الرئيسية / هكذا نراها / مأزق “الطريق الثالث” الذي سيعجز اليسار عن فتحه أمام المغاربة!
الطريق الثالث

مأزق “الطريق الثالث” الذي سيعجز اليسار عن فتحه أمام المغاربة!

سقطة كبيرة تلك التي أقدمت عليها أمينة منيب، الأمينة العامة لفيدرالية اليسار الموحد، عندما خرجت مؤخرا بتصريح “غريب” في توقيته، وإن كان معتادا من اليسار العربي عموما، تقول فيه أن “نصف الشباب المغربي ضائع بين المساجد والمصحف، والنصف الآخر مقرقب”!! تصريح كهذا يخرج من أمينة عام حزب تخاطب الناخبين المحتملين الذين ترجو دعمهم “لرسالتها”، وهي تعلم أن معظمهم شباب، يثير أكثر من علامة استفهام ويستدعي أكثر من ملاحظة:

  • لمن تتوجه نبيلة منيب وحزبها بهذا الخطاب، إذا كانت تعتبر أن الشباب المغربي بأكمله ما بين ضائع ومغيّب؟
  • كيف تعتبر أمينة عامة لحزب سياسي في بلد مسلم أن من يذهبون للمساجد ويقرأون القرآن ضائعون؟
  • أين هم شباب حزبها ومناضليه الذين سيكملون الرسالة؟ وكيف يخوض حزب يراهن على موقع كبير في الحياة السياسية غمار السياسة ورصيده من الشباب هو: صفر؟ وإن وجدوا، فإلى أي نصف ينتمون، حسب تصنيفها؟
  • ألم يكن الأجدى بحاملة “رسالة” اليسار أن تترشح في بلاد أخرى، شبابها متيقظون وفي كامل وعيهم، بدل إضاعة الوقت مع الضائعين والمقرقبين؟
  • وأخيرا، ألا يوجد عاقل وسط من يحيطون بالسيدة التي أدمنت الحديث لوسائل الإعلام يوميا، ليبين لها خطورة ما تفوهت به، أو على الأقل، لا ملائمته في أسبوع الانتخابات؟

إن هذه النظرة الاستعلائية “المقيتة” –حتى نسمي الأشياء بمسمياتها- أصبحت لصيقة باليسار العربي عموما، والمغربي في نموذج الفيدرالية، حيث في مواجهة عقم خطابهم ولا جاذبيته السياسية (يريدون ملكية على غرار السويد)، والاجتماعية (معركة حقوق المثليين والمرجعية الحقوقية الكونية)، والثقافية (المذهب الشيوعي البائد)، وهو الخطاب الذي من الطبيعي أن يلقى التجاهل من قبل غالبية شعب مسلم ومحافظ، يلجأون إلى الحل السهل: إدانة المجتمع بدلا من إعادة النظر في هذا الخطاب.

المضحك، ورغم اختيارهم عزل أنفسهم رفقة شرذمة “اليسار الجذري” وغلاة “الإسلاميين الراديكاليين”، بوقوفهم في وجه توافقات المغاربة، واستنكافهم عن خوض معركة التغيير في الشارع بدلا من المجالس النخبوية الخاصة، يخرجون علينا بخرافة أنهم بصدد تشكيل “طريق ثالث” بين من يسمونهم الإسلاميين والسلطويين، أو بين العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، متجاهلين وجود أزيد من عشرين حزبا آخر داخل هذا الطيف السياسي، لم يجدوا أنفسهم داخل أي من الحزبين القطبين، واختاروا لأنفسهم “طريقا ثالثا”.

إن شق طريق ثالث بين طرفي أية معادلة هو أمر ممكن دائما، والمغرب ليس شذوذا عن هذه القاعدة. وعليه يعتبر العدالة والتنمية نفسه وحلفاؤه طريقا ثالثا بين أحزاب اليسار ومن يسمونهم “أحزاب الإدارة”، والأصالة والمعاصرة وحلفاؤه يعتبرون أنفسهم بدورهم طريقا ثالثا بين الإسلاميين واليساريين، والأحرار طريق ثالث بين القوميين والاشتراكيين، …الخ. أما أن تأتي فيدرالية اليسار تحديدا، لتدعي أنها بصدد شق الطريق الثالث ، فهذه قمة العبث واللاواقعية، لأنها (أي الفيدرالية) تعلم يقينا أن لا أحد من المغاربة المؤيدين للتيار “المحافظ والظلامي”، أو “الإداري السلطوي” يريد المشي فيه، كما أن أصحاب هذا الطريق أنفسهم كتبوا لافتة في بدايته ولما يبدأ ورش إنشائه بعد: ممنوع مرور الشباب المغربي من هذا الطريق، حتى يثبت أنهم قد عولجوا من الضياع بالقرآن، وتوقفوا عن ارتياد المساجد، وأقلعوا عن تعاطي القرقوبي!! فلمن سينشؤون هذا الطريق الذي لن يسير فيه غيرهم؟

للأسف، فمأزق اليسار العربي، والمغربي جزء منه، أنهم أهملوا وأغفلوا ما يميزهم، ونقصد حساسيتهم المفترضة تجاه عذابات الناس، ولم يعملوا على تطوير خطابهم الاجتماعي بمعزل عن قوقعتهم الأيديولوجية، فاختاروا أن يقفوا ويستمروا في الوقوف على هامش حركات مجتمعاتهم، مؤجلين انخراطهم في تجربة بناء الديمقراطية إلى حين حسمها، بدونهم، ومفضلين الانحياز إلى منظومة قيم “حداثية عصرية” في مجتمعات “متخلفة”، فانتهى بهم الواقع العملي إلى نبذ مجتمعاتهم ومعاداتها، وفقدوا كل مبرر للحديث باسم أي من مواطنيها، اللهم إلا أفراد قبيلتهم “المتنورين” الذين يعدون على رؤوس الأصابع..