الإقليمية والدولية للأزمة الليبية، يتعجب من الانقسام حيال طريقة التعامل معها، بعد أن وصلت فلول تنظيم داعش، وتضخم دور عدد كبير من الجماعات المتشددة في ليبيا، عقب مذبحة 21 مواطنا مصريا على أيدي هذا التنظيم، فقد كانت تقديرات كثيرة تتوقع أن دور التدخل العسكري الدولي مرة أخرى قد جاء، وأن مصير داعش هناك، سيكون قريبا من مصير داعش العراق وسوريا.
الرأي العام الدولي بدا مهيئا لصدور قرار من مجلس الأمن ينتهز هذه المذبحة، لكن المفاجأة أن الطريق جرى تعبيده بالأشواك، و”الفيتو” لاح في الأفق، قبل أن تصل الصيغة العربية إلى مجلس الأمن، حيث أكدت بعض المؤشرات الغربية، في الاجتماع السري الذي عقد في تونس بين ممثلين لقوى دولية وسياسيين ليبيين، أو من خلال تلميحات إقليمية، تركية – قطرية، أن التدخل العسكري في ليبيا مرفوض، ولا سبيل سوى البحث عن استكمال الحل السياسي، الذي تقوده الأمم المتحدة، وتم الكشف عن حلقات سيناريو الرفض في الاجتماع الذي عقد الأسبوع الماضي بخصوص الأزمة الليبية في مجلس الأمن.
الواضح أن كلمتي وزيري خارجية ليبيا ومصر (محمد الدايري وسامح شكري) أمام الجلسة الطارئة لمجلس الأمن، لم تغيرا في الأمر شيئا، وفشلت كل العبارات السياسية والقانونية والإنسانية في تليين مواقف كثير من الدول العربية والغربية، وكان الموقف صارما من رفض التدخل العسكري، الأمر الذي أوحى لدوائر متعددة بأن هناك رغبة عارمة في إطالة أمد الأزمة، وأن التشبث بالحل السياسي، خدعة تقف خلفها حسابات معينة.
الغريب أن الرفض أيدته دول، كان البعض يتصور أنها ستقف في مقدمة من يؤيدون التدخل، مثل فرنسا وإيطاليا، بعد أن رشحت معلومات، ذهبت إلى حد التفاهم بينهما ومصر والحكومة الليبية، وأصبح موقف باريس وروما لا يختلف كثيرا عن الولايات المتحدة وتركيا وقطر، والغريب أيضا أن الجزائر أضحت في الخندق ذاته، مع أنها من أكثر الدول التي من غير المستبعد أن تتضرر بقوة من تضخم تنظيم “داعش” في ليبيا، فما هي العوامل التي جمعت هذه الدول في سلة واحدة لرفض التدخل العسكري؟
المؤكد أن الأسباب والدوافع ليست واحدة، لكن هناك مصلحة لدى كل طرف، فرضت عليه التواطؤ، لرفض التدخل الدولي، والتذرع بأولوية الحل السياسي، وقد تتقاطع أسباب هذا الطرف مع دوافع أطراف أخرى، أو العكس، وفي النهاية النتيجة التي توافق عليها الجميع، أن الدواعش يجب ألا يعاملوا معاملة واحدة، حتى لا تؤخذ قوى سياسية مطلوب الحفاظ على وجودها في ليبيا بجريرتهم.
بصرف النظر عن الهدف الذي يقف وراء ذلك، فالحصيلة أن الفيتو، سوف يظل مرفوعا، داخل مجلس الأمن وخارجه، طالما أن هناك إصرارا من قبل بعض الدول على المساواة بين ميليشيات “داعش” وكل من فجر ليبيا وأنصار الشريعة، والجماعة الإسلامية المقاتلة، والمطلوب أن تكون الفصائل الثلاثة الأخيرة جزءا من الحل السياسي، دون اعتبار لطبيعة الجرائم التي ارتكبت، والعلميات الإرهابية التي وقعت.
يمكن تفسير هذا الموقف وإجماله في ثلاث نقاط رئيسية، تتقدم أو تتأخر، لكن في جميع الأحوال تساعد على فهم الخدعة التي تم تسويقها لأفضلية الحل السياسي على الحسم العسكري، والتي وجدت لها مؤيدين في دول عربية، تارة بحجة صعوبة نجاح التدخل، وأخرى بحجة الحفاظ على مصر وإبعادها عن مستنقع ليبيا.
الأولى أن الولايات المتحدة، لا تزال مصرة على عدم التخلي عن مشروع تمكين التيار الإسلامي، ولا تريد أن تعترف بأخطائها، ولا حتى فشل أنصارها في الحكم، وتراودها أحلام بعودتهم، أو على الأقل بأن يصبحوا جزءا من المعادلة السياسية في الدول التي سقطوا فيها، مثل مصر وليبيا، وهي تدرك أن التدخل العسكري، يعني عمليا نهاية هذه الأسطورة، ليس في ليبيا فقط، بل في مصر أيضا، التي يتغذى أنصار التيار الإسلامي فيها على روافده في ليبيا، وتدعم تركيا وقطر هذا المشروع بقوة، وأصبحتا من أهم الدول المؤيدة للميليشيات في ليبيا وتمكينها.
الثانية تتعلق بموقف كل من إيطاليا وفرنسا، فرغم العلاقات الجيدة والمتطورة مع مصر، وكانتا من أكثر الدول تفهما لخطابها في مكافحة الإرهاب عموما، إلا أن تغير موقفهما أثار الانتباه، وهو ما يمكن إرجاعه إلى الاستجابة لضغوط أميركية وتركية، وعدم نقل الخلافات السياسية إلى حلف الناتو، في وقت بالغ الحساسية، تواجه دوله حزمة من التحديات الإقليمية الوعرة، كما أن الانخراط في التدخل العسكري في ليبيا أو حتى تأييده، قد يفضي إلى تعرض هاتين الدولتين لعمليات إرهابية، تحرج القيادتين السياسيتين فيهما.
الثالثة تخص الجزائر التي تمسكت برفض التدخل العسكري في ليبيا من أي جهة، وترى أن الحل السياسي الوحيد القادر على تجاوز الأزمة الليبية، ما أدى إلى تعميق خلافها مع القاهرة، ولا يرجع ذلك إلى تجربة السنوات العشر في الصدام بين الجيش والإسلاميين، وما أدى إليه من حصيلة باهظة في الأرواح، لكن أيضا لأن أي تدخل قد يفرض عليها الاختيار بين المشاركة أو الصمت.
في الحالتين هناك رفض من جانب المؤسسة العسكرية الجزائرية، خشية أن تنزلق تداعيات الأزمة الليبية إلى أراضيها، وهي لا تزال تعاني من وطأة التيار الإسلامي المتشدد في الجنوب، والذي يقود التحامه مع نظيره في شمال مالي، وليبيا من الشرق، إلى إيجاد ما يشبه الكماشة، وربما يكون الخطاب المتمسك بالحل السياسي نجح، مؤقتا، في تجنيبها أن تكون محطة قريبة لـ”داعش”، التي وصلت بالفعل إلى مصر وتونس وتمركزت في ليبيا، لكن لم تظهر بصماتها العملية حتى الآن في الأراضي الجزائرية.
الحاصل أن رفع شعار الحل السياسي من قبل بعض القوى الإقليمية والدولية، حق يراد به باطل، فالدول التي ترفض الآن التدخل العسكري دفعت إليه بكل قوة منذ حوالي ثلاثة أعوام ونصف العام، من خلال قوات الناتو، وكان من الطبيعي أن تواصل مسيرتها، فأي تدخل عسكري يتلوه حل سياسي شامل، لكن مرة أخرى يتم التدخل الدولي لتحقيق هدف معين، وتترك البلاد نهبا للميلشيات، وليبيا الدولة الثانية، بعد الصومال، التي يحدث فيها تدخل، ينتهي قبل أن يحقق الأمن الاستقرار، لذلك يبدو أن الولايات المتحدة وحلفاءها، المباشرين وغير المباشرين، الواعين والمخدوعين، الطامعين والحالمين، يريدون تكرار سيناريو الصومال في ليبيا، وتحويل الأخيرة إلى دولة فاشلة، لأجل غير مسمى.

*كاتب مصري/”العرب”