الرئيسية / انتخابات / ديمقراطية مغربية بمعايير دولية لا عربية!!
hassad

ديمقراطية مغربية بمعايير دولية لا عربية!!

ها قد وضعت الانتخابات أوزارها، وبدأت عاصفة التحليل تتابع ما جرى من أحداث يوم السابع من أكتوبر، والنتائج التي أفاق عليها المغاربة صباح الثامن منه. لكن، وكعادة من يعطون أنفسهم أو تعطاهم هذه الصفة (المحلل السياسي)، ينصرفون إلى المهمة الأسهل: رصد ما هو رقمي وقابل للقياس، من أجل مقارنته مع واقع الأرقام في الانتخابات السابقة، للخروج بتصور عن خريطة الرابحين والخاسرين في هذه الانتخابات.

بالنسبة لنا، وبعيدا عن مقاربات الربح والخسارة بين الأحزاب، فما عشناه تلك الليلة الانتخابية الطويلة، في مختلف المقرات للأحزاب الثمانية الكبيرة، مضافا إليها فيدرالية اليسار الموحد، يجعلنا نقول وبثقة، أن الرابح الحقيقي والأكبر، كان المغرب، سلطة ومواطنين وتجربة ديمقراطية. وعندما نتحدث عن التجربة المغربية الديمقراطية، نستطيع القول أنه بدءا من ليلة السابع/ الثامن من أكتوبر 2016، دخلت هذه الديمقراطية طورا جديدا، بالتزامها المعايير الدولية لإجراء الاستشارات الانتخابية، بعيدا تماما عن نظيراتها العربية على قلتها.

لقد عشنا لحظة، لم يكن أحد في المغرب قاطبة، وتحديدا الفاعلين السياسيين المشاركين في الانتخابات، يعلم نتائجها الجزئية أو الكلية إلى ما قبل نصف ساعة من خروج وزير الداخلية محمد حصاد، ليعلن نتائجها الكاملة، بعد أقل من سبع ساعات على إجرائها، وبعد أن تم فرز وإحصاء تسعين بالمائة من نتائج مكاتبها. هذا الأمر غير المسبوق، مغربيا وعربيا، ربما كان الملمح الأول الذي يؤكد ما ذهبنا إليه. صحيح أن الآلة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية، متبوعة بنظيرتها الخاصة بالأصالة والمعاصرة استطاعت تغطية جميع أو الغالبية الساحقة من مكاتب التصويت التي تجاوزت الأربعين ألفا، إلا أنهما بقيا دون يقين حول وضعهما، مع اطمئنان أوضح في معسكر الحزب الفائز، إلى حين رؤية وزير الداخلية على شاشات التلفزيون.

ملمح آخر من ملامح تبدل سلوك وزارة الداخلية المغربية، ونقصد به الأرقام الخاصة مع نسبة المشاركة. صحيح أن المغرب قد قطع منذ زمن بعيد مع نسب المشاركة والنتائج التي تدور في خانتي التسعينات والثمانينات، لكن الكل يعرف أن الانتخابات العربية هو “تمرين ديمقراطي” يستنكف غالبية المواطنين العرب عن ممارسته، لدرجة تجعل السلطة معنية تقليديا “بالرفع” من هذه النسبة، بغية إضفاء المصداقية على الانتخابات. منذ البارحة، فقد قطع المغرب مع هذه الثقافة العربية، ولم تتدخل الوزارة “للرفع” من نسبة المشاركة إلى ما يتجاوز النصف، معلنة عن الأرقام الحقيقية في كل دائرة محلية وعلى الصعيد الوطني، لتطالعنا أرقام محلية في خانة العشرينات والثلاثينات، ومعدل وطني استقر في 43 بالمائة.

لقد قطع المغرب، وإلى غير رجعة، مع الانتخابات معروفة النتائج سلفا، وزاد بأن كسب تنظيما مهنيا مشهودا من قبل وزارة الداخلية، وقانونا منظما محاطا بمختلف الضمانات القانونية التي تكفل للجميع، اللجوء للقانون في جميع مراحل هذه الانتخابات، وحتى بعد إعلان نتائجها النهائية، بالحق المكفول بالطعن أمام المجلس الدستوري.

لقد انتهت ليلة البارحة، أسطورة “هذا ما تريده السلطة” لصالح تكريس “هذا ما يريده الشعب”، رغم أن البعض سيحاجج بأن وزارة الداخلية قد “جاملت” هذا الحزب أو ذاك، عن طريق سلوكات بعض ممثليها المحليين في هذه المدينة أو القرية أو تلك. لكن حركة الجميع، المرصودة من مختلف المواطنين والأحزاب المسلحة بوسائل الإعلام الإلكترونية، وترسانة القوانين الملزمة، جعلت سلوك وزارة الداخلية أبعد ما يكون عن الصورة النمطية لنظيراتها العربية، وأقرب ما يكون لما هو مألوف في دول ديمقراطية ذات تجارب راسخة ومتقدمة، تحت مرأى ومسمع مئات المراقبين المغاربة والدوليين.

باختصار، لقد كتبت البارحة شهادة ولادة نظام انتخابي ديمقراطي مغربي بالمعايير الدولية، ولم يعد جائزا بعد اليوم تصنيفه ضمن نظرائه العرب، لا شكلا ولا مضمونا.