أكد مراد غالي أن الملك وضع في خطاب تاريخي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين، بوصلة دقيقة ومفصلة للعمل السياسي والاقتصادي للمغرب في المرحلة المقبلة، في رسالة واضحة تتجاوز الزمن الحكومي لتؤسس لدورة جديدة من مسار المغرب الصاعد، تنطلق مباشرة بعد الانتخابات التشريعية المقبلة.
وأبرز غالي الدكتور الباحث في السياسات العامة في تصريح لمشاهد 24 أن خطاب العرش لهذه السنة لم يكن مجرد خطاب احتفالي بحصيلة، بل جاء كوثيقة توجيهية استراتيجية، تجمع بين الاعتزاز بما تحقق من تراكمات إيجابية، والتفاؤل الواقعي المبني على مؤشرات صلبة، والثقة في المستقبل، في وقت وصف فيه الملك بأنه “مرحلة فاصلة في المسار التنموي” تتطلب تغليب خطاب الثقة على خطابات اليأس والإحباط.
وأشار غالي أن الخطاب الملكي وضع مفهوما جديدا ومحوريا في القاموس السياسي المغربي، حين اعتبر أن “الاستقرار اليوم، هو العامل الأساسي في معادلة التنمية، وهو الرأسمال الاستراتيجي الذي يعتز به المغرب”.
ففي محيط إقليمي ودولي مطبوع بكثرة التقلبات والاضطرابات، يقول غالي أن الملك أكد أن المغرب “يشكل الاستقرار السياسي والمؤسسي فيه عملة نادرة، لا تقدر بأي ثمن”، هذا التشخيص الدقيق يضع المغرب كاستثناء إيجابي وكنموذج لدولة-أمة عريقة “تستمد قوتها من تقاليدها الراسخة، تقوم فيها المؤسسات بدورها، في إطار من الانسجام والتكامل”،
وشدد غالي على أن الخطاب الملكي استشهد بنجاح المملكة في تنظيم التظاهرات القارية والدولية التي جعلت المغرب “محط إعجاب وتقدير عبر العالم”، وكذا بقدرتها على التدبير الاستباقي للكوارث، كالفيضانات الأخيرة بمناطق الغرب والشمال.
وإذا كان الاستقرار هو الأساس، فإن السيادة هي البناء، وهنا قدم الخطاب الملكي حسب الباحث تشخيصا اقتصاديا غير مسبوق بالأرقام، يعلن نهاية اقتصاد الريع وبداية اقتصاد السيادة الشاملة، من خلال مؤشرات واقعية هي ثمرة “توجه استراتيجي واضح، ومذهب في الحكم، يقوم على المبادرة والمتابعة الدقيقة، والنقد الذاتي البناء” كما أكد جلالة الملك.
واعتبر غالي أن أهمية الخطاب تكمن في كونه رسم بوضوح دفتر تحملات الحكومة المقبلة، حيث أكد الملك أن “المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني؛ فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية”.
وأوضح غالي أن الملك وجه رسالة مباشرة للفاعلين السياسيين قائلا”إننا نتطلع، بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، وانبثاق حكومة جديدة، لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي، شعارها تحصين المكاسب، ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى”.
ويرى الباحث أن الملك دعا بشكل صريح في خطاب العرش للقطع مع منطق “المسح وإعادة البناء” مع كل حكومة، والانتقال إلى منطق الدولة المستمرة، الحكومة المقبلة، حسب التوجيه الملكي، مهمتها ليست التشكيك في الاختيارات الكبرى، بل تسريع تنزيلها، خاصة برامج التنمية الترابية المندمجة التي تشمل كل الجهات دون استثناء، وتعميم الحماية الاجتماعية وتحقيق العدالة المجالية.
غالي أوضح أن الخطاب وجه نداء قويا للقطاع المالي الوطني، دعا فيه إلى “مواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى، وعلى إحداث نقلة نوعية في توسيع الولوج للتمويلات الموجهة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وللابتكار والتصنيع والتصدير”، مشددا على ضرورة التعبئة المثلى للادخار الوطني لتمويل التحول، في إشارة واضحة إلى ضرورة تحقيق السيادة التمويلية عبر التمويل الداخلي.
على الصعيد الدولي اعتبر الباحث أن الخطاب كرس مكانة المغرب كـ “فاعل دولي موثوق، ومحترم ومسموع” و”شريكا مطلوبا، في إطار شراكات جديدة ومتوازنة”، وأكد الملك أن المغرب اختار “بكل التزام ومسؤولية، تنويع شراكاته، بما يساهم في تعزيز قدرات بلادنا”، وهي عقيدة دبلوماسية تقوم على الندية والثقة، حيث أصبح المغرب حسب الخطاب قادرا على أن “يسائل، بكل ثقة ووضوح، جميع شركائه”.
وأكد غالي في الأخير أن خطاب العرش لهذه السنة لا يمكن قراءته إلا كإعلان ميلاد مرحلة جديدة، مرحلة المغرب الصاعد، مرحلة لم يعد فيها السؤال هو كيف نحقق الاستقرار، بل كيف نحول هذا الاستقرار إلى ثروة وسيادة وكرامة للمواطن، هو بوصلة سياسية واضحة، تضع الثقة والتفاؤل والنجاعة المؤسساتية كشرط للعبور إلى مصاف القوى الإقليمية الصاعدة، وتضع الحكومة المقبلة أمام مسؤولية تاريخية: مسؤولية البناء على المكتسبات، لا هدمها.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير