الرئيسية / وجهات نظر / تسليم المحمودي للتعذيب والموت خطأ سياسي وأخلاقي
احمد القديدي

تسليم المحمودي للتعذيب والموت خطأ سياسي وأخلاقي

حكمت هذه الأيام محكمة ليبية غريبة التركيب والأطوار على بعض رموز نظام القذافي بالإعدام ومن بينهم كما كان متوقعا السيد البغدادي المحمودي آخر رئيس حكومة في عهد الفاتح وهو طبيب مدني حاول إصلاح ما يمكن إصلاحه في ليبيا، كما أنه من قبيلة المحاميد الأصيلة المشتركة بين ليبيا وتونس والجزائر وكانت الترويكا الحاكمة في تونس مباشرة بعد الثورة اتفقت على تسليمه “للسلطات الليبية” وهم يعلمون أن ليبيا لم تكن فيها سلطات بل تسلطات ميليشيات ترتع إلى اليوم وتقتل قدمتها لنا حكومة تونس حينئذ ظلماً وبهتاناً على أنها “الشرعية الليبية” بل أضافوا سامحهم الله أنهم تيقنوا من “عدالة القضاء الليبي” !! وأن لديهم ضمانات لمحاكمة عادلة شفافة تراعي حسب زعمهم كل أصول العدل !!!

المزيد: لأجل ليبيا لا لأركان نظام القذافي


ومن موقعي البعيد آنذاك نشرت مقالتي بعنوان (تسليم المحمودي وصمة عار) وأرسلت لأصدقاء المنفى القدماء وأصحاب الأمر آنذاك أنبه إلى مخاطر ارتكاب هذا الخطأ الذي يدشن لممارسات غريبة أبعد ما تكون عن التقاليد التونسية التي كانت في عهد بورقيبة تراعي الأصول الإنسانية و تقرأ حسابا للأخلاق السياسية، فالزعيم لم يسلم طيلة عهده لأي كان من الدول الصديقة والشقيقة لاجئا استجار بنا أو معارضا فر بجلده من الاستبداد والظلم والأمثلة معروفة لدى التوانسة وهو ما رفع مقام بورقيبة وأنا نفسي تابعت قضية الصديق الأستاذ محمد فاضل الجمالي رحمة الله عليه رئيس وزراء العراق (من 1952 الى 1954) ورئيس البرلمان العراقي في عهد الملك فيصل طيب الله ثراه وهو الذي وقع على الميثاق المؤسس لمنظمة الأمم المتحدة، وهو المدافع الأصيل عن تحرير المغرب العربي الكبير وربطته بالزعيم بورقيبة علاقة كفاح طويلة وهو مفكر في التربية والحضارة كان لي شرف نيل صداقته في الثمانينات ونشرت له دراساته على صفحات الجريدة التي كنت أرأس تحريرها. هذا الطود الشامخ عند الانقلاب الذي دبره عبد الكريم قاسم في بغداد في يوليو 1958 اعتقل مثل بقية أعضاء الحكومة العراقية بعد اغتيال الملك فيصل ورئيس وزرائه نوري السعيد وأفراد عائلتيهما بل وسحلت الجثث والعياذ بالله ثم حكمت عليه محكمة قيل إنها محكمة الثورة ! يرأسها عقيد في مجموعة الانقلاب اسمه عباس وتألم الزعيم بورقيبة لمصير صديقه وشرع يسعى لدى الحكام الجدد لإصدار عفو عليه مستعينا بكل من يعرف من الشخصيات العربية والعالمية ثم حدث أن دعي الرئيس بورقيبة لزيارة بغداد فأبلغ حكامها أنه لن يقبل أية دعوة ولن يقيم أية علاقة مع العراق إلا حين يطلق سراح محمد فاضل الجمالي وحدثني الصحفي القدير في جريدة الصباح محمد المختار الخضراوي أنه كان سنة 1959 في بغداد ودعاهم رئيس الانقلاب (و الجمهورية !) عبد الكريم قاسم للغداء وصادف أن جلس الخضراوي قبالة عبد الكريم قاسم فسأله عن سبب تأخر بورقيبة عن زيارة بغداد ؟ فأجابه الصحفي بأن بورقيبة ينتظر إطلاق سراح صديقه الجمالي فتحرك رئيس العراق في نفس اللحظة ونادى وزيره (للعدل أو الداخلية) وأذنه بترحيل الجمالي إلى تونس.
هذه أخلاق تونس وأخلاق الإسلام ولم يحد عنها أي حاكم تونسي في التاريخ الحديث وجاءنا محمد فاضل الجمالي ودخل تونس آمنا وعاش فيها وتولى التدريس في جامعتها إلى أن توفاه الله فيها سنة 1997 ويحمل أحد شوارع تونس اسمه تخليدا للرجل ولوفاء بورقيبة وكذلك فعل الزعيم مع العقيد طاهر الزبيري ولم يسلمه للجزائر ومع الرائد عمر المحيشي ولم يسلمه للقذافي .
إلى أن جاء بعد الثورة من لم يمارسوا السلطة ولا يفقهون نواميس الدولة بل كانوا هم أنفسهم ملاحقين مضطهدين مثلنا نحن ولم يدركوا ثوابت العلاقات الخارجية التونسية التي تأسست على بعض المبادئ فحدث الذي كنا نخشاه ولم يسمعنا أحد منهم كما كانوا يفعلون قبل فوزهم بأغلبية الأصوات وصموا أذانهم عمن ينصحهم واليوم يحاول كل واحد منهم أن يتبرأ من تسليم البغدادي بمنطق سقيم لم يعد يقنع التوانسة فقد وقع الفأس في الرأس والرجل البريء بين أيدي جلاديه ولم يعد له إلا الله تعالى وهو حسبه ونعم الوكيل.
والغريب أن بعض هؤلاء عوض أن يعتذر بجرأة المناضل اختار التبرير الأجوف بالمنطق السياسوي فقال قائل منهم إن “القضاء وحده هو الذي قرر مصير المحمودي !” أي نفس ديماغوجيا من كان سجنهم واضطهدنا جميعا بحجة أن القضاء مستقل ! و قال قائل آخر منهم إن المحمودي هو ديكتاتور ليبيا !!! والحقيقة أن الدكتور المحمودي هو محمد الغنوشي ليبيا رجل مدني هارب لله حاول ما استطاع إنقاذ وطنه بما أتيح له والله سبحانه أعلم بالسرائر. كيف وبأي قانون نفسر ما حصل للرجل المستجير بنا ثقة فينا لأنه ابن عمنا من قبيلة المحاميد الأصيلة التي كانت الفنانة صليحة تغني عنها (بخنوق بنت المحاميد عيشة ريشة بريشة وعامين ما يكملوش النقيشة) ؟ كيف نسجن سياسيا لجأ إلى وطنه الثاني طالبا فقط المرور للجزائر ؟ ماذا كان يضرنا لو سمحنا للمستجير بنا أن يبلغ مأمنه كما أمرنا الله سبحانه في كتابه المبين متحدثا عن مشرك فما بالك والبغدادي مسلم معروف بتقوى الله قال الله تعالى “وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون” التوبة أية 6. ثم إني أنصح الذين ورطونا في هذا الخطإ أن يرجعوا إلى فيديو يتداول هذه الأيام على الفيسبوك نرى فيه والعياذ بالله حصة تعذيب رهيب للساعدي نجل القذافي لندرك ما الذي حصل للبغدادي المحمودي بعيدا عن الكاميرات! وأذكر أن الرئيس السابق بن علي لم يسلم رئيس الحكومة الإيطالية (بتينو كراكسي) الذي لجأ إلى بلادنا و استقر في منتجع الحمامات إلى أن جاء أجله فيها ونفع تونس بعديد من المشاريع الإيطالية التونسية المشتركة.. والله أعلم فأنا نفسي كنت في منفاي النوفمبري ولا أعلم الخفايا. إن السياسات عموماً تؤسس على عقد أخلاقي ذي قيم إنسانية عليا يخطئ كل من يعتقد أنها تأتي بعد المصالح!

* سفير تونس السابق/بوابة “الشرق”