تحاول فقرة مفاتيح المدن استحضار زوايا اجتماعية وثقافية واقتصادية مشعة، من تاريخ مدن المملكة الممتد.
وستسلط الحلقة الرابعة من فقرة مفاتيح المدن الضوء رفقة محمد زاوي الباحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، على نموذج اقتصاد مدينة الدارالبيضاء وبالخصوص ميناء أنفا.
إلبكم مقال الباحث محمد زاوي
تطور ميناء الدار البيضاء: نموذجٌ لجدلية الاقتصادي والسياسي
ليس بجديد هذا التميز الاقتصادي الذي تعرفه مدينة الدار البيضاء اليوم، إذا قارناها بغيرها من المدن المغربية.. فقد تميزت في ذلك منذ تأسيسها وتسميتها بـ”أنفا”، حيث كانت حاضرة للنشاط التجاري عبر “مينائها” في شرط الإمبراطوريات العبودية القديمة (الفينيقيون/ الرومان) (آندري آدم، تاريخ الدار البيضاء: من النشأة إلى سنة 1914، ترجمة عبد الرحيم حزل، الطبعة الأولى، 2020).. لهذا السبب، وبالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي، فقد بقيت حاضرة “أنفا” محط أطماع استعمارية على مرحلتين: مرحلة الاستعمار البضائعي التوسعي (البرتغال)، ومرحلة الاستعمار المالي الاحتكاري (فرنسا).. البرتغاليون هم من أسموها “كازا بلانكا” بعد الاستيلاء عليها، وقبل أن يعيد العلويون بناءها في القرن 18 م، وبالتالي تسميتها بـ “الدار البيضاء”.
لقد لعب ميناء “أنفا” دورا مهما في التجارة القديمة، بما هي تصريف لفائض إنتاج الإمبراطوريات العبودية وهوامشها، نظرا للموقع الذي وفره هذا الميناء لكل من الفينيقيين والرومان.. وقد حازت الدار البيضاء هذه المكانة الاقتصادية لدى مستعمريها الأقدمين لاعتبارين أساسيين هما: وجود أرض خصبة قابلة للإنتاج الزراعي، وتوفرها على موقع جيو-اقتصادي مهم في التجارة والملاحة البحريتين. وهذا ما يفسر النشاط الذي عرفته سواحلها التي لم تسلم من يد البرتغال والإسبان، إلا ليضع الاستعمار الفرنسي يده عليها فيما بعد، وفي إطار اقتصادي-سياسي مختلف كما سنرى لاحقا.
وعندما انتقل النظام الاجتماعي في المغرب من نظام عبودي إلى نظام إقطاعات، لم يتغير دور ميناء الدار البيضاء من حيث الشكل باعتباره معبرا بحريا للسلع والبضائع ومختلف المنتوجات المحلية أو المستوردة من دول أجنبية.. باستثناء تلك الفترات التي تكونت فيها فئات من “القراصنة” يستغلون الميناء في أنشطتهم. لكن، عموما حافظ الميناء على دوره كمعبر تجاري خلال القرنين 14 و15 م، خاصة إذا علمنا أن الدار البيضاء قد عرفت في هذه الفترة بخصوبة أراضيها وازدهار إنتاجها الزراعي من حبوب وكروم وثمار. (علال بنور، الدار البيضاء 1906 – 1939: الميناء والتحولات السوسيو-اقتصادية، دار الثقافة، الطبعة الأولى، 2025).
المرحلة الثالثة للميناء ستشهدها عموم مدينة الدار البيضاء، بفرض تحويل استعماري قسري للبنى الزراعية والصناعية والتجارية التقليدية، إلى بنى حديثة، أو لنقل بشكل أدق: إلى بنى رأسمالية.. في هذه المرحلة بالذات سيتحول الميناء إلى قوة من القوى الإنتاجية للرأسمال الفرنسي في المغرب.. وجدير بالإشارة إلى أن هذا التدخل الاستعماري الصريح بوضع يد الإدارة الفرنسية على ميناء الدار البيضاء، كان قد سبقه “إخضاع” آخر للميناء (منذ النصف الثاني من القرن 19 من)، وذلك بربطه مع خط بحري فرنسي ضاعف نشاطه التجاري. لا نوظف هنا مفهوم “الإخضاع” توظيفا جزافيا عشوائيا، وإنما لكون فعل الربط قد تم بعد انهزام المغرب في معركتي إيسلي وتطوان، وفي إطار تفاوت اقتصادي واضح. أما عدم استفادة المغرب من هذا الربط، ومن اتفاقيات اقتصادية كثيرة فرُضت عليه آنذاك، فقد أكده اضطرار السلطان إلى طلب الحماية.
كان ميناء الدار البيضاء جزءا من الاستراتيجية الاقتصادية الاستعمارية للرأسمال الفرنسي، ومن تجليات ذلك أن الفرنسيين شرعوا في إدخال إصلاحات عليه منذ 1907 (خمس سنوات قبل الحماية).. اعتبروه بمثابة بوابة للسيطرة على باقي موانئ الأطلسي، طنجة والرباط والصويرة وأكادير (مارية دادي، احتلال مدينتي وجدة والدار البيضاء سنة 1907: دراسة مقارنة، أعمال حلقة الدار البيضاء في مئة سنة: 1907-2007، 2010، ص 24).. ويرتكز الاستعمار على الموانئ باعتبارها بوابات للتجارة والسيطرة، كذا للتحكم في المعابر البحرية وتحويلها إلى مصادر مدرة للربح.. إذن، هي سياسة ذات أولوية ضمن سياسة أكبر، السيطرة على ميناء البيضاء، تمهيدا للسيطرة على باقي الموانئ من جهة، واستعدادا للسيطرة على باقي المقدرات الإنتاجية المغربية (علال بنور، مرجع سابق).
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير