الرئيسية / وجهات نظر / عزلة «العدل والإحسان» المغربية
محمد الاشهب

عزلة «العدل والإحسان» المغربية

قطعت جماعة «العدل والإحسان» الإسلامية في المغرب الشك بيقين الموقف السياسي. وأعلنت رفضها المشاركة في اللعبة السياسية، أي إمكان تحولها إلى حزب سياسي يشارك في الاستحقاقات الانتخابية القادمة.
بصرف النظر عن مبرراتها، لناحية عدم حدوث تغيير حقيقي في إصلاح المؤسسات، فقد ركنت جماعة المرشد الراحل عبد السلام ياسين إلى نوع من العزلة. أقله أن تياراً إسلامياً لم يكن بعيداً من النهل من المرجعية ذاتها، استطاع في أقل من عقدين الانتقال من فصيل معارض إلى حزب يقود الائتلاف الحكومي، حيث أفاد «العدالة والتنمية» من موجة الحراك العربي ومن قدرته التنظيمية واحتل الصدارة في اشتراعيات العام 2011.
المفارقة أن شباب «العدل والإحسان» منحوا حراك الشارع المغربي زخماً، أدى إلى جانب معطيات سياسية أخرى إلى تعديل الدستور وتنظيم انتخابات سابقة لأوانها. وكان واضحاً، سواء بالنسبة إلى الذين شاركوا في التظاهرات الاحتجاجية التي رفعت شعارات راديكالية أو الذين ساندوها مبدئياً من دون المشاركة فيها، أن مطلب التغيير شكل سقفاً وفاقياً احتكر «العدالة والتنمية» ثماره اليانعة، فيما لا زالت «جماعة العدل والإحسان» تراوح مكانها، مقيدة من عدم الرغبة في الانتقال إلى ضفة العمل السياسي المشروع.
الغريب أن رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بن كيران مارس سياسة اليد الممدودة نحو جماعة «العدل والإحسان» التي يبدو أنها أضاعت فرصة ثمينة، ذلك أنه إذا كانت تعذرت عليها الإفادة من موقف السلطة السياسية في فترة يقود فيها إسلاميو «العدالة والتنمية» الائتلاف الحكومي، فكيف لها أن تتلقى هدية مماثلة في ظرف مغاير، وإن كان يصعب الجزم بمآل اشتراعيات العام القادم إلى حين ظهور نتائجها؟
اللافت في ضوء التجربة السياسية، أن تياراً آخر اسمه «السلفية الجهادية» كانت الاتهامات وجهت إلى رموزه وشيوخه بالضلوع في التحريض على هجمات الدار البيضاء عام 2003، شرع في الانفتاح على فاعليات حزبية، ضمن مراجعات فكرية ونوعية استقرت عند رجاحة الاعتقاد بشرعية العمل السياسي من الداخل، مع نبذ العنف والتطرف والولاء لأي جهة خارجية. والواقع أن جماعة «العدل والإحسان» يحسب لها أيضاً أنها كانت بدورها سباقة إلى إدانة العنف والتطرف، لكنها لم ترفق مواقفها تلك بقطع الخطوة الحاسمة في اتجاه الشرعية الحزبية.
لا يخلو المسار السياسي في المغرب من منعطفات إيجابية ارتبطت بتغليب منطق المشاركة من الداخل، فقد مهد تصويت «الاتحاد الاشتراكي» أكبر حزب معارض في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، لفائدة دستور العام 1996 الطريق أمام بداية صيغة التناوب الوفاقي الذي حمل المعارضة إلى السلطة. وعاودت أكثر المنظمات اليسارية النظر في مفهوم المشاركة في الانتخابات، على رغم أنها لم تحصل على مقاعد تلائم حضورها في الساحة السياسية، بينما اختار «العدالة والتنمية» أن يصبح حزباً سياسياً ذا مرجعية إسلامية، ما أفسح المجال أمامه لتحقيق مكاسب انتخابية مذهلة.
هل تراهن جماعة «العدل والإحسان» على استنفاد الإسلاميين في حكومة بن كيران بريق تجربتهم الراهنة، كي تصبح بديلاً موضوعياً؟ الأمر لا يزيد عن فرضية سياسية، فالتجربة السياسية الحالية جنبت البلاد مخاطر الانزلاق وراء تداعيات مجهولة، كما شجعت على ترجيح خيار المشاركة، وفيما لم يتصور أحد أن «العدالة والتنمية» الذي ارتفعت أصوات تطالب بحله وشطبه من معادلة المشهد السياسي في فترة احتقان، على خلفية أحداث إرهابية، سيصبح شريكا محوريا في التجربة السياسية الحالية، يصح الاعتقاد أن فترة التأمل التي تجتازها «العدل والإحسان» بعد أن غيب الموت مرشدها الروحي الراحل عبد السلام ياسين، يمكن أن تطول أو تقصر وفق استقراءاتها لتطورات الأحداث. فقد نأت بنفسها بعيداً من زخم الحراك والاحتجاجات في نهاية المطاف، بعد أن كانت محركها الأساسي، واعتبر الأمر أقرب إلى رسالة اعتدال ومرونة، غير أنها لم تواز ذلك التطور بقرار حاسم. وإن فهم أنها حسمت قضية المشاركة، مرحلياً على الأقل.
الأكيد أن المغرب سيكون أفضل إذا انخرطت «العدل والإحسان» في اللعبة السياسية.

*كاتب صحفي/”الحياة”