الرئيسية / وجهات نظر / أرق وطني في تونس
مفتاح شعيب

أرق وطني في تونس

يسيطر اعتقاد راسخ في تونس بأن ما يجري من توتر عال في البلاد بسبب الانتخابات الرئاسية قد لا يساوي واحداً بالألف من القلق المتعاظم من الانفلات المرعب للأوضاع في ليبيا، فالدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية ستجرى ويفوز من يفوز، ثم سرعان ما تتخذ الحياة مجراها الطبيعي، أما مصير ليبيا المفتوح على المجهول فذلك هو الأمر المخيف، وهو الامتحان الصعب الذي يستوجب على تونس أن تتجاوزه بأقل التكاليف.
هناك حالة من الأرق الوطني يعيشها التونسيون بمختلف ألوانهم السياسية، باستثناء فئة ضلت السبيل ومازالت ترى في استبداد الميليشيات المتطرفة ببعض المناطق الليبية “روحاً ثورية” يجب استحضارها إلى تونس . ومنذ أن بدأت حمى الأزمة الليبية ترتفع، أحبطت السلطات التونسية عشرات المخططات الإرهابية لضرب الأمن العام للبلاد، وحاولت أطراف مشبوهة في الداخل توظيف حرارة المشهد الانتخابي التشريعي والرئاسي، وخلق فتنة ملعونة تلحق تونس بدوامة التكفير والتفجير الدائرة في المنطقة، ومن حسن حظ التونسيين أنهم أحبطوا كل تلك المخططات بمقاومتهم المدنية الراقية، فضلاً عن يقظة القوات العسكرية والأمنية، وما نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة والانتخابات الرئاسية أيضاً إلا دليل على تصميم لا ينكسر للخروج من هذا المطب، وتجنب السقوط في كارثة كبيرة .
ليبيا بالنسبة إلى تونس هي جار وشقيق بينهما روابط دم ودين، ولكن وضعها الحالي، وفي ضوء حالة الانهيار الشامل التي تعيشها، أصبحت كابوساً مزعجاً، لا سيما أن التونسيين يأملون أن تنكبّ حكومتهم المقبلة على معالجة الملفات الاجتماعية والاقتصادية المزمنة التي كانت سبباً لكل التطورات السياسية التي انطلقت بعد الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وإعادة بناء النظام السياسي بصياغة دستور جديد يؤسس لدولة تنسجم مع مقتضيات العالم المعاصر . وطالما أن هناك مهددات خارجية مصدرها ليبيا، فسيكون ذلك الطموح عرضة للمخاطر، أقلها استمرار الأعمال الإرهابية، وتدفق السلاح، واستفحال الجريمة المنظمة، وهي ظواهر كانت من أكبر “إنجازات” حكومة الائتلاف الحاكم السابق بقيادة حركة “النهضة” وعهد رئيس الجمهورية المؤقت منصف المرزوقي، ومثلما ارتكب ذاك الائتلاف إخفاقات خطيرة في الداخل، كانت سياسته الخارجية كارثية، وهناك إساءة تقدير كبيرة للموقف في ليبيا، وهو ما وضع تونس في وضع أصعب من أيام الحرب على نظام العقيد الراحل معمر القذافي قبل ثلاث سنوات .
ربما أخذت الاحتجاجات الليبية في ذلك الوقت شكل ثورة مدعومة من المجتمع الدولي، وقليلون هم الذين انتبهوا إلى أن ما حصل كان بداية كارثة رهيبة، وها هي تتحقق، فلا شيء في ليبيا يخضع للمنطق، وبعد أن كان الصراع سياسياً تبين أن حقيقة الصراع تتعلق بين قوى وطنية تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وقوى تعتنق منهج التطرف والإرهاب، وتعمل على تفجير ليبيا وجعلها قاعدة لضرب المنطقة برمتها، وربما تفكر هذه الأطراف في تجريب حظها في تونس، وقد كشفت ذلك الأمم المتحدة حين أعلنت أن هناك جماعات متطرفة تستعد لتنفيذ أعمال إرهابية في تونس . وبقطع النظر عن جدية هذا التهديد من عدمه، سيظل على تونس الجديدة أن تعيد قراءة المشهد الليبي جيداً، إذا أرادت بالفعل أن تقلع إلى وضع أفضل من مرحلة الانتظار والتردد .

*كاتب صحفي/”الخليج” الاماراتية