بقلم: هيثم شلبي
في 17 يونيو 2026، أشرف الفريق أول السعيد شنقريحة على تنصيب اللواء حميد فكان رئيساً لدائرة الاستعمال والتحضير لأركان الجيش الوطني الشعبي، خلفاً للواء بلقاسم حسنات. البيان الرسمي جاء بالصياغة المعتادة: “باسم السيد رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني”. تبون كالعادة حاضر بالاسم والمرسوم، غائب عن المشهد والقرار. أما الرجل الذي يُنصّب ويُعزل ويُوجّه ويأمر، فكان كالعادة واحداً.
ثلاث قطع في ثمانية أشهر
لفهم ما جرى في يونيو 2026، لا بد من استحضار السياق الأوسع. في ديسمبر 2025، أشرف شنقريحة على تنصيب العميد عباس إبراهيم مديراً مركزياً لأمن الجيش، الجهاز المختص بمراقبة العسكريين أنفسهم والتدقيق في ولاءاتهم. في مايو 2026، أشرف شنقريحة على تنصيب اللواء منير زاهي مديراً عاماً للأمن الداخلي، الجهاز المعروف بالشرطة السياسية للنظام، بعد أن أزاح “الجنرال حسان” من المنصب بعد أشهر قليلة فقط من إعادة اعتباره. والآن في يونيو 2026، يُتمّ شنقريحة المثلث بتغيير رئيس دائرة الاستعمال والتحضير، أي مكتب العمليات الجامع لتحركات كل القوات البرية والجوية والبحرية.
ثلاثة تعيينات في ثمانية أشهر، تطال بالتحديد ثلاثة أجهزة لا يمكن لمن يريد الهيمنة الفعلية على الجيش أن يتجاهل أياً منها: من يراقب العسكريين، من يُدير الاستخبارات السياسية الداخلية، ومن يتحكم في الأوامر العملياتية لحركة السلاح والجنود. لو رسمتَ مثلثاً على خريطة السلطة العسكرية الجزائرية، لوجدت شنقريحة يضع رجاله في زواياه الثلاث بعناية صائغ لا تعجله.
حميد فكان: صناعة شنقريحة الأكاديمية
لا يُفهم تعيين حميد فكان بمعزل عن المسار الذي صنعه. في مارس 2022، انتشله شنقريحة من الصفوف الخلفية ليُعيّنه مديراً للمدرسة العليا الحربية، المؤسسة الأكاديمية التي تصيغ العقيدة الاستراتيجية للضباط السامين وتُنتج الجيل القادم من قيادات الجيش. أربع سنوات في هذا الكرسي تعني شيئاً واحداً: من مرّ بهذه المدرسة في عهد فكان، تلقّى العقيدة التي يريدها شنقريحة، وخرج ببصمة ولاء واضحة الانتماء.
هذا ليس نهجاً عشوائياً. إنه منطق الاستثمار طويل الأمد في رأس المال البشري العسكري: ابنِ الرجل أكاديمياً، اجعله يُشكّل العقول، ثم ضعه في غرفة القرار. حين يصدر الأمر بتحرك كتيبة أو نشر وحدة أو رفع درجة الجاهزية على حدود بعينها، يكون من يتلقى هذا الأمر ومن يُنفّذه قد تشرّبا العقيدة ذاتها من مصدر واحد.
ماذا تعني دائرة الاستعمال والتحضير فعلاً؟
في الجيوش الأوروبية يُسمّى ما يقوم به هذا الجهاز “المكتب الثالث”، وهو أكثر المكاتب سرية وأثراً في منظومة القيادة. في الجزائر، هذه الدائرة هي المسؤولة عن تحديد من يتحرك وإلى أين ومتى وبأي سلاح. هي التي تُفعّل أوامر الحشد أو الانسحاب. هي التي تُنسّق بين القوى البرية على الحدود الجنوبية الملتهبة مع منطقة الساحل والحدود الغربية مع المغرب والحدود الشرقية مع ليبيا.
لم يكن من قبيل الصدفة أن يتذكر المحللون العسكريون دائماً أن هذا المنصب سبق أن أشغله اليمين زروال قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية، وأشغله قبله محمد العماري قبل أن يصبح رئيساً للأركان. المنصب لا يصنع الرجال فحسب، بل يُعدّهم لأعلى مراتب السلطة. ومن يضع في هذا الكرسي رجلاً من صنع يديه يُؤمّن ما هو أبعد من اليوم.
بروتوكول الإزاحة: إعادة الاعتبار ثم الإقصاء
القصة الأكثر إثارة في هذه السلسلة ليست قصة فكان، بل قصة من أُزيح لصالحه، اللواء بلقاسم حسنات. هذا الأخير لم يُعيَّن في دائرة الاستعمال والتحضير في نوفمبر 2021 مصادفةً؛ كان قد شغل قبلها منصب المفتش العام للحرس الجمهوري وله ارتباطات بمنظومة المخابرات الحربية. حين جاء تبون للسلطة، جيء بحسنات كتوازن أو إرضاء لجناح ما. والآن، بعد أكثر من أربع سنوات، يُزاح بهدوء ليحلّ محله رجل شنقريحة الأكاديمي.
