الرئيسية / دراسات / تصريف العدالة الانتقالية بالمغرب هيئة الإنصاف والمصالحة نموذجا
مصال

تصريف العدالة الانتقالية بالمغرب هيئة الإنصاف والمصالحة نموذجا

تقديم
يشكل الحديث عن العدالة الانتقالية في علاقتها بمسألة الانتقال الديمقراطي من أبرز الموضوعات الحديثة النشأة في مسار الديمقراطيات الجديدة ؛فكلا المفهومين يحيلان إلى مرحلة حاسمة في تحديد راهنية ومستقبل الأمم المتطلعة لتكريس المنهج الديمقراطي السليم؛ ذلك أن هذه المرحلة تبقى مفتوحة على جميع الاحتمالات الأمر الذي يتطلب توفير جملة من الشروط الذاتية والموضوعية يأتي في مقدمتها ضرورة مصالحة البلد مع ذاته .
إن المغرب الذي خطا خطوات هامة في نهج الاختيار الديمقراطي وجد نفسه في خضم هذا المعترك الديمقراطي يواجه جملة من العوائق الذاتية والموضوعية من أبرزها إشكالية تدبير العدالة الانتقالية
فماذا نعني بالعدالة الانتقالية وكيف تعامل مغرب العهد الجديد مع هذا الملف؟
للاجابة على هذه التساؤلات سنتحدث ضمن المحور الأول عن ماهية العدالة الانتقالية فيما سنسلط الأضواء في المحور الثاني عن تجربة هيئة الانصاف والمصالحة كهيئة أنيط لها تدبير العدالة الانتقالية بالمغرب الراهن.

المحور الأول: ماهية العدالة الانتقالية
تعرف العدالة الانتقالية بكونها جملة من الاستراتيجيات المتعددة الساعية لتدبير إرث انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي إلى جانب الاهتمام بالجانب التحليلي لهذه الاستراتيجيات وكذا مسألة تطبيقها عمليا بغية خلق مجتمع أكثر عدالة وديمقراطية.
والواقع أن العدالة الانتقالية مفهوم أوسع وأشمل فهي تضم مفاهيم حديثة تحيلنا إلى حقول ومجالات متعددة كحقوق الانسان العدالة الجنائية، مسألة جبر الضرر..
فكيف برز هذا المفهوم إلى حيز الوجود؟

أولا : الارهاصات الأولية لمفهوم العدالة الانتقالية
تعود الارهاصات الأولية لمفهوم العدالة الانتقالية إلى نهاية الحرب العالمية الثانية لتبرز بشكل أكثر وضوحا مع إقامة محاكمات حقوق الإنسان في اليونان في أواسط السبعينيات ومع المتابعات ضد الحكم العسكري في الأرجنتين ، وكذا جهود تقصي الحقائق الذي عرفته أمريكا اللاتينية، حيث ستبرز في هذا الصدد لجنتي تقصي الحقائق في الأرجنتين (1983) وتشيلي (1990). فقد ساهمت تجارب الأرجنتين وشيلي في بلورة جملة من التدابير الإجرائية لصالح ضحايا انتهاكات حقوق الانسان ؛ مثلما أفضت جهود أوروبا الشرقية في التعامل مع انتهاكات الماضي من خلال فتح ملفات وكالات الأمن الداخلي السابقة وكذا منع منتهكي حقوق الإنسان السابقين من الوصول إلى مناصب في السلطة عبر عملية التطهير .
بيد أن أهم محطة تاريخية جد متميزة تتمثل في إنشاء جنوب إفريقيا للجنة” الحقيقة والمصالحة” في 1995بغية تدبير ملف جرائم حقوق الإنسان التي عرفها عهد الأبارتيد؛ كما اشتهرت كذلك المحكمتان الجنائيتان الدوليتان ليوغوسلافيا ورواندا لكونهما اعتمدتا على مقتضيات القانون الدولي لحقوق الإنسان.
إبان العقود الأخيرة، تم تطوير مجموعة متميزة من آليات العدالة والاعتماد عليها من جانب الحكومات الديمقراطية الخارجة لتوها من فترات حرب أو حكم استبدادي والتي لا تقتصر فقط على محاكمات الجرائم المحلية.
وهناك مجموعة من العوامل تساعد في شرح هذا النمو المثير في الآليات ويتضمن ذلك تطوير أنظمة حقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة والمناطق الإقليمية ودفاع المنظمات غير الحكومية الدولية وطاقتها الإبداعية، والموجات المتوالية للانتقالات الديمقراطية في أعقاب النزاعات التي عرفتها جميع أنحاء العالم في العقود الأخيرة، وانتهاء الحرب الباردة التي فتحت الباب أمام إمكانيات العمل والتعاون الدولي، وهو ما لم يخطر على بال. ونتيجة لذلك، لا تحتاج المجتمعات الخارجة اليوم من فترات القمع الجماعي إلى صياغة استراتيجيات عدالتها من فراغ، ولكن بدلا من ذلك – وبفضل ثورة الاتصالات العالمية – يمكنها أن تركز انتباهها على الوسائل المستحدثة والدروس المستخلصة في أماكن أخرى.
ويمكنها كذلك أن تستفيد من مجموعة كبيرة من الأعمال الأكاديمية والصحفية والفنية المتوفرة الآن حول الموضوع ذاته وكذا من الخبرة والمساعدة التقنية من جانب المفكرين المختصين والتي تشكلها المنظمات الدولية، والهيئات الأجنبية المتبرعة التي ازداد نشاطها في هذا المجال.
ورغم أن هذه كلها مؤشرات المشجعة، فالحقيقة أن الدول التي تضمد جراحها من فترات القمع الجماعي ستستمر في مواجهة الجانب الذي لاشك فيه تقريبا وهو أنه “لا تخلو دولة من العيوب”.

