الجزائر بعد الصندوق.. شرعية الـ17% ونظام يتقن توزيع الأدوار لا توزيع السلطة

بقلم: هيثم شلبي

انتهت تشريعيات 2 يوليوز 2026 كما بدأت، برقم وطني واحد يخفي أكثر مما يكشف، ونتائج تؤكد على أن الجزائر لم تعقد استحقاقاً انتخابياً بقدر ما أعادت توزيع الحصص داخل الأسرة السياسية نفسها. المشاركة النهائية داخل الوطن تم رفعها قليلا إلى حدود 21.24%، بعد أن كانت 20.79% عند إغلاق الصناديق، وهو تعديل طفيف لكنه دال: حتى الرقم الأول الذي أعلنته السلطة لم يكن ثابتاً بما يكفي ليُعتمد دون مراجعة. من أصل 23.872.756 ناخباً مسجلاً داخل الوطن، لم يتوجه إلى الصناديق سوى نحو 5.07 مليون ناخب، ومن هؤلاء خرج 910.230 ناخباً بورقة ملغاة بالكامل، إلى جانب 1.095 صوتاً متنازعاً عليه. بعبارة أرقام صافية، عدد الأصوات التي بنيت عليها الشرعية السياسية النيابية للنظام هي 4.160.790 جزائري فقط، أي 17.4% من الهيئة الناخبة داخل الوطن، وهو الرقم الذي تختبئ خلفه نسبة الـ 21% المعلنة رسميا، رغم عدم القدرة على التأكد من صحة أيهما.

في المقابل، لم تنشر السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات حتى الآن أي تفصيل ولائي لهذه المشاركة، لا لولايات القبائل ولا للحواضر الكبرى ولا حتى للمناطق التي حاولت الدعاية الرسمية إبرازها كنماذج للحماس الشعبي مثل ولاية العريشة المستحدثة. هذا يمثل قطيعة لافتة مع سلوك السلطة في 2021، حين كانت تنشر تباعاً نسب المشاركة لكل ولاية بالساعة، قبل أن يصدر المجلس الدستوري كشفاً نهائياً كاملاً كشف حينها أن بجاية سجلت 0.42% وتيزي وزو 0.90% فقط.

غياب هذا التفصيل هذه المرة يمكن أن يُقرأ بطريقتين: إما أن السلطة تعلمت من “غلطة” 2021 التي سمحت لأي متابع بحساب حجم مقاطعة القبائل بنفسه من بياناتها الرسمية مباشرة، أو أن الأرقام الولائية ستصدر لاحقاً مع الإعلان النهائي عن المحكمة الدستورية بعد الفصل في الطعون. في الحالتين، التأخير نفسه رسالة، لأن الشفافية حين تكون مؤاتية للسلطة تُنشر فوراً، وحين تكون مربكة تُؤجَّل إلى حين “استكمال الإجراءات القانونية”.

أما توزيع المقاعد، فقد جاء ليؤكد أن التحالف الرئاسي لم يفقد شيئاً من قبضته. جبهة التحرير الوطني تصدرت بـ 90 مقعداً رغم خسارتها ثمانية مقاعد مقارنة بـ 2021، والتجمع الوطني الديمقراطي جاء ثانياً بـ 73 مقعداً بزيادة خمسة عشر مقعداً كاملة، وجبهة المستقبل ارتفعت من 48 إلى 59 مقعداً. هذه الكتلة الثلاثية وحدها تجمع 222 مقعداً من أصل 407، أي أكثر من عتبة الأغلبية المطلقة البالغة 204 مقعداً دون الحاجة لأي حليف إضافي، بل وزادت عن أغلبية 2021 بمقدار 18 مقعدا. وإذا أضيفت حركة البناء الوطني بمقاعدها الثمانية والثلاثين، تصل كتلة الموالاة الواسعة إلى 260 مقعداً، أي ثلثي البرلمان تقريباً. الرابح الأكبر الفعلي بين هذه المكونات ليس الأفلان الذي حافظ على الصدارة الرمزية فقط، بل الأرندي الذي حقق أعلى معدل نمو نسبي بين كل أحزاب الموالاة.

