الرئيسية / هكذا نراها / التطرف يستدعي نظيره.. جريمة اغتيال ناهض حتر مثالا
ناهض حتر

التطرف يستدعي نظيره.. جريمة اغتيال ناهض حتر مثالا

أخبار دامية تلك التي حملها صباح الأحد من الأردن، معلنا اغتيال أحد أشهر صحفييها وأكثرهم إثارة للجدل، بست رصاصات غادرة لم تترك له فرصة للنجاة. من قام بالجريمة البشعة أمام قصر العدل، عندما كان الكاتب يهم بمغادرتها، لم يترك للقضاء فرصة ليقول كلمته في ما ينسب لحتر من اتهامات باستفزاز مشاعر عموم المسلمين، وإثارة النعرات الطائفية عبر ما يكتب وينشر، وآخرها الرسم الذي يصور الذات الإلهية بطريقة مهينة، والذي دفع الكاتب بأنه إنما أعاد نشره من أجل إدانة الصورة التي يرسمها السلفيون للذات الإلهية.

من نافل القول أن المقام مقام تقديم التعازي في الكاتب المغتال، وإدانة من تجرأ على اقتراف هذه الجريمة البشعة بأشد وأقسى العبارات، والأهم، إدانة الفكر المتطرف الذي يقف وراء هذه الجريمة عن طريق إعطاء الحق لكل من يرى “ما يعتبره منكرا” وفق تفسيرات شيوخه وفهمه الضحل، بأن “يغيره بيده”، ويصدر حكما بالإعدام على الناس تحت ذرائع ومبررات شتى. إن كل محاولة لأخذ القانون باليد، وإنفاذ ما نعتبره قصاصا في حق من نعتبره مفسدا هو غاية الفساد، ومن المهم التأكيد على أنه لا يحظى بأية تغطية دينية أو سياسية أو حقوقية أو إنسانية، لأنه يشرعن لتحويل حياتنا إلى غابة يحكمها الأقوى سلاحا.

في المقابل، وفي مناسبات مثل هذه التي يحاول الجميع أن يدلي بدلوه في مواساة أهل الفقيد وصحبه الاجتماعيين والفكريين، من المهم عدم الانجرار وراء إغراء تحويل ناهض حتر إلى شهيد حرية التعبير، كون ما كان يكتبه وينشره يمس في الصميم معتقدات عشرات بل ومئات الآلاف من المواطنين العاديين، الذين هم بدورهم ضحايا للتصورات السلفية المتطرفة، دون أن يعني ذلك استعدادا لاتخاذ هذا الأمر مبررا للسماح بإهانة معتقداتهم مهما كانت صحيحة أو معتلة.

إن جريمة اغتيال حتر، إن أريد لها أن تتحول إلى مصدر قوة لمجتمعاتنا العربية التي تعاني في معظمها من هذا الانقسام المدمر بين “الحداثيين العلمانيين” و “الإسلاميين الأصوليين”، خدمة للمصالح الكبرى لمواطنينا البسطاء، فيجب أن تقود بداية إلى سلب السلفيين سلاحهم المتمثل في تكفير الناس، في نفس الوقت الذي نقوم فيه بسحب سلاح العلمانيين سلاحهم المتمثل في إلباس استهانتهم وإهانتهم لمشاعر ومعتقدات الناس مسوح حرية الاعتقاد والتعبير. بحيث تتحول المعركة أخيرا إلى معركة تنوير، يمكن للجميع أن يناقشوا ما يحلو لهم من أمور دينهم دون خوف الاتهام بالتجديف والخروج من الملة الذي يقود صاحبه إلى القتل، لكن بطريقة لا تسخر من حق الناس في فهم دينهم بالطريقة التي يطمئنون إليها.

إن جريمة اغتيال حتر، والتي تذكر بجرائم مماثلة في هذا البلد أو ذاك، وآخرها شبيهتها في “شارلي إيبدو” الفرنسية، وهي تدق ناقوس الخطر من مأساوية السكوت على أو تبرير الإرهاب والتطرف العقدي المتمثل في أخذ الناس القانون بأيديهم، اعتمادا على روايات و”أحاديث” مشوهة، لتؤكد الحاجة إلى تجريم واضح لمن تسول له نفسه العبث بمعتقدات الناس الدينية، وإخراج هذا النوع من الإرهاب والتطرف الفكري من خانة حرية التعبير، مع العمل طبعا على ضمان وجود بيئة نقاش صحي دون وصاية، تتيح للناس نقاش أمور دينهم ودنياهم بحرية ودون خوف، للوصول إلى ما فيه خير البلاد والعباد..