النظام الجزائري

النظام الجزائري وسياسات إجهاض النخب وتهديد الكفاءات

عمت ساحات الجزائر العاصمة هذا الأسبوع اعتصامات أُجبر الأساتذة والمدرسون بالمئات على تنفيذها بسبب إبقائهم لسنوات مجرد متعاقدين يمكن التخلص منهم في أي لحظة، علما أن هذه الشريحة التي تعتبر ركنا أساسيا مهما في البنية الكلية للدولة الجزائرية قد طالب ممثلوها وزارة التربية والتعليم مرارا، وبالطرق السلمية، بأن تسوي الأوضاع الإدارية وتدمج هؤلاء المتعاقدين في سلك التدريس بشكل رسمي، ولكن لا أحد استجاب لمطالبهم الشرعية.
ومما يؤسف له أن هذه الإطارات المعتصمة قد تعرضت للزجر وتم تفريق أفرادها بعصي البوليس، في الوقت الذي حاول فيه وزير الداخلية الجزائري، نور الدين بدوي، تغطية ما حدث بقوله لوسائل الإعلام الرسمية أو الموالية للنظام بأن هذا الفعل لم يحصل.
بعد فض هذا الاعتصام السلمي بالقوة في ثلاثة أيام خرج إلى الشوارع المئات من المدرسين المتقاعدين المهددين بإخلاء المساكن الوظيفية التي يقيمون فيها على مدى ثلاثين سنة، وتظاهروا أمام الرأي العام الجزائري من أجل وقف تهديد إدارة النظام الحاكم بإخراجهم منها بالقوة ورميهم ومعهم أسرهم في العراء.
ورغم أن هذا المشكل الاجتماعي قد طرح منذ سنوات على الادارة الجزائرية ولكن المسؤولين في أجهزة السلطة لم يقدموا أي حل إيجابي وموضوعي كأن ينقل هؤلاء وأسرهم إلى مساكن غير وظيفية بأسلوب حضاري يحفظ لهم الكرامة وحقهم في الأمن الاجتماعي.
إن هذه الفوضى التي تتسبب فيها السلطات الجزائرية في سلك التربية والتعليم، الذي يعتبر عصب الدولة، هي غيض من فيض في المجتمع الجزائري الذي تعصف بـه الأزمات المتتالية حيث أنه لا يوجد قطاع عمومي في كامل البلاد من دون مشاكل متراكمة ومزمنة لم تجد العلاج السليم منذ وصول الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة إلى سدة الحكم إلى يومنا هذا.
وفي الحقيقة فإن النظام الجزائري كان ولا يزال، وعلى مدى سنوات طويلة، يمعن في تهميش الشرائح المثقفة وأصحاب الخبرات في شتى المجالات المهنية بالجملة ماديا وأدبيا حتى أصبح الأستاذ والإعلامي والأديب والمفكر والمهندس والتقني والطبيب وغيرهم من الإطارات والكفاءات الوطنية في أسفل درجات السلم الاجتماعي.
إن هذه الوضعية المزرية المفروضة من طرف السلطات الجزائرية هي السبب الفعلي الذي أفرز ولا يزال يفرز ظاهرة هجرات الآلاف من الكفاءات إلى الخارج بلا رجعة، الأمر الذي يحرم الجزائر من كفاءتهم ويفتح المجال للرداءة في جميع المؤسسات الوطنية التابعة للقطاع العـام.
إن أساليب السلطات الجزائرية التي تمارس بطرق مختلفة ضد الإطارات المثقفة والمهنية، والتي تتمثل في المرتبات المنخفضة جدا وتكريس العمل بالتعاقد المؤقت الذي يحرم أصحابه من الترقية ومواصلة حق التكوين المتواصل، والطرد التعسفي وتدجين النقابات المدنية وإسناد المناصب الحساسة لغير أهلها، تلعب جميعا دورا سلبيا في تغييب أي مناخ صحي ماديا وأدبيا لازدهار الكفاءات والإطارات، وجراء هذا الوضع المزري فشلت الجزائر في بناء صرح التنمية الوطنية الحديثة والمتطورة.

إقرأ أيضا: هكذا يؤهل الغرب النظام الجزائري دائما

من المفترض أن الشرائح المثقفة والعالمة هي التي تفكر وتخطط للمشاريع الكبرى في المجالات التي تمثل عصب التنمية بكل أنواعها وفروعها، وأن الكفاءات ذات الخبرات في مختلف التخصصات العلمية والفكرية والمهنية هي التي تتكفل في الميدان بتنفيذ مشاريع التنمية، ولكن الوضع في الجزائر مقلوب، حيث نجد السياسيين والبيروقراطيين قد تخلوا عن مهام الإشراف السياسي على مشاريع الدولة، وحلوا محل النخب المثقفة والمهنية وبذلك اختلط الحابل بالنـابل، وتم طمـس مفهـوم ودور هذه النخب.
إن من يدرس أوضاع الجزائر العميقة يكتشف أن تخلفها يعود إلى الكثير من العوامل وفي صدارتها عدم القطع الحاسم مع الذهنية الموروثة عن فترة الاستعمار الفرنسي، وعدم وجود جهاز دولة مثقف له التصورات العلمية للتنمية الأكثر عصرية وحداثة في ميادين الاقتصاد والتعليم والإدارة والتقنية والمعمار وتخطيط القرى والمدن والعلم وغيرها من المجالات الحيوية بعد الاستقلال، وتهميش أدوار أهل الفكر والعلم، وفرض الفقر عليهم فرضا حتى تم تدمير ما يسمى بالشريحة الوسطى بشكل دراماتيكي.
وفي الواقع فإن النظام الجزائري منذ الاستقـلال حتى يومنا هذا لا يملك أي مشروع سواء لتكوين النخب المفكرة والمخططة الجديدة وتأهيلها وخلق فضاء حيوي تزدهر في مناخه، أو للمحافظة على الإطارات التي كونت نفسها بنفسها في ظل غياب الدولة.
ولا شك أن تحول النظام الجزائري إلى شرطي يطارد الكفاءات ويهجرها، ويحرم من بقي صامدا في الوطن من الاستقرار المادي والاجتماعي، لدليل واضح على افتقاده لسياسات الدولة العصرية.
جراء هذه الممارسات المغرقة في السلبية فقد تحولت المنظومة التعليمية والتربوية بكل مراحلها وأنواعها إلى شكل شعبوي فضفاض بلا مضمون يشع بالتقدم والعصرنة والتحديث، كما إنه من المؤسف حقا أن الجزائر لم تحقق الوثبة الكبرى التي يطمح إليها الشعب الجزائري في مجال ترقية استراتيجيات صنع النخب الجديدة العـالمة والمفكرة والمهنية المتطورة والمستوعبة للتجارب العالمية العصرية الناجحة في مجال التنمية بكل أركانها وطرائق تحقيقها، ولم يحصل أيضا أي احتضان وتطوير للكفاءات القليلة الموجودة.
وهكذا أصبحنا بعد 53 سنة من الاستقلال نرى النظام الجزائري يختصر مهنته ويختزل مهمته في إجبار رجال ونساء التعليم وأسرهم على إخلاء المساكن الوظيفية والقذف بهم في المجهول.

كاتب جزائري/”العرب”

اقرأ أيضا

بخور روما لن يبدد رائحة عفن زنازين عنابة: الجزائر والبابا وتجارة الصورة!

ثمة سؤال بسيط يطرح نفسه على من يتابع الإعلام الرسمي الجزائري هذه الأيام: هل زيارة البابا ليو الرابع عشر للجزائر حدثٌ ديني تاريخي، أم هي "صك غفران" دبلوماسي بالجملة؟ الإجابة، للأسف، أقرب إلى الثانية منها إلى الأولى، لا لأن الزيارة لا قيمة لها في ذاتها، بل لأن النظام العسكري الجزائري قرر أن يستأجر العربة البابوية لأغراض لا علاقة لها بالإيمان.

مراجعة أبريل 2026 في مجلس الأمن: الكابوس الذي يقضّ مضجع المرادية!

ليست المرة الأولى التي يجلس فيها النظام الجزائري أمام شاشة مجلس الأمن يراقب مراجعة أممية بقلق. لكن ما يجعل أبريل 2026 مختلفاً في الذاكرة الاستراتيجية للمرادية، هو أن القلق المعتاد تحوّل هذه المرة إلى شيء أقرب إلى الذعر الوجودي الذي يُشلّ القدرة على المناورة ويُضيّق هامش الخيارات إلى ما يكاد يكون أفقاً مسدوداً.

التصعيد القضائي ضد الناشط السياسي زغيلش يفاقم أزمة الحريات في الجزائر

دعت منظمة "شعاع لحقوق الإنسان" (تعمل في نطاق حدود الجزائر ومقرها الرئيسي في لندن)، السلطات الجزائرية إلى الوقف الفوري لكافة أشكال المتابعات القضائية ذات الطابع التعسفي ضد الناشط السياسي والصحفي عبد الكريم زغيلش؛ وضمان احترام حقوقه الأساسية، وعلى رأسها حقه في حرية التعبير.