الرئيسية / هكذا نراها / الانتخابات التشريعية 2016.. ولا عزاء للمقاطعين!
ولا عزاء للمقاطعين

الانتخابات التشريعية 2016.. ولا عزاء للمقاطعين!

مع كل استشارة انتخابية، يبرز الجدل حول نسبة المشاركة، مدخلا لمحاولة فهم ظاهرة العزوف السياسي، والتي لا تسلم منها أية ديمقراطية في العالم. جدل يتجدد هذه الأيام على هامش إجراء الانتخابات التشريعية المغربية، لاختيار أعضاء مجلس النواب، حيث انتقل المغرب من النقاش المشكك في ما إذا كانت الأرقام المعلنة لعدد المصوتين هي أرقام حقيقية، لأناس تقدموا إلى مراكز التصويت وأدلوا بأصواتهم فعلا، إلى الحديث عن عدم شمول اللوائح الانتخابية لجميع من هم فوق 18 عاما، محاججين بأن هناك أزيد من 12 مليون ناخب مفترض هم خارج هذه العملية، مما يخفض برأيهم نسبة المشاركة من 43 بالمائة المسجلة حاليا، إلى أقل من ثلاثين بالمائة.

من نافل القول، أن الهدف الأسمى لأية استشارة انتخابية، هو أن تحظى بتفاعل أكبر عدد ممكن من الناس، حتى نستطيع القول أن تمثيليتها كانت عالية، وأنها تعبر عما يريده الناس. لكن بالمقابل، فتصور أن تحظى أية استشارة انتخابية بمتابعة جميع المواطنين، هو تصور طوباوي، اجتهدت مختلف المجتمعات في كسب رهانه دون أن تنجح، على الرغم من أن بعضها فرض إجبارية التصويت، بل وأوقع غرامات على غير المصوتين، الذين لا يعدمون الوسائل للتحايل دائما على هذه القوانين، ولو بوضع أوراق بيضاء.

وفي مجتمعاتنا العربية، فسمة المقاطعة هي السمة السائدة، نظرا لانعدام أو ضعف ثقة المواطنين بمخرجات العملية الانتخابية، وبقدرة النواب المنتخبين على تحسين الواقع التشريعي، أو ترشيد الأداء الحكومي عبر ممارسة دور رقابي حقيقي وناجع. بل إن المقاطعين في معظم الدول العربية، يعزفون عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع، بسبب وجود سلطة “تصوت نيابة عنهم، بل وحتى عن الأموات منهم”! أما في المغرب، فلا ينكر مدى التقدم الذي يتم إحرازه من محطة انتخابية إلى أخرى، إلا جاهل أو جاحد. صحيح أن هناك الكثير من العمل لا يزال مطلوبا، لكن الأكيد أنه لن ينجز إلا مع تكرار مشاركة المواطنين، وإصرارهم على ضرورة تمتيعهم بمزيد من الإجراءات التي تحصن أصواتهم.

وهكذا، وحتى لو سلمنا جدلا بأن ثلث المغاربة أو أقل، هم من توجهوا إلى صناديق الاقتراع، وأن أزيد من عشرة ملايين لم يهتموا بالتسجيل في اللوائح الانتخابية، فإن الترجمة الأبرز لهذا الأمر، هو أن الستة ملايين ونصف المليون مغربي، الذين آمنوا بضرورة إشعال الشموع، بدل الاكتفاء بلعن الظلام، هم المعنيون بتحسين مستقبل البلاد، وهم المساهمون “إيجابا” بتغيير الأوضاع في بلادهم، وهم الممثلون الحقيقيون لجميع المغاربة، بمن فيهم جموع المتفرجين الذين يزيدون عن الثلثين، وهذه أصلا سمة “الديمقراطية التمثيلية”.

إن الاكتفاء بالفرجة، والتشكيك، والسب والشتم، هو موقف “مريح” لا يرتب على صاحبه أي فعل، بينما النزول إلى الشارع والتفاعل مع الأحداث، والتعبير عن الرأي، والاستمرار في المطالبة بالحقوق، ومحاربة جميع الظواهر السلبية الموروثة من حقب أخرى، هو السلوك الإيجابي الذي يمنح لصاحبه الحق في إبداء الرأي حول الشأن العام، وطريقة تسييره.

وعليه، حبذا لو تكرم المقاطعون لأي سبب كان، بالاستمرار في الاكتفاء بالفرجة على سعي غيرهم لدفع الأمور قدما، أو توجيهها الوجهة التي يريدون، في إطار تدافع ديمقراطي حقيقي، يتحسن يوما بعد آخر، بمقدار ما يبذل في سبيله من جهد. فهنيئا للمساهمين في صياغة مستقبل بلادهم، ولا عزاء للمقاطعين!!