في المقابل، دفع المستقلون الثمن الأكبر لهذا العزوف القياسي. الأحرار الذين حصدوا 85 مقعداً في 2021 وشكلوا حينها أكبر كتلة منفردة تقريباً، تراجعوا إلى 32 مقعداً فقط، خسارة صافية بلغت 53 مقعداً. النظام الانتخابي القائم على القائمة المفتوحة والتصويت التفضيلي كان قد قُدّم أصلاً سنة 2021 كأداة لكسر احتكار الأحزاب لصالح تكنوقراط مستقلين، لكن حين تراجعت التعبئة العامة إلى هذا الحد، تبين أن الأحزاب المهيكلة صاحبة القواعد الثابتة، لا القوائم الحرة المشتتة عديمة الآلة الانتخابية، هي المستفيد الأول من كل صوت متبقٍ. العزوف الشعبي لا يضرب الجميع بالتساوي، بل يضرب أولاً من لا يملك شبكة تعبئة جاهزة.

التيار “الإسلامي” بدوره عاش تحولاً مزدوجاً يستحق التوقف عنده بعناية. حركة مجتمع السلم، الحزب الذي يقدّم نفسه كأبرز معارضة داخل قبة البرلمان، خسر 22 مقعداً كاملاً، من 65 إلى 43، في أكبر تراجع نسبي بين كل الكتل الكبرى. لكن حركة البناء الوطني بقيادة عبد القادر بن قرينة، الحليف الأكثر انضباطاً داخل التحالف الرئاسي منذ 2019، لم تتراجع عملياً: 39 مقعداً في 2021 مقابل 38 هذه الدورة، فارق مقعد واحد لا يرقى لأن يُوصف بالتراجع. الفارق بين مصيري الحزبين يكشف أن العقاب الشعبي لم يستهدف “اليافطة الإسلامية” بحد ذاتها، بل استهدف تحديداً الحزب الذي يدّعي معارضة أصيلة بينما يلعب تاريخياً دور صمام الأمان الذي يمنح النظام مصداقية تعددية دون أن يهدده فعلياً. أما بن قرينة، الذي لا يخفي طبيعته الاصطفافية، فقاعدته الضيقة صوّتت له كالمعتاد بصرف النظر عن المزاج الوطني العام.

استقرار مقاعد بن قرينة له تفسير أعمق من مجرد الولاء التنظيمي. حركته لا تُمنح فعلياً وزارات سيادية ولا شبكات مصالح محلية موازية لما تحظى به الأفلان أو الأرندي أو جبهة المستقبل، وهي الأحزاب الثلاثة التي نمت فعلياً هذه الدورة، بل إن السلطة تعامله بطريقة تتراوح بين الازدراء والجفاء رغم تبرعه لدعم الرئيس في أي شيء. وظيفة حركة البناء مختلفة تماماً: توفير صوت تعبوي صاخب “مغلف بمسحة دينية” في اتجاه واحد محدد، هو مهاجمة المغرب! بن قرينة اتهم المغرب علناً ببناء “مركز تجسس” بالتنسيق مع إسرائيل في وجدة، ووصف تصريحات المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف حول تقارب مغربي جزائري محتمل بـ “الانزلاق الخطير الذي يجب تصويبه”، وغيرها من عشرات التصريحات التي ليس لها علاقة لا بدين ولا بأخلاق، وهو ما يجسد نمطا ثابتا ومتكررا منذ سنوات، لا زلة لسان عابرة. ولهذا فإن استقرار مقاعده ليس مكافأة على أداء برلماني، بل ثمن الإبقاء عليه كـ “كلب حراسة” عند الباب لا داخل البيت: وظيفته أن ينبح على المغرب تحديدا متى صدر الأمر، بينما تُدار كل الملفات السيادية الحقيقية بعيداً عنه تماماً.

المعارضة اليسارية والعلمانية عاشت مصيراً مختلفاً تماماً. جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وحزب العمال، بعد مقاطعة شاملة لتشريعيات 2021، عادت هذه الدورة لتحصد مجتمعة 19 مقعداً فقط من أصل 407، أي أقل من خمسة بالمئة من البرلمان: 12 مقعداً للأفافاس، أربعة للأرسيدي، ثلاثة لحزب العمال. المقاطعة كانت تاريخياً سلاحاً مريحاً لهذه الأحزاب لأنها سمحت لها بالادعاء أن ضعفها الانتخابي اختيار مبدئي لا واقع موضوعي. حين شاركت هذه الدورة، تعرّت الحقيقة كاملة: قواعدها الشعبية تقلصت إلى حدود رمزية، والنظام، بإبقائه على قواعد لعبة تسمح بمشاركتها دون أن يخشى منافستها الفعلية، منحها بالضبط ما يكفي من الحضور لتبدو الساحة تعددية دون أن يهدد ذلك ميزان القوى.

إلى جانب هذه الكتل الكبرى، برزت فسيفساء واسعة من الفاعلين الهامشيين: خمسة أحزاب من “التيار الوطني” (صوت الشعب، الحرية والعدالة، الفجر الجديد، الكرامة، تجمع أمل الجزائر والوحدة الوطنية والتنمية) حصدت مجتمعة نحو 39 مقعداً دون أن يجمعها برنامج واحد، لتشكل خزاناً برلمانياً مرناً جاهزاً للانضمام إلى أي أغلبية تحتاج أصواتاً إضافية. وخمسة أحزاب أخرى حصلت على مقعد واحد فقط لكل منها، مؤشر إضافي على أن عتبة الخمسة بالمئة لم تمنع التشظي بقدر ما أنتجت حشداً واسعاً من الفاعلين الذين يصعب حسابهم في أي معادلة تحالف مستقرة.

في المحصلة، لم تنتج صناديق يوليوز 2026 مفاجأة سياسية واحدة، بل أكدت بالأرقام كل ما كان متوقعاً: نظام يعيد إنتاج نفسه بأدوات جديدة، معارضة “إسلامية” متشظية دفعت ثمن ادعاء دور لم تلعبه فعلياً، يسار وعلمانيون تحولوا إلى ديكور تعددي بلا وزن حقيقي، ومستقلون تبخر أغلبهم بمجرد أن انحسر المد الذي حملهم إلى القبة أول مرة، وحليف “إسلامي” مقرب بقي في مكانه بالضبط، عند الباب، جاهزاً للنباح كلما اقترب أحد من ملف الصحراء المغربية. يبقى الفارق الوحيد بين هذا البرلمان وسابقه أنه لم يعد بحاجة حتى إلى التظاهر بالغموض: الأرقام نفسها، حتى في غيابها الولائي المتعمد، كافية لتقول للجميع من يحكم فعلاً، ومن يُسمح له فقط بالجلوس في القاعة، أو النباح من خلف الباب!

اقرأ أيضا

الجزائر

انتخابات الكابرانات.. حزب “الأفافاس” يندد بالتزوير ويحمل النظام الجزائري العزوف عن التصويت

كشف الأمين الوطني الأول لحزب جبهة القوى الاشتراكية "الأفافاس"، يوسف أوشيش، في ندوة صحافية، خصصت لتقييم العملية الانتخابية في الجارة الشرقية، عن وجود تزوير، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة اتخذت أشكالا جديدة

الجزائر

فضيحة مدوية.. مطالب بفتح تحقيق حول تصويت الأموات في الانتخابات الجزائرية

رافق إعلان نتائج الانتخابات التشريعية بالجارة الشرقية، بروز نقاش حول نسبة المشاركة التي لم تتجاوز 22 بالمائة من مجموع هيئة ناخبة تتشكل من نحو 24 مليون ناخب وهو ما أثار تساؤلات حول أسباب العزوف الواسع، إلى جانب دعوات للتحقيق في مزاعم تتعلق بتجاوزات في مراكز الانتخاب بعد تسجيل تصويت أموات في بعض المكاتب.

سانشيز بالجزائر.. النظام العسكري يرتمي في أحضان مدريد

من المرتقب أن يحل رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بالجزائر يوم 20 يوليوز الجاري، في أول زيارة رسمية لقاطن قصر "لامونكلوا" إلى الجارة الشرقية منذ أكتوبر لسنة 2020.