مفاتيح المدن.. تجارة فاس وصناعتها: من الازدهار إلى الاستعمار

تحاول فقرة مفاتيح المدن استحضار زوايا اجتماعية وثقافية واقتصادية مشعة، من تاريخ مدن المملكة الممتد.

وستسلط الحلقة الثالثة من فقرة مفاتيح المدن الضوء رفقة محمد زاوي الباحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، على نموذج اقتصاد مدينة فاس عبر التاريخ.

إليكم مقال الباحث محمد زاوي

تجارة فاس وصناعتها: من الازدهار إلى الاستعمار

يتحدث بعض الدارسين عن وجود فاس قبل دولة الأدارسة، لكنهم لا يميزون بين فاس القبائل والعائلات حيث لم تكن تعرف آنذاك تنظيما موحدا للإدارة والاقتصاد، وفاس الدولة التي عُرِفت بتعميم نظامها لتنظيم الزراعة والتجارة والحرف، وهو ما أعطى أكله وأبدى نتائجه ابتداء من فترة الأدارسة بالضبط.. فتأمين الإنتاج الوافد والمستقر، ووفرة الإنتاج، وتنظيم التبادل؛ كلها وظائف تشترط وحدة النظام وتعميمه، وهذا لا يتسم بنجاعته إلا في شرط الدولة. هذا تمييز لا بد منه بداية، لمعرفة الانتقال الذي عرفته فاس من اقتصاد معيشي استهلاكي إلى اقتصاد تبادلي منفتح على محيطه.

بدأ تنظيم الاقتصاد الفاسي مع الأدارسة، إلا أن المرابطين أحكموه ووسعوه وأخضعوه إلى نظام خاص في المِلكية والإنتاج والتوزيع.. وبالرجوع إلى المعطيات الاقتصادية الخاصة بتلك الفترة نجد أن كافة القطاعات الاقتصادية قد عرفت ازدهارا وتقدما ملحوظا، ومن تجليات ذلك: وفرة المنتوج الزراعي وتنوعه وتفرده حتى أن فاس كانت قد عُرِفت بزراعات لا وجود لها في المناطق المحيطة بها، وازدهار الأسواق التي شبهها الحسن الوزان بمدينة ذات أحياء عديدة، وتطور الصناعات الناتج عن وفرة الخامات وتقدم الخبرات (وافدة من إفريقية والأندلس)، كذا توسع شبكة الطرق وتأمينا (فتيحة محمد الودانيقسم، الحياة الاقتصادية بمدينة فاس في عصر المرابطين، مجلة البحوث الأكاديمية، العدد الخامس، 2016).

هناك علاقة جدلية بين ازدهار فاس وازدهار قوافلها التجارية أو تلك المارة بها، فمن شأن ازدهار الاقتصاد الفاسي أن يحقق شروط ازدهار التجارة الداخلية والخارجية، كما من شأن هذا الازدهار الثاني أن يشجع على العمل والإنتاج وتطوير الخبرة وتوسيع الاستثمار. غير أن العامل الأساسي في هذه الجدلية من التأثير والتأثر هو شرطها الأول، أي تنظيم الاقتصاد وتطويره وتأمينه، وهذا ما نجحت فيه إلى حد بعيد الدولة المرابطية.

وحافظت فاس على ازدهارها الاقتصادي زمن الموحدين، إلا أن أسواقها قد تعرضت للانهيار في الفترات الأخيرة من حكمهم، بسبب الأوبئة والفيضانات والحرائق والفوضى والاضطرابات.. وهو ضعف مهد لسيطرة المرينيين الذين كانوا قبل ذلك قد استوطنوا السواحل والسهول. فلما تمكنوا من مدينة فاس، كانت لهم فيها سياسات جديدة، أبرزها: بناء فاس الجديد، وتأسيس مدارس للتعلم (هالة عبد الرازق، أسواق فاس: العهد المريني، مكتبة الثقافة الدينية، الطبعة الأولى، 2013، ص 16-32). وقد كانا معا في مصلحة ازدهار اقتصاد فاس من جديد، من حيث توسع الأسواق وحركية التجارة بالنسبة للسياسة الأولى، ومن حيث توفير الخبرة الإدارية والقضائية لتدبير الاقتصاد وتدبير الشؤون المتعلقة به بالنسبة الثانية.

لقد ساهم هذا الواقع الجديد في ازدهار التجارة الفاسية وانتشار منتوجها داخل المغرب وخارجه، وكذلك بقيت إلى أن اخترق الاقتصاد الاستعماري النسيج الاقتصادي لمدينة فاس على مرحلتين: أولا؛ بتصدير الرأسمال البضائعي وهو ما قضى على الرواج الذي كانت تعرفه الصناعات المحلية. وثانيا؛ بتصدير الرأسمال التمويلي وتحويله إلى استثمارات حديثة أجهزت جنبا إلى جنب على زراعة الفلاحين وصناعة ما قبل رأسمالية (عبد السلام الموذن، الدولة المغربية: قضايا نظرية، منشورات الملتقى، الطبعة الأولى، 2018/ دراسة “الأسس المادية للثورة التحديثية بالمغرب” لنفس المؤلف).

لم يكن هذا المستجد، وهذا التحويل الرأسمالي القسري، مقتصرا على فاس وحدها بل شمل كافة المدن المغربية العريقة، مثل سلا ومراكش الخ. سيفرز هذا الواقع الجديد نمط إنتاج جديد، وتجارة وتبادلات جديدة، وصناعات جديدة؛ ليس وفق ما يخدم رسملة الصناعة ما قبل الرأسمالية وإدماجها في العالم الجديد، بل حسب دراسة عينية لما يخدم الرأسمال الأجنبي، ثم الذي تلاه وأعقبه في مواقعه وفي غيرها بعد استقلال المغرب. هذا واقع عالمي، لا يُعتبر المغرب فيه استثناءً؛ غير أن بعض المجتمعات تجتهد في تسويق حضارتها على الطريقة الرأسمالية، وهذا ما يحتاج إلى تحيين وتجديد لعلاقة الرأسمال المغربي بتاريخه الخاص.