الرئيسية / وجهات نظر / الجزائر: عاصمة دولية للفشل الشامل
AZRAJE OMAR

الجزائر: عاصمة دولية للفشل الشامل

بقلم: أزراج عمر*

تابعت مرة حصة للإعلامي المصري محمد حسنين هيكل وأعجبت بالآليات التي استخدمها لتصنيف مكانة دول العالم الثالث في السلم العالمي، وخلص إلى نتيجة ميَز فيها بين بعض الدول القليلة التي دخلت الحداثة وبجانبها الدول التي تقف على عتبتها من جهة، وبين الدول التي لا تملك أي وعي بمفهومي الحداثة والعصرنة، وليس لديها خارطة الطريق التي تؤدي إليها. ثم رتَب في أسفل القائمة فلول الدول التي تتعنّت في رفضها المطلق الدخول في الحداثة والعصرنة وتصر على جلوس القرفصاء في كهف الظلام الذي أشبع أفلاطون وصفا لسكانه الرافضين للخروج إلى الشمس.
ويبدو من التقرير الذي نشرته المجلة الأميركية “فورين بولسي” والذي صنّف الجزائر ضمن الدول التي تقبع في ذيل الفشل والتخلف أن النظام الحاكم في هذا البلد يعد من بين الأنظمة الأكثر إخلاصا وعشقا لثقافة الجهل بأسس الدولة العصرية المتقدمة، الأمر الذي جعل، ولا يزال يجعل، المواطنين والمواطنات أسرى اليأس والإحباط المزمنين.
وفي الواقع فإن المعيار الذي اعتمدته مجلة “فورين بولسي” لقياس التقدم أو التخلف، والمتفرع إلى: أداء الحكومة، والعنف داخل الدولة، ومعدلات الهجرة إلى الخارج، والفساد، والخدمات العامة وحقوق الإنسان، قد نسي عناصر الفشل الأخرى مثل المنظومة التعليمية بكل أنماطها، والمعمار المتوحش الذي يخرّب الخيال والعاطفة، والعزلة الثقافية المضروبة على البلاد الجزائرية منذ سنوات طويلة، فضلا عن تغييب وطمس المجتمع المدني، وتقهقر دور الجزائر في المجالات الحيوية التي تعتبر من بين الركائز الاقتصادية الأساسية للتنمية الحقيقية مثل الزراعة والفلاحة، والسياحة والتأثير الإعلامي والقوة الناعمة في الساحة العربية والدولية. أعتقد أن الشعار الذي يعمل به سوّاق الحافلات الجزائرية عند اكتظاظها، والذي يرددونه بأعلى أصواتهم باستمرار هكذا “من فضلكم تقدموا إلى الوراء”، ينطبق تماما على حال جزائر ما بعد الاستقلال.
في هذا السياق أجد أن النكتة التي رويت عن الخلاف الذي نشب يوما بين الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران مع وزير دفاعه، في عهد حكم الشاذلي بن جديد للجزائر، بخصوص التعامل مع إلحاح النظام الجزائري الحاكم على فرنسا بأن تقدم الاعتذار عن جرائمها التي ارتكبتها طوال الحقبة الكولونيالية، هي (أي النكتة) القادرة فعلا على وصف ضياع الشباب وظاهرة الهجرة المتفاقمة، وغياب حقوق الإنسان وكافة أشكال الفساد التي تغذي نزعة التخلي عن جغرافيا روح الوطن بسهولة، وفقر شريحتي العمال والفلاحين اللتين صار مفهوم الاستقلال أمام أعينهما معادلا موضوعيا للاستغلال والأزمات المتفاقمة التي تحاصر المجتمع.
تقول النكتة إن وزير الدفاع الفرنسي دخل مكتب رئيسه فرانسوا ميتران ووجهه عبوس والشرر يتطاير من عينيه، وطلب منه التصدي الفوري للنظام الجزائري وذلك بإعادة احتلال البلاد مرّة ثانية، وهنا قام الرئيس ميتران بتعداد مخاطر غزو الجزائر وذكر وزيره بآلاف الجنود الفرنسيين الذين سيسقطون في المعارك. في تلك اللحظة أجابه وزير الدفاع بضرورة الاكتفاء باستخدام الأسلحة النووية التكتيكية والإستراتيجية عن بعد، ودون توريط أفراد الجيش الفرنسي في أي معركة برية أو بحرية.
نظر الرئيس ميتران طويلا في وجه وزيره، ودعاه إلى التفكير خلال يومين في سيناريو آخر غير سيناريو النووي، كما وعده أيضا بأن يفكر في السيناريو الذي يراه ملائما، وبعد انتهاء هذه المدة عاد الوزير الفرنسي وحقيبته مملوءة بالخرائط الحربية وبالخطط العسكرية التي تعيد أبناء فولتير وماري انطوانيت إلى شمس الجزائر الساخنة التي حرموا منها على مدى ستين عاما من استقلال ما كان يسميه الخيال الأدبي الفرنسي بأندلس فرنسا الجنوبية. في هذه الجلسة الثانية اقترح وزير الدفاع الفرنسي نفس المقترح السابق، وهنا نبّهه الرئيس ميتران إلى أن استخدام القنابل والصواريخ الذرية سيلوث جنوب أوروبا وكامل التراب الجزائري ويقتل كل شيء فيه، وبذلك لن تنتفع فرنسا بهذه الواحة الجنوبية التي أدهشت مفاتنها الفنان دولا كروا ومنحت جمالياتها الباذخة جائزة نوبل للروائي ألبير كامو.
عندما لاحظ الوزير رفض رئيسه لمخططه ترجاه أن يشير إليه بالحل الرادع وهنا ربّت الرئيس على كتفه بلطف ثم قال له “أنا قررت أن أستخدم مكانة فرنسا باعتبارها مؤسسة منظمة السوق الأوروبية المشتركة، وأن أتفق رسميا مع أعضاء بلدان هذه الأخيرة التي تعاني فعلا من صغر مساحاتها وكثرة سكانها بقبول خطتي التي تتلخص في دعوة كل الشعب الجزائري للهجرة إلى دولنا جماعيا، وأن تأخذ كل واحدة حصتها من الجزائريين، وتأكد يا معالي الوزير أنه بعد أسبوع لن يبقى في الجزائر فرد واحد سوى الرئيس الشاذلي بن جديد الذي ستعذبه العزلة بعد أن صار رئيسا بلا شعب، ومن ثمة سيحزم بدوره حقائبه ويطلب منا تحويله إلى مستشار في شؤون مواطنيه في البلاد الأوروبية مقابل منحه الإقامة الدائمة عندنا.
بعد تنفيذ هذا السيناريو سوف يصبح المطلب ليس مطالبة فرنسا بالاعتذار، بل دعوتنا من قبل مؤسسات حقوق الإنسان أن نجتهد لخلق ذاكرات جديدة للجزائريين تتماهى رويدا رويدا مع ذاكرة شعوب بلدان السوق الأوروبية التاريخية والثقافية واللغوية، وحالما ننتهي من إنجاز هذه المهمة ستتوسع أوروبا جنوبا بسلاسة، ويبدأ التاريخ الجديد لأولادنا وأحفادنا على أنقاض ذاكرة حروب “التاريخ القديم”.
ولا شك أن مشكلات الأداء السيئ والفساد، والعنف المادي والرمزي المستشريين في مفاصل المجتمع الجزائري، فضلا عن غياب الخدمات العامة وإحلال البيروقراطية محلها وكذا مشكلة هجرة الجزائريين إلى الخارج هي جميعا نتاج لتفقير النظام الحاكم للوعي الوطني لدى المواطنين، وسبب وعرض متزامنان لسنوات الحرمان الاجتماعي المنهجي، وهي في آخر المطاف حصاد مر لاجتثاث النظام الجزائري للروح الوطنية في نفوس الشعب الجزائري.

*كاتب جزائري/”العرب”