النمط نفسه تكرر مع “الجنرال حسان”: أُعيد اعتباره في مايو 2025 ثم أُقصي في مايو 2026 بعد اثني عشر شهراً بالضبط. وتكرر مع عبد القادر حداد “ناصر الجن” الذي عُيّن ثم وجّهت إليه ملاحقة قضائية عسكرية قبل أن يُستبدل بالجنرال حسان ذاته. منذ تسلم تبون الحكم، شهد جهاز الأمن الداخلي وحده ستة قادة مختلفين. ستة في سبع سنوات لأحد أكثر الأجهزة حساسية.
هذه ليست إدارة، هذا توليد مستمر للهشاشة المُتحكَّم بها. حين لا يشعر أي مسؤول أمني باستقرار منصبه، يبقى في حالة تبعية دائمة لمن بيده قرار الإبقاء أو الإزاحة. وهذا الرجل ليس تبون.
مرسوم رئاسي بلا رئيس
الجزء الأكثر مفارقةً في كل هذه التعيينات هو تلك الصيغة الثابتة التي تفتتح كل بيان: “باسم السيد رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني”. تبون يحمل ثلاثة ألقاب تجعله نظرياً رأس الهرم العسكري بلا منازع. غير أن الوقائع تُشير إلى نمط مختلف تماماً: من يُشرف على التنصيب هو شنقريحة، ومن يُسدي التعليمات للضباط الجدد هو شنقريحة، ومن يُصادق على محضر تسليم السلطة هو شنقريحة، وهذا بالضبط (تعيين شنقريحة في منصب الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني) هو الشرط الذي وضعه شنقريحة على طاولة الرئيس تبون خلال الانتخابات الأخيرة ثمنا لقبوله تزكية تبون لولاية ثانية، وقد قبله تبون. تبون في هذه المشاهد كالختم الذي لا يُحرّك القلم لكنه يُضفي على الورقة صفة الرسمية.
يتذكر المتابعون للشأن الجزائري أن تقارير عدة صدرت مطلع 2026 تصف تبون بأنه أصبح “شخصية شبه بروتوكولية”، تعمل تحت وصاية غير معلنة. هذه التقارير قد تبالغ في التوصيف، لكن الوقائع الموثقة لا تُكذّبها.
ما الذي يُرتّب له شنقريحة؟
ثمة سؤال لا يطرحه إعلام النظام الجزائري ولا يريد أن يُقرّب منه: ما الذي يجعل رئيس الأركان البالغ من العمر ثمانين سنة يُعيد رسم خارطة السيطرة الداخلية للجيش بهذه السرعة وبهذا الدقة عشية انتخابات 2 يوليو 2026؟
الجواب المنطقي هو أن شنقريحة يبني حصناً، لا عقيدة دفاعية. الانتخابات التشريعية في مثل هذه الأنظمة ليست انتخابات بالمعنى الحرفي؛ إنها عملية ترتيب مؤسساتي تحدد من يُسيطر على البرلمان ومن تُسمع كلمته في هيئات الدولة لخمس سنوات قادمة. من يملك مفاتيح الأجهزة العسكرية والأمنية في موسم كهذا يملك في الواقع ما هو أثمن من الأصوات.
وقد أتمّ شنقريحة اليوم جمع مفاتيحه الثلاثة: من يراقب، من يُدير الملفات السياسية الداخلية، ومن يُحرّك القوات. المثلث مُكتمل.
الدرس الذي لا تتعلمه الجزائر
في الأنظمة الديمقراطية، تُقابَل هيمنة رجل واحد على ثلاثة أجهزة بهذا الحجم الحساسية بنقاشات برلمانية ورقابة مستقلة وصحافة تُساءل. في الجزائر، يُقابَل بملف في الجريدة الرسمية وبيان وزاري مُعلَّب.
الجيش الجزائري يُنفق ما يتجاوز 27 مليار دولار سنوياً، ويستأثر بخمس الميزانية الإجمالية للدولة، ويتولى رئيس أركانه إدارة منظومة أمنية كاملة بلا رقابة مستقلة وبلا شفافية مؤسساتية. في هذا السياق، مرسوم رئاسي “باسم تبون” ليس ضمانة مؤسساتية؛ هو في أحسن الأحوال إيصال إداري يُثبت أن المعاملة مرّت من المكتب الصحيح.
حميد فكان في غرفة العمليات، ومنير زاهي في الاستخبارات الداخلية، وعباس إبراهيم في أمن الجيش. ثلاثة رجال لشنقريحة في ثلاثة مفاصل لا يمكن الحكم بدونها. يبقى السؤال المعلق: هل هذه إعادة هيكلة للمؤسسة، أم إعادة هيكلة للسلطة التي تقف وراءها؟
في الجزائر، السؤالان لا يختلفان كثيراً.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير