بقلم: هيثم شلبي
في يونيو 2026، وبينما كانت أنظار العالم مشدودة إلى ملاعب كأس العالم، أصدرت شركة ““أليانز تريد””، عملاق تأمين الائتمان التجاري العالمي، مراجعتها الفصلية لتصنيفات مخاطر الدول. رفعت الشركة تصنيف أربع دول، بينها السلفادور وليتوانيا ونيكاراغوا، وخفضت تصنيف دولتين فقط على امتداد الكرة الأرضية. دولتين لا ثالثة لهما، وكلتاهما في أفريقيا: السنغال التي هوت من دي 3 إلى دي 4، آخر درجة قبل التخلف الصريح عن السداد، والجزائر التي انزلقت من سي 2 إلى دي 3، مغادرة فئة المخاطر المعتدلة إلى فئة المخاطر الحساسة. هكذا وجد النظام الجزائري نفسه، هو الذي يقدم بلاده في كل خطاب بوصفها “قوة اقتصادية صاعدة” و”ثالث اقتصاد أفريقي”، في المجموعة نفسها التي تضم اقتصادات مأزومة يعرف الدائنون عناوينها جيدا، وعلى بعد درجة واحدة من القاع الذي بلغته داكار.
ولمن لا يعرف طبيعة هذا التصنيف، فهو ليس بيانا سياسيا ولا مقالا صحفيا يمكن اتهامه بالعداء أو “الأجندات”. “أليانز تريد” ليست في وارد الخصومة مع أحد، فهي شركة تبيع للمصدرين والشركات حول العالم تأمينا ضد خطر واحد محدد: ألا يدفع لك زبونك في بلد ما مستحقاتك. ولهذا فإن تصنيفها يقيس شيئا لا تجيد البروباغاندا التلاعب به، وهو احتمال عدم السداد. تعتمد منهجية الشركة على ركيزتين: درجة متوسطة الأجل تجمع مخاطر الاقتصاد الكلي والمخاطر السياسية وبيئة الأعمال، ومستوى قصير الأجل يرصد التهديدات المباشرة عبر مؤشري تدفق التمويل ومخاطر التجارة، أي ضغوط السيولة واحتمالات الإفلاس. وهذا المستوى الثاني تحديدا هو الذي عاقب الجزائر في يونيو. والشركة نفسها لخصت التشخيص بجملة لا تحتاج شرحا: عجز في الميزانية بمعدل رقمين، وسيولة تكاد تكون معدومة، واعتماد كثيف على المحروقات يفاقم صعوبات السداد.
وبفتح دفتر الأرقام الذي وثقته “أليانز تريد” في أطلسها لمخاطر الدول الصادر في فبراير 2026، تطالعنا أرقام تكتسب قيمتها من مصدرها، فالشركة الألمانية لا تكتب بيانات انتخابية بل تقارير يقرؤها من يخاطرون بأموالهم. بلغ عجز الميزانية الجزائرية 11.5 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2025، وهو الأعلى بين جميع الدول المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن المتوقع أن يقترب من 12 في المائة سنة 2026. الدين العمومي قفز 12 في المائة في سنة واحدة، ويتجه نحو 80 في المائة من الناتج بحلول 2030. الحساب الجاري انقلب إلى المنطقة السالبة عند ناقص 3.7 في المائة من الناتج، بعدما قفزت الواردات 25 في المائة في النصف الأول من 2025 وحده. إنتاج النفط الخام تراجع 10 في المائة منذ 2022 بفعل شيخوخة الحقول، ولم ينقذه قرار أوبك بتجميد رفع الحصص بسبب تخمة المعروض. القطاع البنكي مثقل بأكثر من 20 في المائة من القروض المتعثرة، وتديره شبكة مغلقة -من الدولة والمؤسسات العمومية والبنوك العمومية- تزاحم القطاع الخاص على الائتمان حتى تكاد تخنقه. وفي سوق الصرف، يتداول الدينار في السوق الموازية بخصم يتجاوز 60 في المائة عن سعره الرسمي، وهو رقم يغني عن ألف تقرير، لأن الشعوب حين تسعر عملتها في الشارع لا تستشير وزارة المالية. بل إن “أليانز تريد” ذهبت، بلغتها المؤسسية الباردة، إلى ما لم يجرؤ عليه كثيرون، فكتبت أن الجزائر تسير في مسار شبيه بما سبق أزمة 2014-2016، بما يبرهن على فشل النموذج الاقتصادي للنظام الحالي. حين تكتب شركة تأمين ألمانية عبارة “فشل النموذج الاقتصادي للنظام” في تقرير موجه للمستثمرين، فذلك ليس رأيا بل تسعيرة.
وهنا نصل إلى الشعار الذي بني عليه الخطاب الاقتصادي الرسمي منذ سنوات، شعار “صفر ديون خارجية” الذي يرفعه الرئيس تبون في كل مناسبة بوصفه معجزة السيادة. قال الرجل حرفيا إن الجزائر “لن تلدغ من الجحر مرتين”، وإن اللجوء إلى المديونية يعني أن “تطأطئ الرأس”، وإنه “ممنوع أن نرهن سيادة الجزائر”، بل ربط بقاء البلاد بلا ديون بقدرتها على الدفاع عن القضايا العادلة. خطاب جميل، لولا تفصيل صغير: صاحبه دفنه بيده. ففي فبراير 2026، خرج الرئيس نفسه ليعلن التوجه نحو قرض يفوق ثلاثة مليارات دولار من البنك الأفريقي للتنمية، لتمويل خط السكة الحديدية بين المنيعة وتمنراست. وفي الأسبوع نفسه تقريبا، تحولت الأبواق الإعلامية الرسمية، التي كانت بالأمس تصف الاستدانة بالخيانة، إلى شرح فضائل “المديونية كأداة استراتيجية للرافعة المالية والتنموية” و”التمويل الذكي الذي لا يمس السيادة”. هكذا، وفي غضون أيام، انتقلت الاستدانة الخارجية في القاموس الرسمي من عار وطني إلى عبقرية تدبيرية، دون أن يكلف أحد نفسه عناء تفسير الانقلاب. والتفسير في الحقيقة بسيط ومكتوب في دفتر الأرقام أعلاه: شعار “صفر ديون” لم يكن يوما سياسة اقتصادية، بل كان مجرد اسم حركي لعائدات النفط والغاز المرتفعة، فلما تراجعت العائدات تراجع الشعار معها، وظهر أن السيادة المزعومة كانت مؤشر أسعار في بورصات الطاقة لا أكثر.
لكن الأخطر من سقوط الشعار هو ما كان يخفيه طوال هذه السنوات. فالامتناع عن الاستدانة الخارجية لم يعن قط أن الدولة الجزائرية لا تستدين، بل عنى أنها تستدين من الداخل، من بنوكها العمومية المنهكة ومن جيوب مواطنيها. أول إصدار للصكوك المحلية مطلع 2026 جمع 2.3 مليار دولار، امتصت من سوق مصرفية خمس محفظتها الائتمانية المتعثرة أصلا. وقبل ذلك، حين ضاقت السبل بين 2017 و2019، لم يتردد النظام في تشغيل المطبعة النقدية مباشرة تحت مسمى “التمويل غير التقليدي”. وهذه هي الحلقة المفرغة التي يوثقها التصنيف الجديد: عجز يقارب 12 في المائة لا يمكن تمويله إلا محليا؛ وتمويل محلي بهذا الحجم يزاحم الاقتصاد المنتج على الائتمان ويضغط على الدينار؛ ودينار مضغوط يرفع كلفة واردات بلد يستورد قوته وآلاته ودواءه. صحيح أن التضخم الرسمي منخفض اليوم عند حدود 2 في المائة، ويسوقه الرئيس بوصفه “معجزة اقتصادية”، لكن هذا الانخفاض نفسه هش ومصطنع، تصنعه الأسعار المدعمة والإدارية وقيود الاستيراد المفروضة منذ صيف 2025. أما الحقيقة فمكتوبة في فجوة الستين في المائة بين السعرين الرسمي والموازي، وهي ليست سوى تضخم مؤجل، فاتورة محررة لم تقدم للدفع بعد. وحين يحين موعد الدفع، سواء عبر خفض رسمي لقيمة العملة أو عبر عودة اضطرارية إلى التسييل النقدي، فإن الفجوة الصامتة ستتحول إلى تضخم معلن يضرب القدرة الشرائية التي يقوم عليها العقد الوحيد الذي يربط النظام بمجتمعه: شراء السلم الأهلي بالريع. وريع يتراجع إنتاجه وأسعاره معا لا يشتري سلما لمدة طويلة، وهو ما يجعل تبعات هذا المسار سياسية بامتياز، لا اقتصادية فقط كما توحي لغة التقارير.
وثمة مفارقة أخيرة يغفل عنها من يظن أن باب الاستدانة الخارجية سيظل مفتوحا بانتظار قرار سيادي كريم من القصر. فالجزائر بلد بلا تصنيف سيادي أصلا لدى الوكالات الثلاث الكبرى، لأنها غابت عن أسواق الدين الدولية منذ التسعينيات، وغياب التصنيف ليس وسام شرف كما يوحي الخطاب الرسمي بل عقوبة مؤجلة: بلد بلا سجل ائتماني حديث، وبلا منحنى عائد مرجعي، وبأساسيات متدهورة موثقة لدى كل مقرض محتمل، سيدفع حين يطرق باب الأسواق علاوة مخاطر مركبة، علاوة الجهل بالمقترض فوق علاوة هشاشته. والسنغال المجاورة تقدم درسا قاسيا في سرعة انقلاب الأسواق، فسنداتها المستحقة في 2031 تداولت عند 61 سنتا للدولار، أي أن المقرضين يسعرون عمليا خسارة أربعين في المائة من أموالهم. أما القنوات الميسرة كقرض البنك الأفريقي للتنمية فمحدودة السقف بطبيعتها، ولا تسد عجزا سنويا بعشرات المليارات. وفي انتظار ذلك كله، بدأ الأثر الفوري للتصنيف يسري في الشرايين التجارية للبلد منذ اليوم: كلفة تأمين الصادرات نحو الجزائر ترتفع، وشروط الموردين تتشدد نحو الدفع المسبق وخطابات الاعتماد المؤكدة الأغلى، وكل ذلك يضاف في نهاية المطاف إلى فاتورة المستهلك الجزائري. الباب الذي أغلقه النظام تفاخرا سيجده موصدا حين يحتاجه اضطرارا، ولن يفتح إلا بثمن باهظ.
ويبقى في خريطة “أليانز تريد” للقارة درس أعمق من حالة الجزائر نفسها. فالدول الأربع التي تقدم دائما في الأدبيات الاقتصادية بوصفها أكبر اقتصادات أفريقيا، جنوب أفريقيا ومصر ونيجيريا والجزائر، تجتمع اليوم كلها في فئة المخاطر الحساسة، بينما ينفرد المغرب، وهو أصغر منها جميعا بمقياس الناتج الداخلي الخام، بالمنطقة منخفضة المخاطر وحيدا على مستوى القارة بأسرها، بفضل نمو متين ودين متراجع وعجز مضبوط وسياسة نقدية حذرة، ودون أن يجامله التقرير الذي سجل عليه صراحة تحدي بطالة الشباب المرتفعة. وثماني دول فقط، بينها بوتسوانا وساحل العاج وبنين ورواندا، تحتل فئة المخاطر المعتدلة. هذا التوزيع يطرح سؤالا منهجيا يتجاوز الجغرافيا: ماذا يساوي لقب “أكبر اقتصاد” إذا كان حامله عاجزا عن طمأنة مورد بسيط إلى أن فاتورته ستسدد؟ الناتج الداخلي الخام يقيس الكتلة لا الصحة، وكتلة منفوخة بالمحروقات أو بعدد السكان قد تصنع رقما مهيبا في جداول الترتيب، لكنها لا تصنع ثقة ولا ملاءة ولا عملة حقيقية. ما تقيسه “أليانز تريد” هو الجودة، جودة المالية العمومية وشفافية الميزانية وصدقية المؤسسات، وبهذا المنظار تنقلب الخريطة رأسا على عقب، فيصبح “الكبار” الأربعة عبئا على دائنيهم، ويصبح الاقتصاد متوسط الحجم الذي راكم صدقيته فاتورة بفاتورة، هو الملاذ الآمن الوحيد للاستثمار في القارة. الحجم يطمئن كتاب الخطب الرسمية، والجودة تطمئن من يوقعون الشيكات، والمسافة بين الاثنين هي بالضبط المسافة بين الدعاية والاقتصاد.
في المحصلة، لم تفعل “أليانز تريد” في يونيو 2026 سوى أنها وضعت رقما على حقيقة يعيشها الجزائريون في طوابير العملة الصعبة وأسعار السوق الموازية منذ سنوات. النظام الذي رفع “صفر ديون” شعارا للسيادة اكتشف أن الشعار كان مكتوبا بحبر النفط، وأن الحبر بدأ يجف. والدرس الأهم هو: الدولة التي تفاخر عقودا بأنها لا تدين لأحد بشيء، انتهت مدينة للجميع بالتفسير، ولشعبها بالحساب.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير