قيادة الأركان.. ومستقبل الجزائر

منذ أن أَقرَّ دستور فبراير 1989، التعددية في الجزائر، أصبحت السياسة حديث الشعب اليومي، الحقيقة فيه غائبة بشكل كُلّي، والتوقعات تنتهي إلى ما يناقضها، وكثيرا ما يكون عنصر المفاجأة هو الغالب في أيّ توقعات منتظرة، ومع أن الدولة الجزائرية قامت منذ الاستقلال على قاعدة أنها “جمهورية ديمقراطية شعبية” بل إن جيشها أطلق على نفسه عند قيام الثورة اسم “جيش التحرير الوطني” ثم أصبح بعد الاستقلال “الجيش الوطني الشعبي”، إلا أن الشعب لم يكن في أيّ مرحلة من التاريخ صاحب القرار، أو على الأقل شريكا في اختيار من يصنع القرار السياسي في البلاد، وكل الرؤساء الذين وصلوا إلى سدّة الحكم بما في ذلك الزعيم أحمد بن بلّة، لم يتم اختيارهم من الشعب، ورغم أن معظمهم جاء عن طريق الانتخابات إلا أن موافقة الجيش كانت هي الأساس.
إذا سلّمنا بالتحليل السابق، فإنه سينتهي بنا إلى القول إن الجيش الجزائري يتعدّى في دوره وسلطته مؤسسة الرئاسة، وذلك وجه من الحقيقة، وإن بدا الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة هذه الأيام هو صاحب القرار في التغيرات التي طالت القيادات الأمنية وعلى رأسها الفريق “محمد لمين مدين” المشهور باسم الجنرال توفيق، حيث رجحت الكفة لصالح قيادة الأركان التي يرأسها حاليا نائب وزير الدفاع الفريق أحمد قايد صالح، وهذا يعني عودة الجزائر إلى سابق عهدها لجهة قيام الجيش، من خلال قيادة الأركان، بدوره في حسم القضايا الكبرى، وهذا لا يتناقض مع الرغبات الشخصية والطموحات المشروعة أو غير المشروعة للقيادات الأمنية والعسكرية لجهة تأثيرها في صناعة القرار، والأكثر من هذا في اختيار من يقوم به، وخاصة الرئيس.

المزيد: الجيش الجزائري جزء من المشكلة ومن الحل

بعيدا عن الشائعات المنتشرة في الجزائر، وبعيدا عن التفسيرات التي تطرح بشكل بديهيات، فإن الترويج المقصود من بعض الأطراف خاصة التي طالتها الرقابة من أجهزة المخابرات لمسألة إبعاد جهاز المخابرات عن الحياة اليومية لجهة المتابعة للشعب باعتبارها تمثل هاجسا لكل المواطنين، يراد منه تبرير ما قام به بوتفليقة مؤخراً، وهذا يشبع رغبة الجزائريين من ناحيتين.
الأولى: أن هناك عداء تاريخيا لدى الشعب لأي عمل استخباراتي، وقد ورث ذلك من الثورة، لدرجة أن معظم الجزائريين كانوا لا يبلّغون عن العناصر الإرهابية خلال العشرية الدموية، بحجة أنهم ضد العمل الأمني حتى لو كان يمثل حماية لهم من الإرهاب؟
الناحية الثانية: وجود علاقة بين الشعب الجزائري والجيش، ترقى أحيانا لدرجة التواطؤ بينهما، وخلفيتها تاريخية حيث مثّل الجندي الجزائري حماية من بطش المستعمر، ومضحيا من أجل الاستقلال، ومساهما في التنمية بعد الاستقلال.
لذلك كلّه ولغيره، لم يهتم الشعب الجزائري بالخلافات التي تقع على مستوى القمة إلا في حالتيْن، الأولى بعد الاستقلال مباشرة حين وقع الصراع بين قيادة الأركان الداعمة للرئيس أحمد بن بلة والحكومة المؤقتة برئاسة بن يوسف بن خدة، حتى أنه خرج متظاهرا ضد الانزلاق الخطير، معلنا أن سبع سنوات من حرب التحرير كافية. والحالة الثانية جاءت مع تعطيل المسار الانتخابي ودخول الجزائر في دوامة الإرهاب، وفي هذه الحالة، وبعد أن توسَّعت دائرة الإرهاب، شكَّك الشعب في صدقيّة الجيش، بل أنه وصل إلى تخوينه، واتهامه بممارسة العنف المضاد، خاصة بعد انتشار المجازر الجماعية في القرى والأرياف، وأيضا بعد أن طرحت دول العالم سؤال: مَنْ يَقْتل مَنْ في الجزائر؟
منذ الاستقلال حسمت قيادة الأركان القضايا الكبرى المتعلقة بمصير الجزائر، وباستثناء فترة حكم هواري بومدين (1965 – 1978) كان كل رؤساء الجزائر من اختيار قيادة الأركان، حيث تم دعم أحمد بن بلّة رغم الصراع الذي بلغ أوجه في ذلك الوقت، والذي كاد ينهي الدولة الجزائرية الوليدة، كما اختير الرئيس الشاذلي بن جديد لحسم الصراع لخلافة بومدين ببن محمد الصالح يحياوي وعبدالعزيز بوتفليقة، ثم قيادة الأركان جاءت بالزعيم محمد بوضياف، وهي التي اختارت اليامين زروال وزيرا للدفاع، وترشح في وقت لاحق من طرفها لينجح باختيار ديمقراطي، ثم تخلى عن السلطة بإيعاز أو بطلب منها، وهي التي رشحت بوتفليقة ودعمته بعد انسحاب المرشحين الآخرين للانتخابات الرئاسية في 1999، وهي أيضا التي ساندته بقوة وأبعدت كل خصومه بطرق مختلفة خلال الفترات السابقة، وهي من تدعمه اليوم.

المزيد: الرئاسة والمخابرات الجزائرية..علاقة موسومة بالصراع

صناعة الرؤساء في الجزائر، شأن يخص الجيش الجزائري، وتحت إشراف مباشر من قيادة الأركان، وإذا كنّا لا ننفي وجود خلافات تصل أحيانا إلى درجة الصراع بين كبار القادة العسكريين والأمنيين، وأحيانا داخل كل فريق، فإن ذلك لا يعني أن القرار يتّخذ بشكل فردي، حتى لو صدر عن الرئيس، ما يعني أن عودة الفريق توفيق متوقعة مثله مثل كل القيادات التي تخرج ثم تعود إلى مناصب أهم. والواضح أن الجزائر تتجه إلى المزيد من الحريات لكن أيضا إلى مزيد من توسيع صلاحيات الجيش وتدخله في الشأن المدني، على غرار ما يحدث في غرداية، ذلك لأن الجزائر مٌقْبلة على فترة اضطرابات حسمها يكون من خلال تركيز السلطة لدى فريق واحد، وهو هنا بلا منازع قيادة الأركان.

*كاتب وصحفي جزائري/”العرب”

اقرأ أيضا

بخور روما لن يبدد رائحة عفن زنازين عنابة: الجزائر والبابا وتجارة الصورة!

ثمة سؤال بسيط يطرح نفسه على من يتابع الإعلام الرسمي الجزائري هذه الأيام: هل زيارة البابا ليو الرابع عشر للجزائر حدثٌ ديني تاريخي، أم هي "صك غفران" دبلوماسي بالجملة؟ الإجابة، للأسف، أقرب إلى الثانية منها إلى الأولى، لا لأن الزيارة لا قيمة لها في ذاتها، بل لأن النظام العسكري الجزائري قرر أن يستأجر العربة البابوية لأغراض لا علاقة لها بالإيمان.

مراجعة أبريل 2026 في مجلس الأمن: الكابوس الذي يقضّ مضجع المرادية!

ليست المرة الأولى التي يجلس فيها النظام الجزائري أمام شاشة مجلس الأمن يراقب مراجعة أممية بقلق. لكن ما يجعل أبريل 2026 مختلفاً في الذاكرة الاستراتيجية للمرادية، هو أن القلق المعتاد تحوّل هذه المرة إلى شيء أقرب إلى الذعر الوجودي الذي يُشلّ القدرة على المناورة ويُضيّق هامش الخيارات إلى ما يكاد يكون أفقاً مسدوداً.

التصعيد القضائي ضد الناشط السياسي زغيلش يفاقم أزمة الحريات في الجزائر

دعت منظمة "شعاع لحقوق الإنسان" (تعمل في نطاق حدود الجزائر ومقرها الرئيسي في لندن)، السلطات الجزائرية إلى الوقف الفوري لكافة أشكال المتابعات القضائية ذات الطابع التعسفي ضد الناشط السياسي والصحفي عبد الكريم زغيلش؛ وضمان احترام حقوقه الأساسية، وعلى رأسها حقه في حرية التعبير.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *