الرئيسية / ثقافة ومعرفة / البرنامج النووي الإيراني.. والتوازن العسكري الاستراتيجي في الخليج والعالم العربي
irannukes-e1442918501652

البرنامج النووي الإيراني.. والتوازن العسكري الاستراتيجي في الخليج والعالم العربي

الشائع، حتى الآن، أن الاتفاق النووي الذي جرى التوقيع عليه في فيينا بين إيران و”مجموعة دول 5+1″ يوم 14 يوليو/ تموز 2015 وصدر به قرار من مجلس الأمن الدولي يوم 20 من الشهر ذاته حمل رقم 2231 وجرت الموافقة عليه بالإجماع، أنه “الطريقة المثلى لمنع إيران من امتلاك الأسلحة النووية” على حد قول الرئيس الأمريكي باراك أوباما في جولته بالقارة الإفريقية، أو أنه سوف “يقطع الطريق، ليس فقط أمام تخصيب اليورانيوم (في إيران) بل وأيضاً أمام تخصيب البلوتونيوم “على حد تأكيد جون برينان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) في دفاعه يوم 8/4/2015 عن اتفاق الإطار حول الملف النووي الإيراني الذي كان قد تم التوصل إليه بين إيران و”مجموعة دول 5+1″ في لوزان يوم 2 أبريل/ نيسان 2015 والذي يعد أساس اتفاق فيينا، لكن هناك وجهات نظر أخرى ترى غير ذلك، وهناك من قدموا آراء نقدية متطرفة على غرار ما يسوقه بنيامين نتنياهو الذي يكافح مع اللوبي الصهيوني الأمريكي داخل الكونجرس لإعاقة تمرير الاتفاق وعلى غرار ما جاء على لسان مايك هاكابي الذي يأمل أن يرشحه الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية المقبلة الذي وصف الاتفاق، وعيونه مركزة على الصوت اليهودي السخي في هذه الانتخابات، بأنه “يسوق الإسرائيليين إلى أبواب أفران الغاز”.
ما هي الحقيقة في هذا كله، وما هي فرص إيران في تحويل برنامجها النووي سواء في ظل هذا الاتفاق أو بالخروج عليه وإفشاله، أو حتى بعد انقضاء مدته إلى برنامج نووي عسكري، وإذا حدث ذلك كيف سيؤثر هذا التطور على التوازن العسكري الاستراتيجي في الخليج والعالم العربي، وما هي خيارات الدول العربية وخاصة مصر ودول مجلس التعاون الخليجي في التعامل مع مثل هذا التطور.

الاتفاق النووي واحتمالات عسكرته

تضمنت موافقة مجلس الأمن الدولي يوم 20/7/2015 على الاتفاق النووي مع إيران بموجب القرار رقم 2231 تكليف المجلس للوكالة الدولية للطاقة الذرية “القيام بعمليات التحقيق والمرافقة الضرورية للالتزامات النووية التي اتخذتها إيران” مثل الحد من عدد أجهزة الطرد المركزي أو خفض مخزونها من المواد الانشطارية. وعند تلقي المجلس تقريراً من الوكالة الدولية للطاقة الذرية يؤكد التثبت من أن البرنامج النووي الإيراني بات سلمياً بالكامل، عندها “يتم إلغاء القرارات السبعة التي اتخذتها الأمم المتحدة منذ عام 2006 لفرض عقوبات على إيران، وهي القرارات التي تقضي بحظر بيع إيران معدات أو خدمات على ارتباط بالأنشطة النووية الإيرانية، وتجميد أموال شخصيات وشركات إيرانية وفرض حظر على الأسلحة التقليدية والصواريخ البالستية. غير أن إجرائي الحظر سيبقيان ساريين لمدة خمس سنوات بالنسبة إلى المعدات والخدمات المرتبطة بالأنشطة النووية ولمدة ثمان سنوات بالنسبة للأسلحة والصواريخ.