ثانيا: دواعي العدالة الانتقالية
تشير مختلف التجارب السابقة على أن كل حالة تشكل محطة متميزة عن التجارب الأخرى؛ فالخصوصية هنا تفرض نفسها بإلحاح شديد؛ فليس هناك دليل مرجعي واحد وموحد يوضح لنا خريطة الطريق لاحتواء مسألة مواجهة انتهاكات حقوق الإنسان الماضية أو حتى ضرورة مواجهتها.
وفي مقابل غياب خريطة طريق واحدة وموحدة فإن هناك شبه إجماع يخامر ذهن الباحثين في مجال حقوق الانسان حول دواعي بروز العدالة الانتقالية إلا أن هناك اتجاها عاما يشير إلى وجود ثلاث عوامل مركزية الانتقالية ألا وهي:

1- تقوية الديمقراطية: يرى العديد من الباحثين على أن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم إلا بوجود توافق مركزي بين مختلف الفاعلين السياسيين وهو الأمر الذي لا يتحقق إلا بمصالحة البلد مع ذاته وأبنائه. ذلك أن بناء أي مشروع ديمقراطي يقتضي إشراك الجميع بدون إقصاء أو تمييز وهو الأمر الذي لا يتم إلا من خلال إرساء ثقافة المحاسبة.

2- الواجب الأخلاقي في مواجهة الماضي: يستدل نشطاء حقوق الإنسان والضحايا وغيرهم بأن هناك واجبا أخلاقيا في معرفة انتهاكات الماضي، فنسيان الضحايا والناجين من الفظائع يعتبر شكلا من أشكال إعادة الإحساس بالظلم والإهانة.
إذ من المستحيل تجاهل الماضي أو نسيانه – فهو دائما يطفو على السطح – لذلك من الأفضل إظهاره بطريقة بناءة وشفافة في إطار ما أمسى يطلق عليه اسم “فوران” الذاكرة حيث يغلي الغضب وعدم الرضى تحت سطح الحياة السياسية وبالتالي ينفلتان من وقت لآخر.

3- ولوج النادي الديمقراطي: يحضر هذا العامل بشكل قوي في ذهنية الدول السائرة في طريق النمو على اعتبار أن نظام العولمة اليوم لم تعد تصدر فقط الجانب الاقتصادي بل تصدر معها عولمة سياسية يأتي في مقدمة مطالبها إقرار حقوق الانسان كما هو متعارف عليها عالميا

ثالثا : أسس العدالة الانتقالية
ترتكز العدالة الانتقالية على تصور مركزي مفاده أن المطالبة بالعدالة الجنائية ليست مسألة مطلقة، بقدر ما يجب أن تتم موازنتها بالحاجة إلى السلم والديمقراطية والتنمية العادلة وسيادة القانون. بيد أنه في السياقات الانتقالية توجد جملة من القيود العملية نستعرضها على النحو التالي:
ـ وجود نقص في الموارد البشرية والمادية ؛
ـ نظام قضائي ضعيف أو فاسد،
ـ انتقال ديمقراطي هش؛
ـ وجود نقص في الأدلة الجنائية أو وجود عدد كبير من مرتكبي الأفعال أو عدد كبير من الضحايا.
بيد أنه في إطار العدالة الانتقالية، لا تعتبر هذه القيود كعذر يبرر عدم القيام بأي شيء، بل كلما تحسنت وضعية أحد البلدان مع مرور الوقت ينتظر من السلطة الحاكمة التي تليها أن تحاول إصلاح المظالم الناجمة عن القيود السابقة.

رابعا: مناهج العدالة الانتقالية
تركز العدالة الانتقالية على الأقل على أربعة مناهج أولية لمواجهة انتهاكات حقوق الإنسان الماضية:
(1) المحاكمات (سواء المدنية أو الجنائية، الوطنية أو الدولية، المحلية أو الخارجية).
(2) البحث عن الحقيقة وتقصي الحقائق (سواء من خلال تحقيقات رسمية وطنية مثل لجان الحقيقة أو لجان التحقيق الدولية أو آليات الأمم المتحدة أو جهود المنظمات غير الحكومية)
(3) التعويض (سواء من خلال التعويض الرمزي أو العيني أو إعادة التأهيل)
(4) الإصلاح المؤسسي (بما في ذلك الإصلاحات القانونية والمؤسسية وإزاحة مرتكبي الأفعال من المناصب العامة وإقامة تداريب حول حقوق الإنسان للموظفين العموميين)، ويشمل هذا المجال كذلك عدة قضايا تلتقي فيما بينها نذكر من أبرزها:
أ التحليل النقدي لمشكل الإفلات من العقاب (ويضم ذلك إشكالية دور العفو أثناء الفترة الانتقالية)
ب فهم المبادرات التي تستهدف إرساء المصالحة.
ورغم نجاح آليات العدالة الانتقالية وقبولها على صعيد واسع في الديمقراطيات الجديدة وسياقات أخرى، فلا زالت مجالا حديث النشأة؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد أنه بالرغم من أن مسألة العدالة بين الجنسين يمكن أن تساعد أحيانا في فهم وتفسير نماذج انتهاك حقوق الإنسان (مثلا، استهداف النساء من جانب بعض السياسات القمعية)، فإن مسألة الجنس الاجتماعي (من حيث الذكورة والأنوثة) لا تعتبر منظارا يتم عادة من خلاله تصور آليات العدالة الانتقالية. وقد أثار بعض المراقبين المنتقدين من بلدان مختلفة كجنوب إفريقيا وبيرو ونيجيريا مخاوفهم حول كيفية الكشف عن تجارب النساء فيما يتعلق بالعنف والنزاعات لدى لجنة لتقصي الحقيقة، وكيف يمكن مثلا مواجهة وفهم إرث نماذج الجنس الاجتماعي من العنف.
ورغم ذلك، فإن بعض المناهج الحديثة للعدالة الانتقالية قد سلطت الضوء على مظاهر القمع التي تستهدف الجنس الاجتماعي حيث تم اللجوء في هذا الصدد إلى بعض الاستراتيجيات التي تم استعمالها من طرف لجان الحقيقة والمحاكم وبرامج التعويض وجهود الإصلاح المؤسسي لتشمل ما يلي: جلسات استماع ترتكز على نماذج النوع الاجتماعي لانتهاكات حقوق الإنسان والجهود النشيطة التي يبذلها المدعون العامون والمحققون في متابعة الانتهاكات المبنية على الجنس؛ وتنمية مناهج مرنة فيما يخص قضايا معنية مثل الأدلة والعناية اللازمة في التعامل مع الشهادات حول تعريف جرائم معينة كالجرائم ضد الإنسانية أو انتهاكات حقوق الإنسان “ذات الدوافع السياسية” لتشمل جرائم مثل الاغتصاب؛ والعمل من أجل استخدام عدد مهم من الموظفين لفائدة لجان الحقيقة أو مكاتب النيابة العامة؛ ووضع بروتوكولات من أجل الضحايا أثناء المتابعات أو جلسات الاستماع العلنية لضمان سرية المعلومات الحساسة؛ وخلق مبادرات للتعويض تقوم على معالجة الانتهاكات الخاصة بالجنس؛ أو محاولة اتخاذ خطوات خلاقة لتفادي إعادة إشكاليات نماذج الجنس الاجتماعي عند منح تعويض عن الخسائر.
وهنا برز في الأفق مفهوم “المصالحة”ليلج مختلف المناقشات المتعلقة بالعدالة الانتقالية؛بيد أن لهذا المفهوم عدة معانٍ مختلفة؛ فهو في نظر البعض يبقى مرتبطا بالجهود المبذولة من جانب أحد الأنظمة الشمولية “لطي صفحة الماضي” أو “للعفو والنسيان”. لكن المدافعين عن حقوق الإنسان نادرا ما يقبلون هذه الصيغة من المصالحة، محتجين بقوة بأن المصالحة الحقيقية يجب أن تكون مرتبطة بالمحاسبة والعدالة والاعتراف بالجرائم الماضية.
أما الانتقاد الثاني الموجه إلى مفهوم المصالحة فهو أنها كثيرا ما تقدم كهدف نهائي وقابل للإنجاز دون إيلاء ما يكفي من الاهتمام للعملية التي يمكن أن تنجز من خلالها. وعليه، فإن الإفراط في التركيز على هذا المفهوم من شأنه أن يؤدي إلى الفشل وخيبة الأمل. ومن جهة أخرى، فإن النظر إلى المصالحة على أنها عملية جارية تشتمل على عناصر متداخلة، بما في ذلك المحاسبة، قد استدل على أنها قد تساعد في تقوية الديمقراطيات الناشئة من خلال بناء علاقات التبادل والثقة.
وسوف نستخدم مصطلح “المصالحة” فيما يلي بمعنى الجهود الرامية إلى إرساء السلام والثقة الوطنية بين الخصوم القدامى – في سياق من العدالة والمحاسبة.

خامسا: خصائص العدالة الانتقالية
إن صفات البيئات الانتقالية تساعد على تفسير ثلاث مميزات هامة تساعد إلى حد ما في تمييز العدالة الانتقالية كمجال منفصل بذاته.
الميزة الأولى هي التركيز على الشمولية في التعامل مع إرث الانتهاكات؛ فأهداف وأدوات العدالة الانتقالية تتجاوز المحاسبة المعروفة على انتهاكات حقوق الإنسان من خلال المحاكمات. فالعدالة الانتقالية تروم تحقيق الأهداف التالية:
وضع حد لجرائم حقوق الإنسان الجارية ممارستها،  التحقيق في الجرائم ،
منح تعويض للضحايا، منع ارتكاب جرائم حقوق الإنسان في المستقبل وإعادة بناء علاقات بين الدولة والمواطن، تعزيز السلام والديمقراطية وتحسينهما، وتشجيع المصالحة الفردية والوطنية.

المميزة الثانية تكمن في الأولوية التي يحظى بها التوازن والإدماج؛ فالعدالة الانتقالية لا تسعى إلى عدالة بأثر رجعي بأي ثمن، أو تركز على المحافظة على السلام على حساب حق الضحايا في العدالة، ولكن تؤكد عوض ذلك على إرساء توازن بين الأهداف على اختلافها وتنافسها، اعتمادا على القانون الدولي والامتيازات والإكراهات المحلية وصياغة سياسة عقلانية وعادلة.

الميزة الثالثة المميزة للعدالة الانتقالية كونها تنهج “منهج يرتكز على الضحايا” للتعامل مع ماض عنيف سواء من حيث مساره أو نتائجه.
ويمكن إلى درجة كبيرة قياس مشروعية آليات العدالة الانتقالية بمدى اعتراض الضحايا عليها أو دعمهم لها، وإلى أي درجة يمكنهم المشاركة فيها والاستفادة منها.

سادسا :العدالة الانتقالية وخطاب حقوق الإنسان
تعتبر العدالة الانتقالية بمثابة نتاج للخطاب الدولي حول حقوق الإنسان، وينبغي الاهتمام ببعض المشاكل المحتملة التي قد تترتب على ذلك.
ويرى بعض المعلقين أن حركة حقوق الإنسان الدولية قد تفشل في مواجهة القضايا الرئيسية في حل النزاعات والتنمية واستبعاد بعض الأطراف المحلية أو مجتمعات بأكملها.
وثمة احتمال بأن تؤدي هيمنة خطاب حقوق الإنسان في التنمية إلى إقصاء الخطابات والمناهج البديلة في حل النزاعات، وقد تفشل كذلك إظهار مدى تنوع الأصوات والتجارب. كما أن التنوع يواجه المناوأة بسبب الإطار المجرد والعالمي الذي توضع فيه حقوق الإنسان والذي يفرض تصنيفا واضحا لجميع الأطراف (مثلا، “كضحايا” أو “مرتكبين”). ومن شأن تطبيق نفس المجموعة من القواعد على تجارب مختلفة جذريا أن يفقد خيار إدماج مزيد من التجارب والمفاهيم المحلية. وبالتالي فإن تقديم حقيقة مطلقة لحقوق الإنسان – يجب تطبيقها ومناقشتها وتنفيذها من طرف مهنيين خارجين قد يسبب يشكل هروبا من جانب المهنيين والأطراف المحلية.
وقد يؤدي وضع الدولة في مركز تتولى فيه تحديد المشكل وحله إلى تخلي الأفراد بشكل أكبر عن دورهم في تحمل مسؤولية إيجاد حل والبحث عن طرق بديلة لبلوغ الحل. وموازاة مع ذلك، فإن التركيز على الدولة لا يعير الاهتمام إلا إلى مساوئ المجال العام مع تجاهل مساوئ القطاع الخاص. وبالتالي فإن ذلك لا يعتبر فقط من الأسباب الجذرية لانتهاكات حقوق الإنسان المحتمل تجاهلها، بل إن مشاكل القطاع الخاص تحظى ضمنيا بالمشروعية من جراء ذلك. ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة بالنسبة إلى النساء اللائي يعانين غالبا من التعرض للانتهاكات في المجال غير التابع للدولة.
إن دور القانون في صياغة تعار يف الجرائم وتصميم الآليات قد يغفل أكثر القضايا والأنشطة الرئيسية – يشير (دافيد كينيدي) إلى المحاولة التي دامت 30 سنة لإيجاد تعريف قانوني لمصطلحي “لاجئ” و”الحق في اللجوء”، متسائلا هل هذه المحاولة تشكل جزءا من المشكل أكثر مما هي حل له. وثمة نقطة أخيرة يجب أخذها بعين الاعتبار وهي أن الحركة الدولية لحقوق الإنسان هي ثمرة لزمن ومكان معينين، كما أن الحركة الأوروبية لما بعد عصر التنوير التي تمثلها قد تتخلى عن الثقافات غير الغربية، ولاسيما عندما تحاول فرض معايير على الديمقراطيات الناشئة التي لا توجد في الغرب الحديث.

المحور الثاني: هيئة الإنصاف والمصالحة بين العدالة الاتهامية والعدالة التصالحية
أتت هيئة الانصاف والمصالحة كمخاض عسير بغية تدبير ملف انتهاكات حقوق الانسان بالمغرب؛ذلك أن تجربة العدالة الانتقالية بدأت بالمغرب سياسية قبل أن تتحول إلى توجهات حقوقية ؛إذ انطلقت مع جملة من المؤشرات السياسية.
إن عمل الهيئة لم يتبلور مع سنة2004 بقدر ما أتى عبر صيرورة تاريخية انطلقت مع بداية عقد التسعينات لتجد إرادة سياسية قوية مع العهد الجديد ؛ إذ لم يتردد العاهل المغربي محمد السادس في الافصاح عن هذا التوجه قائلا: ” لقد أقدمنا، بكل شجاعة وحكمة وثبات، على استكمال التسوية المنصفة لماضي انتهاكات حقوق الإنسان، التي أطلق مسارها الرائد، منذ بداية التسعينيات، والدنا المنعم، جلالة الملك الحسن الثاني، قدس الله روحه. وإننا لنستحضر، بكل خشوع وإجلال، إلحاحه، أكرم الله مثواه، من أعلى منبر البرلمان، في آخر افتتاح له للدورة النيابية في أكتوبر1998، على الطي النهائي لكل الملفات العالقة. كما جاء في نطقه السامي. “حتى لا يبقى المغرب جارا من ورائه سمعة ليست هي الحقيقة، وليست مطابقة لواقعه، ولا تفيده في مستقبله “.
فما الغاية من إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة؟ وما المسار الذي سلكته لمعالجة ملف انتهاكات حقوق الانسان؟

أولا : طبيعة هيئة الانصاف والمصالحة
تعتبر هيئة الإنصاف والمصالحة لجنة وطنية للحقيقة والإنصاف والمصالحة، وقد أنشأت بناء على القرار الملكي بالموافقة على توصية صادرة من المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وعلى الظهير الشريف المتضمن للنظام الأساسي للهيئة الصادر ب 12 أبريل 2004 ، ذات اختصاصات غير قضائية في مجال تسوية ملف ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان؛ بحيث يأتي على رأس مهامها البحث والتحري والتقييم والتحكيم والاقتراح.
ويمكن مقاربة عمل الهيئة عبر اختصاصين مركزيين أولهما الاختصاص الزمني وثانيهما الاختصاص النوعي:
يشمل اختصاصها الزمني الفترة الممتدة من أوائل الاستقلال 1956 إلى تاريخ المصادقة الملكية على إحداث هيئة التحكيم المستقلة للتعويض 1999.
أما الاختصاص النوعي فيشمل أكثر الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي اتسمت بالطابع الممنهجعلما بأن اختصاص التحري والكشف عن الحقيقة يخول الهيئة التحقق من نوعية ومدى جسامة الانتهاكات الماضية لحقوق الإنسان.

ثانيا : الإطار القانوني لهيئة الانصاف والمصالحة
جاء النظام الأساسي للهيئة عبر ظهير شريف مما يدل على الأهمية التي توليها السلطة لعمل هذه الهيئة؛ وقد تضمن هذا الظهير الاختصاصات وقواعد النظام الداخلي، من خلال سبعة وعشرين مادة موزعة على ستة أبواب .
وبهذه الصفة فإن عمل الهيئة يندرج ضمن المسار المغربي للتحول الديمقراطي، باعتباره مشروعا وطنيا وعملا حضاريا لبناء المستقبل.

ثالثا: مهام الهيئة
تباشر هيئة الإنصاف والمصالحة، المهام التالية:
الكشف عن حقيقة انتهاكات حقوق الانسان بالمغرب فالهدف المركزي للهيئة هو العمل على استجلاء الحقيقة على اعتبار تقع في جوهر واختصاص الهيئة
•إثبات نوعية ومدى جسامة الانتهاكات الماضية لحقوق الإنسان.
• إجراء التحريات، وتلقي الإفادات، والإطلاع على الأرشيفات الرسمية، واستقاء المعلومات والمعطيات التي توفرها أية جهة، لفائدة الكشف عن الحقيقة.
• مواصلة البحث بشأن حالات الاختفاء القسري التي لم يعرف مصيرها بعد.
• بذل كل الجهود للتحري بشأن الوقائع التي لم يتم استجلاؤها.
• الكشف عن مصير المختفين، مع إيجاد الحلول الملائمة بالنسبة لمن ثبتت وفاتهم.
• الوقوف على مسؤوليات أجهزة الدولة أو أي طرف آخر في الانتهاكات والوقائع موضوع التحريات.
• تضمين التقرير النهائي خلاصات الأبحاث والتحريات والتحاليل المجراة بشأن الانتهاكات وسياقاتها.
جبر الضرر وإعادة الاعتبار من خلال التعويض المادي وإعادة التأهيل والإدماج والاسترداد، رد الاعتبار، وكل أشكال جبر الضرر الملائمة حسب التحريات والأبحاث في نطاق الكشف عن الحقيقة.
تضمين جملة من التوصيات و ضمانات الوقاية وعدم التكرار بإقرار تقرير نهائي، كوثيقة رسمية للهيئة، التوصيات والمقترحات الكفيلة بحفظ الذاكرة وبضمان عدم تكرار ما جرى ومحو آثار الانتهاكات، واسترجاع الثقة وتقويتها في حكم القانون واحترام حقوق الإنسان.

نهج منهج المصالحة من خلال:
المساهمة في تنمية وإثراء ثقافة وسلوك الحوار، وإرساء مقومات المصالحة، دعما للتحول الديمقراطي لبلادنا، وبناء دولة الحق والقانون، وإشاعة قيم وثقافة المواطنة وحقوق الإنسان .
• المساهمة في تنمية وإثراء ثقافة وسلوك الحوار، وإرساء مقومات المصالحة، دعما للتحول الديمقراطي لبلادنا، وبناء دولة الحق والقانون، وإشاعة قيم وثقافة المواطنة وحقوق الإنسان .

رابعا: منطلق عمل هيئة الانصاف والمصالحة
انبنى عمل هيئة الإنصاف والمصالحة في إعداد التوصيات الواردة ضمن تقريرها النهائي على عدة منطلقات أبرزها اختيار الدولة التوجه نحو المستقبل في مجال النهوض بحقوق الإنسان وحمايتها، في سياق الانتقال الديمقراطي للبلاد؛ وتعزيز مسلسل الإصلاحات الجارية في مجالات متنوعة ؛ ومقتضيات النظام الأساسي للهيئة الرامية إلى تقديم المقترحات الكفيلة بعدم تكرار ما جرى ومحو آثار الانتهاكات واسترجاع الثقة وتقويتها في حكم القانون.
وتتأسس هذه التوصيات على الإرادة السياسية العليا، المستمدة من استمرارية النظام الملكي الدستوري الديمقراطي، الضامن لحرمة الدولة والمؤسسات، وجعل الديمقراطية وروح المواطنة وإشاعة ثقافة حقوق وواجبات الإنسان، خير تحصين للمجتمع من نزعات التطرف والإرهاب، وتحرير الطاقات الكفيلة بجعل المغاربة قاطبة في انسجام تام مع تطلعات وطنهم ورفع ما يواجهه، من تحديات داخلية وخارجية.
كما تنبني على الدعوة الملكية السامية، من أجل إصلاح القضاء، ضمانا لحرمته ولجعل أحكامه تستهدف الإنصاف في إطار من الاستقلال عن كل أشكال الضغوط المادية والمعنوية، وباعتبار مبدأ استقلال القضاء، قاعدة ديمقراطية لكفالة حسن سير العدالة وضمانا لدستوريته، ولسيادة القانون ومساواة الجميع أمامه في جميع الظروف والأحوال، ولدور القضاء في كسب رهان الديمقراطية والتنمية؛ بالإضافة إلى الأبعاد الإنسانية الكبرى، للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، المرتكزة على مبادئ الديمقراطية السياسية والفعالية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي والعمل والاجتهاد وتمكين المواطن من الاستثمار الأمثل لمؤهلاته وقدراته.
وتتأسس هذه التوصيات أيضا على التأصيل الدستوري، حيث عرفت البلاد من خلال المراجعتين الدستوريتين للعقد التسعيني من القرن المنصرم، تأصيلا دستوريا لحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميا؛ واستئناف مسلسل تحديث وعصرنة المنظومات القانونية المتصلة بالحقوق والحريات الفردية والجماعية في اتجاه إقرار حقوق الإنسان من حيث الأسس والضمانات في قوانين عامة وخاصة؛ وإنطلاق عملية عصرنة التشريع الجنائي، حيث تم إقرار مبادئ وضمانات في الإجراءات المسطرية ذات الصلة، وفتح بذات الدرجة النقاش الوطني حول الاختيارات والأسس المتعين وضعها في مجال السياسة الجنائية.
وفي نفس السياق أقرت السلطة السياسية مسألة تلاءم القوانين الوطنية مع المقتضيات الدولية لحقوق الانسان ذلك أن العلاقة بين القانون الدولي لحقوق الانسان المجسد في الشرعة الدولية وبين القانون الداخلي للدول سواء كان دستورا أو غيره لازالت مثار نقاش عميق وحاد بالخصوص حينما يتعلق المر بضرورة احترام الدول عند وضعها لتشريع ما لمقتضيات الشرعة الدولية وعدم مخالفة ما جاء فيها بموجب تشريعاتها الداخلية؛ فالتطبيق هذا المبدأ يفترض وجوبا اتخاذ الدول للتدابير الضرورية لجعل مقتضيات القانون الدولي لحقوق الانسان تنتج أثارها على صعيد دستورها وحتى قوانينها الداخلية ومن ثمة ضرورة اتخاذ الدول لجميع التدابير القانونية الداخلية التي تعد أساسية لضمان التطبيق التام للمعاهدات ولعل ذلك ما تحاول إلى حد ما طرحه المادة الثانية من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وكدا المادة الثانية من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
ومن المبادئ الأخرى التي استندت عليها الهيئة في إعداد التوصيات إقرار المراجعة النوعية شكلا ومضمونا لمدونة الأسرة، في إطار ملائمة المعايير الكونية المتعلقة بحقوق الإنسان وقيم العدل والمساواة ومقاصد الشريعة الإسلامية، مما مكن من وضع لبنة أساسية حول إشكالية الخصوصية والكونية لمنظومة قانونية تضمن حقوق المرأة والأطفال وتعزز الأسرة على أساس من العدل والإنصاف؛ وإعادة الاعتبار للحقوق الثقافية واللغة الأمازيغية كمكون من مكونات الهوية الوطنية.
إن القمع الجسدي الذي مورس على الضحايا رافقه قمع اقتصادي فالمناطق التي شهدت اضطرابات اجتماعية عنيفة كالريف أو التي شملت معتقلات سرية كاكدز أو تازمامارت تعرضت لتهميش اقتصادي واجتماعي ممنهجين إلى جانب سجناء الرأي القابعين في هذه المعتقلات كان آخرون يتعرضون إلى اعتقال من نوع آخر فالاستبعاد السياسي يتوافق بشكل كبير مع الاحتواء الاقتصادي والاستبعاد الاقتصادي على حد سواء حيث يوضح نموذج كوريا الجنوبية أن دكتاتورية قمعية يمكن أن تتبع استراتيجية اقتصادية احتوائية إلى جانب هذه المبادئ فقد استندت الهيئة أيضا على ضرورة التمييز بين السلطات على صعيد الإدارة والدولة وتمكين المواطنين من الوسائل القانونية السريعة وذات الفعالية للدفاع عن حقوقهم إن من خلال إقرار مفهوم جديد للسلطة في العلاقات اليومية مع الإدارة أو بواسطة القضاء المختص لذلك؛ ووضع آليات الوساطة والتدخل، حماية لحقوق الإنسان من انتهاكات أو لرفع الانتهاكات.
وفضلا عن ذلك ارتكزت الهيئة في إطار إعداد التوصيات، على المعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والاستفادة من التجارب المقارنة في مجال العدالة الانتقالية في العالم، وكذا الاجتهادات المبلورة فيما يخص علاقة حقوق الإنسان بالديمقراطية في إطار الأمم المتحدة، أو الهيئات البرلمانية الدولية.
كما استندت على مستخلصات التجربة المغربية في موضوع الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في الماضي من حيث أنواعها ومداها والمسؤوليات المؤسساتية التي ارتبطت بها وأوجه الخصاص في مجالات القانون والعدالة والحكامة الأمنية؛ والدراسات والأبحاث العلمية للنصوص التشريعية والتنظيمية ذات الصلة بحقوق الإنسان أو تلك التي قد يكون لها أثر سلبي أو إيجابي على احترامها والتمتع بها. مما مكن من تبين ما يتعين تعزيزه وتقويته، أو إلغاؤه، أو تتميمه أو وضعه لأول مرة، على صعيد الضمانات والمساطر.إضافة لذلك استندت على الدراسات التي مكنت من الوقوف على تعزيز صلاحيات ووظائف الجهات المعنية أو المتدخلة في مجال حقوق الإنسان، من حيث ممارستها لمهامها؛ واللقاءات الحوارية والتشاورية مع الأحزاب السياسية والجمعيات والمنظمات غير الحكومية المعنية وممثلي السلطات العمومية، مما أفضى إلى تلقي اقتراحات متنوعة حول الموضوع؛ وإجراء مناقشات معمقة، وعلى مراحل بين أعضاء الهيئة، بصفة جماعية ومن خلال فرقها والمتخصصين على صعيدها، تستمر، وإلى حين الاتفاق النهائي على مضمونها وصياغتها.
وأكدت الهيئة أنها تتطلع إلى أن تكون التوصيات والمقترحات التي تتوج تقريرها النهائي مساهمة إضافية في المسار الرامي إلى ترسيخ حقوق الإنسان وتوطيد الديمقراطية وتقوية دولة الحق والقانون، مشيرة إلى أنها تعي كل الوعي، أن المقترحات التي تقدمها، لا تروم أكثر من تقديم أفكار تتضمن مبادئ وأسس، وآليات تحيل على مساطر ومسالك، من شأنها تعزيز الضمانات القانونية، عند تولي السلطات المختصة قانونا التعديل التشريعي، لفائدة الإنشاء، الإلغاء أو التتميم.

خامسا: توصيات الهيئة بين المقاربة القانونية والمقاربة السياسية
دعت هيئة الإنصاف والمصالحة في تقريرها النهائي إلى إنشاء لجنة وزارية مختلطة، من طرف الحكومة، لمتابعة تنفيذ توصيات الهيئة، تمثل فيها وزارات الداخلية والعدل والثقافة والإعلام والتربية والتكوين المهني؛ ومتابعة تفعيل نتائج أعمال الهيئة في مجال جبر الأضرار بواسطة آلية للمتابعة تتولى الإعداد الرسمي للمقررات الصادرة في مجال تعويض الضحايا ومساطر إشعارهم وتوجيهها إلى الحكومة قصد التنفيذ، وكذا السهر على تفعيل توصيات الهيئة في مجال برامج جبر باقي الأضرار.
وأوصت بإحداث لجنة بالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، لمتابعة تنفيذ التوصيات الصادرة عنها في مجالات الحقيقة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، تخول لها صلاحيات وسلط واسعة للاتصال بكل السلطات والجهات المعنية، وتعمل على تقديم تقرير دوري حول نتائج عملها، بما في ذلك التقدم المحرز أو التأخر الحاصل في هذا المجال.
ودعت إلى إنشاء لجان تقنية لمتابعة تنفيذ مشاريع جبر الأضرار على الصعيد الجماعي، تمثل فيها القطاعات والمصالح المعنية، وتعمل على إحاطة الحكومة ولجنة المتابعة المنبثقة عن المجلس الاستشاري بشكل دوري بنتائج أعمالها. وأوصت الهيئة بأن يقوم الوزير الأول، بعد تقديم تقريرها النهائي، بالإدلاء بتصريح أمام البرلمان، يتضمن اعتذارا رسميا باسم الحكومة عن مسؤولية الدولة عن ما تبث من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في الماضي.
وطالبت الهيئة بإنشاء لجان متابعة مختلطة مكونة من المنتخبين، وممثلي السلطات المحلية والمنظمات غير الحكومية وممثلي المصالح الحكومية التقنية المعنية، تتكلف بتتبع تنفيذ المشاريع المقترحة على المستوى الجماعي والإقليمي والجهوي. وتعمل على تقديم تقارير دورية إلى الجماعات المحلية والحكومة ولجنة المتابعة المنبثقة عن المجلس المذكورة أعلاه.
كما أوصت بتأمين التغطية الصحية الأساسية حسب قانون00 -65 للأشخاص الذين بتت في كونهم ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان؛ واقترحت أن يتم، بموجب ذلك، إدماج هؤلاء الأشخاص، في المرحلة الأولى، تبعا للبند الثاني من هذا القانون، كذوي معاشات تقوم الدولة بتسديد النفقات اللازمة عنهم إلى الجهات المعنية بالتغطية.وأضافت أنه يمكن للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، في مرحلة ثانية، أن يساهم في إعداد مشروع تعديل في هذا الشأن باتفاق مع الأطراف المعنية، يتم بموجبه استيعاب هذه الفئة في إطار هذا القانون بشكل واضح.
أوصت هيئة الإنصاف والمصالحة في تقريرها النهائي بضرورة إعادة تأهيل السياسة والتشريع الجنائيين وتأهيل العدالة وتقوية استقلاليتها.
ففي ما يخص إعادة تأهيل السياسة والتشريع الجنائيين، دعت إلى تفعيل نتائج الحوار الوطني المجرى بمناسبة الندوة حول السياسة الجنائية بالمغرب المنعقدة بمكناس في دجنبر2004 اعتبارا لكون خلاصاتها وتوصياتها تعتبر أرضية جيدة لبلورة مداخل إصلاحية حول موضوع السياسة الجنائية للبلاد، وبصفة خاصة ما يتعلق بمستوى الاعتقال والعقوبات السالبة للحرية وبدائلها، وبدائل الدعوى العمومية وضمانات حماية الضحايا ومساعدتهم وحماية الفئات الأكثر هشاشة؛ وآليات العدالة الجنائية.
وأوصت بتعزيز المراجعة الأخيرة لقانون المسطرة الجنائية بمقتضيات إضافية وأخرى تكميلية، فيما يخص تكريس احترام حقوق الإنسان، والتوجه نحو عدالة تحقيقية بدل عدالة اتهامية؛ وتصحيح أوجه الاختلالات التي أفرزتها الممارسة واعترضت سبيل المهنيين.
كما أوصت بتعزيز المراجعة الأخيرة للقانون الجنائي، بإدراج تعريف واضح ودقيق للعنف ضد النساء، يعتمد المعايير الدولية في المجال، والتنصيص على تشديد العقوبات في حالة تعرض النساء للعنف بمختلف أشكاله، بما في ذلك الاغتصاب من طرف موظفي الأجهزة المكلفة بتنفيذ القوانين، وتوسيع مجال تجريم التحرش الجنسي ليشمل مختلف الفضاءات (بدل حصره في فضاء العمل كما جاء في التعديلات الأخيرة)، والأخذ بإلزامية وضع النساء أثناء الحراسة النظرية تحت مسؤولية نساء.
ودعت إلى إعمال التوصيات الصادرة عن المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في تقريره حول الوضع داخل المؤسسات السجنية، وذلك في ما يتعلق بتوسيع صلاحيات قاضي تطبيق العقوبات، وتفعيل نظام الإفراج المقيد والمراقبة القضائية وإعداد مقتضيات تخص نظام العفو من حيث مسطرته ومعاييره.
وفي مجال تأهيل العدالة وتقوية استقلاليتها، دعت بالإضافة إلى ما ورد في شأن تقوية السلطة القضائية دستوريا إلى فصل وظيفة وزير العدل عن المجلس الأعلى للقضاء؛ وجعل المجلس الأعلى للقضاء بمقر المجلس الأعلى بالرباط؛ ومتابعة تسريع وتيرة إصلاح القضاء والنهوض بمستواه؛ ومواصلة تحديث المحاكم؛ وتحفيز القضاة وأعوان العدالة، وتكوينهم الأساسي والمستمر والتقييم المنتظم لأدائهم؛ ومواصلة مشاريع تنظيم مختلف المهن القضائية وجعلها قادرة على الضبط الذاتي لشؤونها من حيث الحقوق والواجبات والأخلاقيات.
كما دعت إلى مراجعة تنظيم واختصاصات وزارة العدل بشكل يمكن يحول دون أي تدخل أو تأثير للجهاز الإداري في مجرى العدالة وسير المحاكمات؛ وتجريم تدخل السلطة الإدارية في مجرى العدالة؛ وتشديد العقوبات الجنائية في حق كل إخلال أو مساس بحرمة القضاء واستقلاله.
وطالبت الهيئة كذلك بإعمال التوصيات الصادرة عن المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الواردة في تقريره الخاص حول الوضع في المؤسسات السجنية الصادر سنة2004 لإصلاح الأوضاع فيها؛ وقيام وزارة العدل بإطلاع المجلس المذكور بانتظام على سير ذلك التفعيل وعلى الصعوبات التي اعترضتها وأسبابها؛ وإحداث مجلس إداري مصغر، يتكون من قضاة ومربين ومختصين في المجال يتولى إبداء الرأي في التسيير المالي والتنظيمي والأمني وتدبير الموارد البشرية واختيار مدراء السجون وتعيينهم في الأماكن المناسبة وتقييم سير المرفق.
وفي مجال توطيد احترام حقوق ومصالح الجاليات المغربية بالخارج نوهت الهيئة بالأمر الملكي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس الموجه للحكومة، والقاضي بضمان مشاركة تامة وشاملة للمهاجرين المغاربة في الاستحقاقات الوطنية القادمة؛ وبإنشاء مجلس أعلى للمغاربة القاطنين بالخارج.
واعتبرت أن وضع خطة سياسية تحترم حقوق ومصالح الجاليات المغربية في الخارج، يستلزم التشاور والتنسيق بين المجلس المرتقب تأسيسه ومجموعة الجمعيات والفاعلين ضمنها من جهة، والحكومة من جهة أخرى.
كما أوصت الهيئة بإحداث متحف وطني للهجرة، يحفظ ذاكرة المهاجرين ومساهمتهم في التاريخ مطالبة في انتظار ذلك، بتجميد نشاط الوداديات، التي كان لها بشكل أو بآخر دور في انتهاك حقوق المهاجرين، في كل مؤسسة عمومية أو شبه عمومية؛ ودعت اللجنة المكلفة بتتبع عمليات التعويض بالسهر على تسوية مشاكل المواطنين المغتربين بالخارج والذين لم يلتحقوا بعد بأرض الوطن، وذلك بحل المشاكل الإدارية التي تعترض سبيلهم بشكل خاص.

* أستاذ العلوم السياسية