الرئيسية / وجهات نظر / هل تتدخل فرنسا في ليبيا ثانية
إدريس الكنبوري

هل تتدخل فرنسا في ليبيا ثانية

بدأت فرنسا تفكر في تدخل عسكري جدي في ليبيا، بغرض قتال مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية، بعدما بات التهديد الذي يمثله هؤلاء على الأمن الفرنسي وشيكا، بحسب ما أعلنه مسؤولون فرنسيون وخبراء في الإرهاب الأوروبي. فقبل أيام نفذ الطيران الفرنسي طلعات جوية للاستطلاع فوق الأجواء الليبية، وهي خطوة تشير إلى أن الوضع الأمني في الساحة الليبية أصبح مصدر قلق لباريس، وتظهر عزم فرنسا على وضع خطة عسكرية، ربما قد تصبح جاهزة في بحر ستة أشهر، وفقا لما كشفت عنه صحف فرنسية نقلا عن أحد المسؤولين.
في العام 2011، تدخل الجيش الفرنسي في ليبيا للقضاء على العقيد القذافي، خلال تفجر أحداث الربيع العربي. وقد جعل الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي من الساحة الليبية مسرحا لعودة النفوذ الفرنسي إلى القارة من البوابة الواسعة، متسلحا بآلة إعلامية كبيرة قادها الكاتب الداعية برنارد هنري ليفي، الذي لعب دورا يشبه دور رائد القتال. بيد أن رهان باريس على ذلك البلد المغاربي سرعان ما تبخر، بسبب الانهيار الأمني الشامل الذي أعقب الأحداث الأولى، وظهور الجماعات المسلحة المتطرفة التي حولت ليبيا إلى مستنقع أمني بامتياز.
العزم الفرنسي على التدخل في ليبيا للمرة الثانية خلال خمس سنوات يعيد إلى الضوء حصيلة التدخلات الأخرى في القارة، في الأعوام الأخيرة. فهي توجد اليوم في أكثر من بؤرة قتال، من شمال القارة إلى جنوبها، حيث تضع قواتها في عدد من المناطق منها مالي وبوركينا فاسو وتشاد والنيجر وأفريقيا الوسطى وموريتانيا. غير أن تواجدها العسكري لم يمنع من تناسل الجماعات المتطرفة التي تنهك هذه البلدان، وفي عدد من المناطق التي تتواجد بها قواتها شكل الوجود الفرنسي مبررا للحركات الإرهابية، التي نفذت عمليات خلفت المئات من قتلى مواطني تلك البلدان بحجة استهداف الفرنسيين، كما هو الشأن في موريتانيا ومالي.

إقرأ أيضا: “هل بدأ العد التنازلي للتدخل العسكري ضد “داعش ليبيا

تتوفر فرنسا على سمعة سيئة في القارة الأفريقية، بالنظر إلى ماضيها الاستعماري في عدد من بلدانها، وفي الوقت الذي تواجه فيه القارة العشرات من الجماعات المسلحة التي تهدد أمنها الداخلي، من موريتانيا إلى تشاد، ومن غانا إلى الجزائر شرقا، تغامر فرنسا بأن تزيد في إشعال الحرائق، من خلال دفع الجماعات الإرهابية إلى توسيع مبررات عملياتها، لكي تشمل فزاعة “الحرب الصليبية”، الأثيرة على هذه الجماعات، وهو ما من شأنه أن يغرق القارة في مخاطر إرهابية أكبر.
تتذرع الحكومة الفرنسية بفشل الفرقاء الليبيين في الاتفاق على صيغة معينة لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وعدم تنفيذ بنود اتفاق الصخيرات، الذي تم التوصل إليه بعد جهود عربية ودولية كبيرة ومفاوضات ماراثونية، في محاولة لدفع تلك الأطراف إلى توحيد الصف كطريق إلى مواجهة الجماعات المسلحة. غير أن هذه الذريعة التي تريد فرنسا الاستناد عليها لتبرير تدخلها العسكري قد تعطي نتائج عكسية، ففي غياب حكومة وحدة في ليبيا قد يبدو أي تدخل عسكري كما لو كان احتلالا مباشرا، وهذا ما سوف يعطي ذريعة للجماعات الإرهابية ويفتح مستقبل البلد على المجهول.
الأوضاع الأمنية في أفريقيا تعود في جزء كبير منها إلى السياسات الفرنسية تجاه دولها، وتعود أيضا إلى الحذر الفرنسي المستمر، خلال أزيد من عقد، من تشكيل قوة عسكرية أفريقية مشتركة ذات قدرة على التعاطي مع بؤر التوتر في القارة والتدخل كلما كان ذلك مطلوبا، وذات إمكانيات لوجستية تستطيع بها النهوض بدورها. تجد فرنسا في غياب مثل هذه القوة المشتركة مناسبة لمخاطبة الأفارقة من موقع البلد الوحيد القادر على توفير الحماية لهم، لكنها لا تستطيع التمييز في هذا الدور بين المستعمر القديم والحامي الجديد.

*كاتب مغربي/”العرب”