وفي حال مخالفة إيران أياً من التزاماتها، فسيكون بوسع مجلس الأمن الدولي عندها إعادة فرض كامل العقوبات بشكل شبه تلقائي في آلية تعرف بـ “العودة إلى الوضع السابق”، وسيكون هذا التهديد بالعودة إلى فرض عقوبات سيفا مسلطا على رقبة إيران طوال مدة الاتفاق، أي عشر سنوات، غير أن الدول الكبرى أعلنت عند صدور القرار رقم 2231 نيتها تمديد هذه الآلية لخمس سنوات أخرى إضافية.
هذه القيود التي تتحكم في مواصلة المجتمع الدولي تسليط سيف العقوبات الاقتصادية والعسكرية ضد إيران لا تعني أن إيران سوف تلتزم بالضرورة بما تعهدت الالتزام به في الاتفاق أوأنها لن تسعى إلى توظيف الثغرات الموجودة بالاتفاق للانقلاب الفعلي عليه باتجاه عسكرة برنامجها النووي، لكن هناك أكثر من احتمال لفشل الاتفاق إضافة إلى ذلك، هناك احتمال إفشال الاتفاق داخل الكونجرس، وهناك احتمال إفشاله من جانب قوى الضغط داخل إيران وبالذات من جانب الحرس الثوري والقيادات العسكرية وعلى الأخص من باب الإصرار على مواصلة إنتاج الصواريخ البالستية المتطورة ومواصلة إجراء المناورات بهذه الصواريخ، الأمر الذي قد يستفز الإدارة الأمريكية الجديدة (إدارة ما بعد أوباما) أو الكونجرس، خصوصاً في ظل وجود قناعة لدى قيادات داخل الكونجرس بوجود ثغرة في التقييم الاستخباراتي للاتفاق النووي الذي تم عرضه على الكونجرس، ووصف هذا التقييم بأنه أخفق في تفحص نيات النظام الإيراني حيال دقة الالتزام بالاتفاق.
تقرير الاستخبارات الذي أوصلته الإدارة الأمريكية إلى الكونجرس نص على “إمكانية التحقق من التزام إيران بالاتفاق “لكن هناك مسؤولون بالاستخبارات الأمريكية وأعضاء بالكونجرس ممن راجعوا الوثيقة التي أوصلتها الإدارة إلى الكونجرس وحملت اسم “الملحق السري” يرون أن الأحكام الصادرة عن مجموعة التقييم لهذه الوثيقة اعتمدت على فرضية التزام طهران بإجراءات مراقبة وشفافية صارمة على امتداد فترة سريان الاتفاق التي تمتد إلى ما يقرب من 15 عاماً، دون النظر في أية احتمالات سوف تترتب على حدوث تغييرات في القيادة الإيرانية أو الطبقة الحاكمة خلال تلك الفترة ولا على ما قد يحدث داخل تفاعلات البيئة الإقليمية المجاورة لإيران أو على مصادر تهديد الأمن الإيراني وغيرها من التطورات المحتملة التي قد تؤثر سلباً على جدية الالتزام الإيراني بالاتفاق.
إضافة إلى ذلك هناك ما هو أخطر وبالتحديد ما يتعلق بوجود اتفاقيات سرية غير معلنة طرفيها هما: الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيران فقط تشتمل على كل التفاصيل الخاصة بتنفيذ الاتفاق من جانب إيران ومراقبته من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي تفاصيل غير معلومة من جانب الإدارة الأمريكية الأمر الذي يضاعف من مخاوف احتمالات تنصل إيران من التزامها بعدم السير قدماً في إنتاج القنبلة الذرية.
مثل هذه المخاوف من توقعات عسكرة البرنامج النووي الإيراني قد تبقى مجرد احتمالات وقد تتحول إلى حقيقة لكن إذا افترضنا التزام إيران الحرفي بالاتفاق هل هذا يعني أن مخاوف الدول العربية وبالذات الدول الخليجية قد تبددت؟ السؤال مهم في ظل مجموعة من الاعتبارات: أول هذه الاعتبارات أن إيران فعلت كل ما فعلت من تدخلات واعتداءات ضد دول عربية ومارست كل ما مارسته من استعلاء وادعاءات إمبراطورية دون أن تكون دولة نووية، ما يعني أن مخاوف العسكرة ليست مقصورة فقط على عسكرة البرنامج النووي الإيراني بقدر ما هي عسكرة العقل الاستراتيجي الإيراني والمشروع السياسي الإيراني وتغوله في النظام العربي وتطلعه إلى فرض نظام إقليمي جديد تحدث عنه محمد جواد ظريف في مقاله المنشور باللغة الإنجليزية في صحيفة نيويورك تايمز وأعيد نشره باللغة العربية في صحيفة السفير “اللبنانية” وصحف عربية أخرى. الفكرة المحورية في مشروع ظريف هي إنشاء “مجمع للحوار الإقليمي” يؤسس على مرحلتين، الأولى وكما ورد في النص المنشور في صحيفة نيويورك تايمز يتحدث عن المجمع باعتباره “منتدىجماعيا لمنطقة الخليج الفارسي الموسع”، أما في النص العربي فيكتفى بالقول “تأسيس المجمع في منطقتنا”، أما المرحلة الثانية فتمديده ليشمل جميع الدول الإسلامية في الشرق الأوسط. ما يعني أن إيران تريد أن تفرض نظاماً فرعياً يحمل اسم “النظام الإقليمي للخليج الفارسي الموسع” يكون نواة نظام شرق أوسطي إسلامي مؤسس على المشروع السياسي الإيراني، ما يؤكد جدية نوايا السيطرة الإيرانية.
ثاني هذه الاعتبارات ذلك الحماس الأمريكي، بل كل هذهالاستماتة من جانب الرئيس الأمريكي باراك أوباما وإدارته للاتفاق النووي الموقع مع إيران، والانحياز الواضح لما يراه الرئيس أوباما من ضرورة تحقيق إطار جديد من “وفاق القوى” بين إيران وجيرانها في الخليج يؤسس على أساس من التعاون وتوازن المصالح وليس على أساس الصراع، جاء ذلك على لسان الرئيس أوباما في تصريحاته عقب اجتماعاته مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي في واشنطن وكامب ديفيد، وجاء أيضاً عقب التوقيع الأمريكي على الاتفاق النووي مع إيران، وعلى لسان وزير الخارجية الأمريكية جون كيري في اجتماعاته بوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في الدوحة (3/8/2015).
ففي لقائه المهم مع الكاتب الأمريكي توماس فريدمان صبيحة التوقيع علىالاتفاق (15/7/2015) ألمح إلى أنه اتصل بنتنياهو قبل المقابلة ولم يحاول تلطيف الأجواء، كما ألمح إلى أن إدارته “تنظر في تحقيق تحسينات مهمة تجاه حلفائها في إسرائيل والخليج”. لكنه قال: “لا أظن أنه من المناسب مناقشة تفاصيل أي اتفاق أمني (مع الحليفين)، أو العمل الذي يمكن أن نقوم به”. وفي تعليقه على الرفض الإسرائيلي للاتفاق النووي مع إيران قال إن “نتنياهو يعتقد أنه يمكن أن يزيد التأثير على الجدل الدائر في الكونجرس وأنا على ثقة بأننا قادرون على دعم هذه الصفقة وتنفيذها دون أن يمنعها الكونجرس”،ولكنه أضاف “بعد أن يتم ذلك، إذا كان هذا مايراه مناسباً، سنتناقش كعهدنا دوماً، ثم تطرح بعض الأسئلة العملية جداً: كيف يمكننا منع حزب الله من الحصول على أسلحة أكثر تطوراً؟ كيف نبني على نجاح القبة الحديدية (شبكة الصواريخ الأمريكية المضادة للصواريخ التي جرى نشرها داخل الكيان الصهيوني لإسقاط أي صواريخ مضادة) التي عملت الولايات المتحدة مع إسرائيل على تطويرها، والتي أنقذت أرواحاً إسرائيلية؟”.
واضح من أقوال أوباما في هذا الحديث أنه مستعد لعمل أي شيء ، مقابل تمرير الاتفاق، مايعني أنه أكثر من صفقة، وهذا ما اتضح في مؤتمره الصحفي الذي تميز بقدر أكبر من الوضوح عندما قال: “إن لإيران دوراً في إنهاء الحرب الدامية في سوريا” معتبراً أنه “لا يوجد حل عسكري” لهذه الحرب، وقال: بصراحة “اعتقد أنه من المهم أن يكونوا (الإيرانيون) جزءاً من هذا الحل” وهذا قول يختلف تماماً مع الموقف الأمريكي السابق وبالتحديد قبيل انعقاد “مؤتمر جنيف-1″ الخاص بسوريا عام 2012 حيث رفض الأمريكيون، كما رفض الخليجيون وكذلك المعارضة السورية الموالية أي حضور لإيران باعتبارها “جزءاً من الصراع فكيف تكون طرفًا في الحل”، ولمزيد من توضيح الرؤية قال ضمن سياق ضرورة المشاركة الإيرانية في الحل السياسي للأزمة السورية أن “المشكلة في سوريا لنتحل من دون مشاركة الروس والأتراك والشركاء الخليجيين”.
ثالث هذه الاعتبارات ما يتردد عن وجود اتفاق سياسي أمريكي – إيراني في قلب الاتفاق النووي الذي جرى التوقيع عليه في فيينا (14/7/2015)، وهي قناعات مستمدة من اجتهادات لخبراء بالحزب الديمقراطي الحاكم في الولايات المتحدة مفاد هذا الاتفاق أن إدارة الرئيس باراك أوباما قد ذهبت مع طهران إلى ما هو أبعد من التفاوض التقني على ضبط المشروع النووي الإيراني، وأن اتفاقاً سياسياً على إعادة تشكيل النظام الإقليمي في المشرق العربي والخليجي اعترف بالمصالح الإيرانية منها قد وضع في طيات الاتفاق. وهو في نظر محللي الحزب الديمقراطي قد يكون أهم من الاتفاق النووي في ذاته لأنه يضمن عودة طهران كلاعب إقليمي “مكتمل الحقوق والواجبات” تحت الرعاية الأمريكية، ولعل هذا مادفع الأتراك ورئيسهم رجب طيب أردوغان لاستباق الأحداث والتراجع عن موقفه الرافض للمشاركة في الحرب ضد “داعش” في سوريا والعراق بهدف الحصول على جزء من “الكعكة السورية” مقابل السماح لواشنطن باستخدام قاعدة إنجرليك.
أما الاعتبار الرابع فيتعلق بكل تلك الغطرسة الإيرانية لمواصلة الإصرار على تطوير برنامج إنتاج الصواريخ البالستية، حيث أعرب الجنرال حسن فيروز أبادي رئيس هيأة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية أنه “قلق من احتمال تأثير القرار 2231 على التقدم في البنية الدفاعية ونخشى تفاسير خاطئة من القيادة الأمريكية” وأوصى فيروز أبادي البرلمان الإيراني بعدم التصويت على الاتفاق النووي “حتى لا يتحول إلى التزام رسمي” لبلاده، وأضاف أن “الالتزامات المذكورة في نص الاتفاق النووي جوهرها حقوقي، لكن وفق نص الاتفاق: إذا تخلى أي من الطرفين عن التزاماته من دون إجراءات قانونية ودولية، يمكن العودة إلى مواقف وأوضاع ما قبل الاتفاق”.
إضافة إلى ذلك هناك رأي عام برلماني وشعبي خاصة في حوزات “قم” يطالب برفض الاتفاق النووي ويطالب باستئناف المناورات الصاروخية واختبار صواريخ جديدة رداً على التهديدات الأمريكية، هناك أيضاً تلك التصريحات الخطيرة التي وردت على لسان عباس عراقجي كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين في اجتماع سري له مع مدراء ورؤساء التحرير في مؤسسة الإذاعة والتليفزيون الحكومية في الأول من أغسطس/ آب 2015، وهي التصريحات التي اعترف فيها أنه قد تم تقديم “معلومات غير صحيحة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأن النظام الإيراني: ليست لديه النية لتنفيذ كل بنود الاتفاق النووي”. هذه التصريحات التي فجرت أزمة بين وزارة الخارجية الإيرانية ووسائل الإعلام الإيرانية والتي جرى حذفها فيما بعد تكشف عن نوايا إيرانية خطيرة بالنسبة لمستقبل التزامات إيران بالاتفاق النووي.
هذه الاعتبارات الأربعة إلى جانب ممارسات إيران العدائية في العديد من الدول العربية وتجديد الخطاب السياسي الإيراني حول “المشروع الإمبراطوري الإيراني” يؤكد أن النظام العربي كله في خطر وفي القلب منه النظام الفرعي الخليجي أي مجلس التعاون الخليجي في ظل هذا التطور الإيراني وفي ظل اختلالات التوازن في البيئة الإقليمية الشرق أوسطية وصراعات السيطرة والهيمنة التي تمارس على الأرض العربية بين القوى الإقليمية الكبرى الثلاث: إسرائيل وإيران وتركيا حيث تسعى إسرائيل إلى فرض نفسها قوة إقليمية مهيمنة، وحيث ترفض إيران ذلك وتسعى إلى فرض نفسها قوة إقليمية بديلة، في الوقت الذي تتأرجح فيه المساعي التركية بين السعي إلى الهيمنة وبين الاكتفاء بدور القوة الإقليمية الموازن بين إيران وإسرائيل المتصارعتين على الهيمنة الإقليمية.
بالاتفاق النووي الإيراني نستطيع أن نقول أننا أمام أحد احتمالين، أولهما: ظهور نظام إقليمي ثنائي القطبية النووية في حال نجاح إيران في امتلاك السلاح النووي، وثانيهما، تفاقم صراعات الهيمنة الإقليمية بين إسرائيل النووية الساعية للتحالف مع ما تسميه بـ “محور عربي سني” على قاعدة العداء لإيران باعتبارها قوة داعمة للإرهاب، وبين إيران ذات القدرات العسكرية المتفوقة ومشروعها الإقليمي للتوسع في النفوذ داخل الوطن العربي وتركيا ذات الأدوار والاهتمامات المزدوجة بين مشروعها “العثماني الجديد” من ناحية وحرصها على أن تلعب بكل الأوراق الإقليمية: العرب وإيران وإسرائيل في وقت واحد.
بهذا المعنى نستطيع أن نقول أن الدول العربية، إذا ما استمرت الأوضاع على ما هي عليه فإنها ستبقى مجرد أطراف في نظام إقليمي يسيطر على مركزه تلك القوى الإقليمية الثلاث بما يعنيه ذلك من احتمالات توسع مشروعات الاختراق وتوسيع النفوذ لهذه القوى، واحتمالات فرض مخططات إعادة التقسيم، إضافة إلى خطر تذويب النظام العربي داخل النظام الشرق أوسطي بما يتضمنه ذلك من تفكيك للهوية القومية والحضارية العربية لهذا النظام، ناهيك عن التفريط في قضيته المركزية الفلسطينية لصالح تحالفات فاسدة قد تفرض عليه أو قد تكون من اختياراته.
المعنى المباشر لكل ذلك هو أن النظام العربي (مصر ودول الخليج على وجه التحديد) معرض لحزمة من التهديدات المكثفة: تهديدات نووية وعسكرية، وتهديدات تتعلق بالهوية وأخرى ذات علاقة مباشرة بمستقبل النظام العربي في ظل التشكك في جدية التزامات الحليف الأمريكي من ناحية وفي ظل كل هذا الخلل في التوازن الاستراتيجي ليس فقط مع إيران ولكن مع إسرائيل وتركيا أيضاً.
هذا يعني أن أي تفكير استراتيجي عربي رشيد مطالب بأن يأخذ في اعتباره كل مصادر التهديد وكل احتمالات تطور مصادر هذا التهديد، ولعل هذا ما يزيد من تعقيد فرض بناء البدائل وخرائط التحالفات الممكنة نظراً لوجود اختلاف حقيقي في إدراك التهديد الأولى بالاعتبار بسبب تزامن تصاعد التهديد الإيراني مع تصاعد الخطر الإرهابي.
فالسعودية على وجه الخصوص من بين كل دول الخليج ربما مع الإمارات والبحرين تتعامل مع إيران كمصدر أساسي للتهديد أو كمصدر أولى بالمواجهة. الأمر لا ينطبق على سلطنة عمان والكويت، وربما بدرجة ما على قطر. فسلطنة عمان والكويت لا تتعاملان مع إيران كعدو أولى بالمواجهة على نحو ما تتعامل المملكة العربية السعودية، هذا يعني غياب التوحد الخليجي في إدراك أولوية مصادر التهديد. في ذات الوقت ترى مصر أن الإرهاب هو المصدر الأساسي للتهديد، ومن هنا تزداد صعوبة التوافق على استراتيجية مشتركة للتعامل مع المخاطر المتولدة من احتمالات امتلاك إيران للقنبلة النووية.
في ذات الوقت تعتبر مصر إيران شريكاً ضرورياً في معركتها من أجل جعل إقليم الشرق الأوسط خالياً من الأسلحة النووية والسعي لفرض توقيع إسرائيل على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. مصر تدرك أن إيران، بعد أن حصلت على الاتفاق النووي الذي اعترف بها دولة نووية سلمية ستكون صاحبة مصلحة في مد اليد إلى المسعى المصري لفتح ملف السلاح النووي الإسرائيلي وهو الأمر الذي لا يحظى بأولوية عند الدول الخليجية، لكن مصر تدرك أيضاً خطر سياسة التوسع الإيرانية، وخطر احتمال تحول إيران إلى دولة تملك برنامجاً نووياً عسكرياً، أو تسعى، على الأقل، لأن تكون دولة حافة نووية إذا صدقت التعهدات الإيرانية بعدم السعي لامتلاك السلاح النووي تحت أي ظرف من الظروف لاعتبارات دينية، لذلك فإن فرص التنسيق المصري السعودي أولاً، والخليجي ثانياً تبدو مواتية لمواجهة المخاطر الإيرانية ولكن ضمن منظور استراتيجي أشمل يتضمن حزمة من المشروعات:
– مشروع سياسي لإعادة إحياء النظام العربي على أسس تتفق مع تطلعات الشعوب العربية.
– مشروع لحل الأزمات السياسية العربية خاصة الأزمات في سوريا واليمن وليبيا.
– مشروع تأسيس القوة العسكرية العربية المشتركة لتكون نقطة ارتكاز في إعادة بناء نظرية جديدة للأمن القومي العربي، مع ضبط استمرار التعويل الخليجي على “الموازن الخارجي” والأمريكي على وجه الخصوص.
– مشروع بناء قدرات نووية عربية تجعل من الدول العربية دولاً نووية سلمية أو “دولاً حافة نووية” باتفاق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
– مشروع بناء صناعة عسكرية عربية متطورة تحد من اعتماد الأمن العربي على الدعم الخارجي وتحقيق درجة عالية من التكامل الاقتصادي.
– مشروع جعل الشرق الأوسط إقليماً خالياً من الأسلحة النووية شرط أن يتضمن إشراك الدول العربية في مراقبة القدرات النووية الإسرائيلية والإيرانية.
وقبل هذا أو ذاك خطة مشتركة للقضاء على الإرهاب التكفيري والتصدي للمشروعات الأجنبية لإعادة تقسيم الدول العربية على أسس طائفية وعرقية، مع مواجهة خطر الحرب المذهبية-الطائفية باعتبارها مشروع الفتنة الحقيقية لتدمير النظام العربي وهويته القومية الحضارية.
ضمن هذه الأجندة يمكن التعويل على إمكانية عودة العرب (مصر والخليج) كطرف رابع في قلب أو محور نظام شرق أوسطي متوازن بدلاً من مخاطر الوقوع تحت ضغوط نظام إقليمي قائم على معادلة “مثلث صراعات الهيمنة” تستأثر به القوى الإقليمية الكبرى الثلاث: إسرائيل وإيران وتركيا.

مجلة “آراء حول الخليج”