حرائق الغابات بالجزائر

حرائق الجزائر السنوية.. “سوخوي” أهم من”كنداير”!!

بقلم: هيثم شلبي

منذ منتصف يوليوز 2026، يتكرر المشهد ذاته في الجزائر: حرائق تلتهم الغابات من بجاية وتيزي وزو شرقا إلى تلمسان وسعيدة غربا، مرورا بسطيف وقالمة وسوق أهراس وميلة والمدية والبويرة، وصولا إلى الجلفة جنوبا. بلغ عدد الحرائق منذ فاتح ماي حتى العشرين من يوليوز 3719 حريقا، مقابل 1501 حريقا فقط خلال الفترة ذاتها من العام الماضي، أي بزيادة تقارب الضعف. في أقل من أسبوعين وحدهما، أتلفت النيران أكثر من 1666 هكتارا من الغابات والأحراش والمحاصيل، وأجلت مئات العائلات، وحصدت حتى الآن ستة أرواح، من بينهم متطوع بالحماية المدنية يبلغ تسعا وخمسين سنة، قضى نحبه في بني موحلي بولاية سطيف وهو يحاول إخماد النيران. كل هذا والصيف لم يبلغ منتصفه بعد.

لا شيء في هذا المشهد يستحق وصف “المفاجأة” أو “الطوارئ”. فمنذ وصول عبد المجيد تبون إلى الرئاسة أواخر 2019، تحول احتراق الجزائر كل صيف إلى موعد سنوي بقدر ثبات التقويم. سجل صيف 2021 أكبر حصيلة قتلى منذ عقود، بأكثر من تسعين قتيلا، من بينهم ثمانية وعشرون عسكريا على الأقل، تركزت الكارثة يومها في منطقة القبائل وولاية الطارف. عاد الرقم في 2022 إلى ما بين سبعة وثلاثين وثلاثة وأربعين قتيلا شرقي البلاد. وفي 2023 سقط أربعة وثلاثون قتيلا على الأقل في بجاية. أما 2026 فلا يزال الرقم مفتوحا على الأسوأ. وبحسب بيانات البنك الدولي، سجلت الجزائر أكثر من خمسة وسبعين ألف حريق غابات بين 1985 و2022، بمعدل سنوي يقارب خمسة وثلاثين ألف هكتار متضرر، وهو ما يجعل الظاهرة معروفة ومتوقعة منذ عقود، لا كارثة طارئة تفاجئ أحدا.

ولم تقتصر خسائر هذه الحرائق على الأرواح والغطاء الغابي، فقد التهمت النيران في تيزي وزو وحدها خلال 2021 مساحات واسعة من غابات الزيتون التي تشكل مصدر رزق أساسيا لآلاف العائلات في المنطقة، فيما تكررت الخسائر الزراعية ذاتها في المواسم اللاحقة مع كل موجة حرائق جديدة. وعاما بعد عام، تتصاعد على منصات التواصل الاجتماعي الجزائرية موجة غضب شعبي متكررة إزاء تعثر تأمين وسائل الإطفاء الجوي رغم تكرار الكارثة، مع مطالبات متجددة بمحاسبة المسؤولين عن هذا الملف، من دون أن تفضي هذه الموجات إلى أي مساءلة رسمية معلنة حتى الآن.

الغريب أن كل هذا يحدث في بلد رفع ميزانية جيشه من نحو اثني عشر مليار دولار سنة 2022 إلى اثنين وعشرين مليار دولار سنة 2023، لتبلغ رقما قياسيا يفوق خمسة وعشرين مليار دولار سنة 2025، أي قرابة ربع الإنفاق العام للدولة، وتستقر عند نحو أربعة وعشرين مليار دولار في موازنة 2026. هذا الرقم يكفي لشراء أسراب من مقاتلات “سوخوي” الروسية، لكنه لم يكف حتى الآن لاقتناء طائرة “كنداير” واحدة مخصصة لإخماد الحرائق. فشلت مفاوضات الجزائر مع الشركة الكندية المصنعة لهذه الطائرات، ثم مع روسيا نفسها لشراء طائرات “بيرييف” البرمائية بعدما تعثرت الصفقة بفعل تداعيات الحرب في أوكرانيا، ثم مع شركة إسبانية ألغيت معها صفقة مماثلة سنة 2022 دون تفسير واضح. وحين سئل الرئيس تبون علنا عن مصدر طائرات “كنداير” التي كانت بلاده تسعى لاقتنائها، خلال افتتاحه معرض الجزائر الدولي في يونيو 2022، بدا في حالة ارتباك واضح أمام الكاميرات، عاجزا عن الإجابة عن سؤال بهذه البساطة.

فشل الشراء لم يمنع اللجوء إلى الاستئجار، وهو خيار اعترف وزير الداخلية نفسه في يناير 2024 بأن كلفته تقترب من كلفة الشراء ذاته، إذ “تقترب أسعار تأجير هذه الطائرات في ظرف الحرائق من قيمة شرائها” على حد تعبيره، قبل أن تعلن الحكومة عزمها التحول أخيرا نحو الشراء استعدادا للصيف التالي، وهو ما أثبتت حرائق 2025 و 2026 زيفه. يرى مراقبون في هذا التذبذب المتكرر بين الشراء والاستئجار والفشل، إلى جانب القفزات المتتالية في ميزانية التسلح، مؤشران على أن حساب المصلحة السياسية والتجارية في صفقات السلاح الكبرى يسبق حساب حماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

في المقابل، وعلى الجهة الأخرى من الحدود، بنى المغرب، الذي لا يملك عائدات نفط أو غاز تقارن بجارته، أسطولا خاصا من طائرات “كنداير” بدأه بطائرة واحدة سنة 2011 ليصل إلى خمس طائرات سنة 2019 ثم ثماني طائرات بحلول 2024، محتلا بذلك المرتبة الرابعة عالميا خلف كندا وإيطاليا وفرنسا. وهو، بحسب بيانات الشركة الكندية المصنعة نفسها، البلد الإفريقي والعربي الوحيد الذي يملك هذا النوع من الطائرات إطلاقا، من أصل نحو اثنتي عشرة دولة فقط في العالم تملكه.

هذا التباين المالي والعسكري ترجم نفسه سياسيا في أوضح صوره صيف 2021، حين أمر الملك محمد السادس بتجهيز طائرتي “كنداير” لمساعدة الجزائر في إخماد حرائقها، رهن موافقة السلطات الجزائرية، فيما لم ترد الجزائر على العرض، بينما قبلت في الأسبوع ذاته مساعدة طائرتين فرنسيتين. ولم تكتف الخارجية الجزائرية بالرفض الصامت، بل اتهمت الرباط بالتورط في إشعال الحرائق عبر عناصر موالية لحركة “الماك” الانفصالية، دون تقديم أي دليل، قبل أن تعيد الجزائر تقييم علاقاتها بالمغرب في الأسابيع اللاحقة تمهيدا لقطعها نهائيا. والرفض ذاته تكرر هذا الشهر مع موجة حرائق 2026، ما دفع الباحث المغاربي أحمد نورالدين إلى وصف تعامل النظام الجزائري مع الأزمة بأنه أقرب إلى جريمة يرتكبها ضد شعب أعزل من رعاياه، مقارنا ذلك بسرعة استجابة الرباط لطلبات مساعدة مماثلة وصلتها من البرتغال وإسبانيا في السنوات الأخيرة.

والأكثر إثارة للجدل أن حرائق تيزي وزو ومنطقة القبائل عموما تتكرر بوتيرة لافتة منذ 2021، وهي المنطقة التي شكلت لسنوات قلب حراك 2019 والمطالب الاستقلالية الأمازيغية. زعيم حركة “الماك” فرحات مهني اتهم علنا، في 2021 ومجددا خلال حرائق هذا الصيف، المؤسسة العسكرية الجزائرية بالوقوف وراء إشعال هذه الحرائق عبر طائرات عسكرية، مستندا في اتهامه إلى ما وصفه باصطفاف غير طبيعي لنقاط اندلاع النيران في صور نشرها على حساباته. يبقى هذا اتهاما سياسيا صريحا موجها من معارض معروف بعدائه للنظام، لم تثبته أي جهة محايدة أو تحقيق مستقل حتى الآن.

في المقابل، تصر السلطات الجزائرية على أن الحرائق ناتجة عن أعمال إجرامية متعمدة، وتعتقل كل صيف تقريبا مشتبهين بتهمة الإحراق العمد، كما تحيل جزءا من المسؤولية إلى أزمة مناخية متوسطية أوسع ضربت في الأسابيع ذاتها غابات اليونان وإسبانيا وفرنسا وتونس والمغرب نفسه. وتبقى طبيعة تيزي وزوالجبلية الوعرة كثيفة الغطاء الغابي عاملا موضوعيا يعقد أي عملية إخماد جوية، أيا كانت جنسية الطائرة المستخدمة، بصرف النظر عن أي حسابات سياسية.

أخيرا، يبقى المشهد كما هو كل صيف: دخان يتصاعد فوق غابات لم تعد بحاجة إلى تفسير حتى تحترق، وجيش يملأ سماء الجزائر بطائرات تفوق سرعة الصوت لكنه يعجز عن ملاحقة نار بطيئة يعرف موعد قدومها منذ سبع سنوات. وفي كل مرة تنطفئ فيها النيران، تبقى الحقيقة الوحيدة التي لا تحترق أن أولوية “القوة الضاربة” لم تكن يوما في حماية غابة أو منزل أو روح مواطن، بل في تلميع طائرة حربية لا تحلق إلا في العروض الرسمية.

اقرأ أيضا

حرائق الغابات بالجزائر

إثر انتكاسته في قضية الصحراء المغربية.. النظام الجزائري يشغل الشعب بفتح تحقيق في الحرائـق

إثر انتكاسته في قضية الصحراء المغربية، بعد صدور قرار مجلس الأمن 2797، الذي يعتمد مقترح الحكم الذاتي تحت سيادة المملكة أساسا لحل النزاع المفتعل حول مغربية الصحراء، بدأ النظام العسكري الحاكم في الجارة الشرقية

حرائق الغابات بالجزائر

حرائق بعدة ولايات بالجزائر والنظام العسكري يعجز عن إخمادها

تتواصل، إلى غاية اليوم الجمعة، عمليات إخماد الحرائق التي نشبت، أمس الخميس، بعدة ولايات بالجارة الشرقية، بعد أن عجز النظام العسكري الجزائري، عن إخمادها، نظرا لضعف الإمكانات التي سخّرتها الحماية المدنية لدى الكابرانات.

حرائق الغابات بالجزائر

أمام عجز الكابرانات.. الحرائق تستعر في الجزائر

أعلنت المديرية العامة للحماية المدنية الجزائرية، اليوم الخميس، عن الحالة العامة لحرائق الغطاء النباتي في الجارة الشرقية، خلال 24 ساعة الأخيرة حتى الساعة الثامنة صباحا.