الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا: الحوار بديلا عن الاحتراب
الفقيه

ليبيا: الحوار بديلا عن الاحتراب

عكس جولات حوار سابقة بين أطراف الصراع الليبي، سعت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا إلى تنظيمها، مثل حوار غدامس، ومحاولات مماثلة تصدت لها ثلاث من دول الجوار هي مصر وتونس والجزائر، التي سعت لجمع هذه الأطراف ورأب الصدع بينها، فإن هذه الجولة من الحوار التي بدأت في جنيف، والتي دعا إليها برناردينو ليون، ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في طرابلس، هي المؤهلة لتحقيق نتائج أكثر إيجابية من جولات سبقتها، لأنها هي التي لاقت ترحيبا من أطراف الصراع، ومناصرة من الرأي العام الداخلي في ليبيا، مع مباركة إقليمية ودولية، وقد صدر بيان عن الجلسات الأولى يؤكد المناخ الإيجابي الذي دار فيه الحوار، ويشير إلى توافق حول الثوابت الوطنية التي تشكل أرضية لاستمراره حتى يصل النتائج المأمولة.
وعدا هذا البيان، فقد وردت إشارات كثيرة من مختلف الأطراف التي حضرت الجلسات الأولى، تؤكد استعدادها لتحقيق المصلحة العليا للبلاد، والوصول إلى وفاق وطني يخرج ليبيا من حالة التأزم والاحتراب التي تهددها بالتشظي، والدخول في حرب أهلية طويلة المدى، وتعطل بناء الدولة، وتقوم بنسف النتائج التي أحرزتها ثورة 17 فبراير.
بات مؤكدا، كما أعلن ممثل الأمم المتحدة في ليبيا، استئناف الحوار الذي بدأ في جنيف، داخل ليبيا وفي واحة غات، أقصى الجنوب الليبي، تلبية لشروط أطراف انضمت إلى الحوار، على رأسها المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته، والذي يحمل تفويضا من بعض الجماعات المسلحة التي تشارك في العمليات القتالية ضد الجيش الوطني.
ورغم أن المندوب الأممي برناردينو ليون لم يعلن جدولا محددا للأعمال، إلا أنه أشار إلى وجود نقطة أساسية يطرحها على المشاركين في الحوار، كبند من بنود هذا الجدول، باعتبارها خطوة أولى تنهي الاقتتال بين الليبيين، وتحقق مشاركة جماعية في السلطة، هي تشكيل حكومة وحدة وطنية، تكون بديلا للحكومة المؤقتة المنبثقة على البرلمان صاحب الشرعية، ولحكومة الإنقاذ المنبثقة عن المؤتمر السابق، ولا يأتي هذا الاقتراح بغرض تجاوز الشرعية، والقفز فوق التفويض الذي منحه الشعب الليبي لمجلس النواب، ولكن لأخذ حقائق الواقع في الاعتبار، ولوجود قوى تبسط نفوذها على جزء من تراب الوطن وتهيمن على العاصمة، وكذلك لوجود دماء تسفك ومناطق تعاني ويلات النزاع المسلح.
ثمة تسريبات من جلسات الافتتاح في جنيف تقول بوجود اتفاق مبدئي على تشكيل هذه الحكومة الجديدة البديلة للحكومتين، بأمل ألا يحصل خلاف فيما بعد حول توزيع هذه الحقائب، إلا أن هذا الاتفاق المبدئي يمثل، بالتأكيد، تقدما على طريق الحل، لأن تشكيل الحكومة يعني بالضرورة انتهاء الاحتراب.
وليس معنى ذلك أن النجاح بات أكيدا، لأن هناك دائما أطرافا أكثر تشددا من غيرها لأسباب أيديولوجية وحزبية، خاصة لدى جماعات الإسلام السياسي، وربما هناك أجندات أجنبية تسعى لإفساد هذا الحوار، وتعرقل الوصول إلى مثل هذا التوافق الوطني، الذي تراه لا يخدم مصالحها.
وهناك قبل هؤلاء وبعدهم، لوردات الحرب الذين يتسيدون المشهد الليبي، بمؤهلات غير مؤهلات القيادة والجدارة الوطنية والعلمية، وإنما بالبلطجة وقوة السلاح، بل هناك في الحراك الميليشياوي، عناصر ذات ماض إجرامي وخريجو سجون جنائية، وهؤلاء يعرفون أنهم سيفقدون سلطتهم وفعالية السلاح الذي يمارسون به تسيدهم، عندما تنشأ دولة المؤسسات والقانون، وتقام سلطة الشرطة والجيش والقضاء، ولا يمكن لجم هذه الأطراف، ووضع حد لتسلطها إلا بأن يكون الراعي للحوار، وهو هنا ممثل الأمم المتحدة، قادرا أن يضع سيف القانون والعدالة الدولية، حيث يضع لسانه لأنه كان يردد في مناسبات كثيرة، بينها مناسبة هذا الحوار، أن مجلس الأمن سيتولى مراقبة المشهد، وأن هناك حزمة عقوبات ستطال معرقلي المسار الديمقراطي، ممن يقفون ضد بناء الدولة، ويسعون لتعطيل مخرجات الحوار ونتائجه، وأن مجلس الأمن جاهز لتطبيق ما ينص عليه الفصل السابع، وليبيا ما تزال خاضعة لأحكامه، وتستطيع الهيئة الأممية أن تباشر تطبيق مثل هذه العقوبات، وإصدار مذكرات القبض على من يستخدم السلاح خروجا على الإجماع، وتدميرا لفرص المصالحة في ليبيا.
إذا تحقق مثل هذا الوعد، نستطيع أن نقول إن هذه الجولة من الحوار مرشحة حقا لإخراج ليبيا من المأزق، ووضعها على طريق بناء الدولة التي ينشدها الليبيون، دولة مدنية تعتمد الديمقراطية طريقا للحكم، وصندوق الاقتراع سبيلا إليه، والفصل بين السلطات، والمساواة أمام القانون، وأن نرى بعد نجاح هذا المؤتمر، جهدا دوليا لإنهاء المظاهر المسلحة، لأنها سلاح خارج القانون، يشكل تهديدا ليس لليبيا بمفردها وإنما لدول المنطقة كلها، كما تقول التقارير التي تؤكد أن الجماعات المتطرفة بما في ذلك جماعة بوكو حرام في نيجيريا، تقوم بتوريد سلاحها من ليبيا، وقد تم ضبط سلاح ومسلحين متطرفين، يدخلون ليبيا للاحتماء بها، ويخرجون منها في غزوات إلى مصر وتونس والجزائر ومالي والنيجر وتشاد، ما يشكل مخاطر تهدد السلم في مناطق عديدة خارج ليبيا، وتستوجب جهدا دوليا للقضاء على هذا السلاح وعلى هؤلاء المتطرفين.

*كاتب ليبي/”العرب”