بيروقراطية الندرة: حين تصبح الجمارك الجزائرية سلاحاً ضد المواطن!

بقلم: هيثم شلبي

لا يكاد يمر شهر في الجزائر إلا ويُولد قرار جديد يرتدي زي “الإصلاح الاستراتيجي الكبير”، ويُزيَّن بعبارات السيادة الاقتصادية وحماية المستهلك ومحاربة عصابات الاستيراد، ثم لا يلبث أن يتبخر أثره الإيجابي في ضجيج الإعلام الرسمي، فيما تتعمق آثاره السلبية تدريجياً في الأسواق ويومياً في جيوب المواطنين. أحدث هذه المنتجات من مصنع القرارات العسكرية-الاقتصادية هو ما أطلقت عليه الحكومة الجزائرية اسم “النظام الوطني المتكامل لمراقبة الحدود والسلع المستوردة”، وهو مسمى يستحق وقفة من النوع الذي يفرق فيه بين ما يُقال وما يُراد قوله.

وراء الواجهة اللامعة: ما الذي يُراد فعلاً؟

لو استأنسنا بمنطق الأشياء ونظرنا إلى هذا القرار دون المرور بمرشح البيانات الرسمية، لوجدنا أمامنا معادلة بسيطة: النظام العسكري الجزائري يعاني من ضغط مزمن على احتياطياته من العملة الصعبة، ولا يملك من الجرأة السياسية ما يكفي للاعتراف بذلك صراحةً، فيلجأ إلى ما يجيده: اخترع الحلول البيروقراطية التي تُنجز الهدف المطلوب دون إعلانه. إن تشديد الرقابة الجمركية بآليات معقدة ومتشعبة ليس تدبيراً تقنياً لضبط الجودة، بل هو ما يمكن تسميته بـ”سياسة التثبيط الهادئ”: إثقال كاهل المستوردين بإجراءات ماراثونية ومصاريف تأخير مضاعفة حتى يعزفوا طوعاً عن الاستيراد، دون أن تضطر الحكومة لإصدار قرار منع صريح يضعها في مواجهة محرجة مع منظمة التجارة العالمية، أو يستدعي ردود فعل شركائها الأوروبيين.

إنها سياسة قديمة في أساليب الاقتصاد السياسي المقيد: حين لا تستطيع أن تقول “لا” بصوت عالٍ، تقولها بطابور طويل وختم متأخر.

سردية “عصابات الاستيراد”: الإلهاء المُتكرر

لسنوات، دأبت أجهزة الدعاية الجزائرية على تقديم كل مستورد في صورة المتآمر المحتمل على “العملة الصعبة للشعب”، وأُشبعت الخطب الرسمية بعبارات “نزيف الاحتياطيات” و”الثروات الهاربة” و”شبكات المافيا الاقتصادية”، في استثمار شعبوي مكرر يُحيّد النقد ويُلصق بكل معترض تهمة الدفاع عن “ضاربي الاقتصاد الوطني”.

غير أن هذه السردية تصطدم بسؤال محرج: إذا كانت الجزائر تخوض منذ عقد كامل حرباً مقدسة ضد “عصابات الاستيراد”، فلماذا لم تزدهر الصناعة المحلية البديلة؟ ولماذا لا تزال الأسواق الجزائرية تعاني من شح دوري مُتكرر في المواد الغذائية الأساسية وقطع الغيار والأدوية؟ الجواب الأقرب إلى المنطق أن الحرب المُعلنة كانت دائماً على الاستيراد ذاته، لا على الفساد فيه، والفرق جوهري. الاستيراد في أي اقتصاد سوي ليس عِلّة تحتاج علاجاً، بل هو أداة تكامل وشريان تموين، لا يصح وصفه بـ”الجريمة” إلا في خطاب السلطة التي تعجز عن بناء اقتصاد إنتاجي حقيقي فتصرف الأنظار عن عجزها بمحاكمة من يملأ الفراغ.

الاقتصاد الجزائري: مصانع تجميع تحت الحصار الذاتي

الدعوى الرسمية تقول إن تقليص الاستيراد يفسح المجال أمام المنتج الوطني للنمو والتوسع. وهي دعوى تبدو منطقية لمن لا يعرف البنية الهيكلية للصناعة الجزائرية، لكنها تنكشف زيفاً حين تُفحص على أرض الواقع. فأغلب ما يُسمى “الصناعة الوطنية” في الجزائر هو في حقيقته مصانع تجميع وتعبئة تعتمد في نسبة لا تقل عن ستين إلى ثمانين بالمئة على مدخلات ومواد خام وقطع غيار مستوردة. وهذا يعني أن أي تضييق جمركي يُصيب الاستيراد يُصيب بالتبعية هذه المصانع في العمق، ويُعطل سلاسل إمدادها، ويهدد خطوط إنتاجها. والنتيجة المعاكسة للوعد الرسمي: لا السلع الأجنبية تتدفق، ولا السلع المحلية تصمد لتغطية الطلب، ويبقى المواطن بين فكيّ الندرة المزدوجة.

إن الإصرار على رؤية هذا الاقتصاد باعتباره “إنتاجياً” يحتاج فقط “حمايةً من المنافسة الخارجية” يشبه تماماً ادعاء أن جهازاً يعمل بمحرك مستورد يمكن أن يستمر في الدوران بعد قطع مصدر الوقود عنه، شريطة أن نعلن بثقة أننا نحمي الطاقة المحلية.

البنية التحتية الغائبة: ورقة التوت التقنية

ما يزيد هذا النظام العسكري هشاشةً وكشفاً لنواياه الحقيقية هو ما يصمت عنه الإعلام الرسمي بعناية: أين المختبرات المرجعية المعتمدة التي ستُجري تحاليل مطابقة المعايير؟ وأين الكوادر التقنية المؤهلة القادرة على الفحص الدقيق بالسرعة الكافية؟ وأين الرقمنة التي تمنع تحول المراكز الجمركية إلى مناطق رمادية يُدار فيها “الإذن” بالسماح وفق معايير أخرى لا علاقة لها بالجودة؟

في غياب هذه المقومات، يتحول “النظام المتكامل” إلى ما يشبه إنشاء بوابة فخمة بلا طريق خلفها. الشحنات ستتراكم في الموانئ وعلى الحدود، وغرامات التأخير ستتضاعف، وسيُنقل عبؤها إلى أسعار التجزئة مباشرة. والباب أمام الفساد الإداري سيُفتح بمفتاح التعليمات السياسية التعجيزية: حين لا يكون بالإمكان تجاوز الحاجز بالإجراءات، تُمرره الرشوة، وتلك معادلة لم يخترعها النظام الجزائري لكنه صقلها حتى أصبحت فناً.

الجوهر الحقيقي: الذعر من نفاذ الريع

لا تفهم هذه السياسات بمعزل عن المنطق الأعمق الذي يُحرك القرار الاقتصادي في الجزائر. فالنظام العسكري الجزائري يدير اقتصاداً ريعياً بامتياز، يرتبط مصيره السياسي مباشرةً بقدرته على توزيع الريع النفطي والغازي بما يكفي لتخدير الشارع وإسكات المطالب. وحين تنخفض أسعار النفط، أو تتآكل الاحتياطيات، لا يُبادر النظام إلى إصلاح حقيقي يفتح الباب أمام الاستثمار الخاص ويُحرر الاقتصاد من قيود المنظومة العسكرية-البيروقراطية، بل يسعى أولاً إلى تقليص ما يخرج من العملة الصعبة بأي وسيلة متاحة، ولو كانت على حساب ما يدخل إلى أفواه المواطنين ومعاملهم.

ولعل في هذا السياق ما يُفسر ظاهرة لافتة: الجزائر، بكل ثرواتها الهيدروكربونية التي تشير التقديرات الدولية المستقلة إلى أنها أبقت الاحتياطيات من العملة الصعبة في نطاق يتراوح بين خمسين وسبعين مليار دولار خلال السنوات الأخيرة، عاجزة عن توفير استقرار في أسعار المواد الغذائية، وتعيش حالة من الشح الدوري الذي يضرب قطاعاً بعد آخر. ليس هذا فشلاً عرضياً، بل هو نتيجة حتمية لاقتصاد يُدار بعقلية الحصن المحاصر لا بعقلية الدولة المنفتحة.

خاتمة: طوابير تفضح الخطاب

حين تُعلن السلطة الجزائرية عن “نظام وطني متكامل” يحمي السيادة الاقتصادية ويُحارب مافيا الاستيراد، يكفي أن تنظر في اليوم التالي إلى طوابير المحلات التجارية، وأسعار الخضار في أسواق التجزئة، وشُح الدواء في الصيدليات، لتعرف المسافة الحقيقية بين البيان الرسمي وواقع الحال.

الأمن الاقتصادي لا يُبنى بإقامة الحواجز، بل يُبنى بتوسيع الآفاق. ولا يتحقق بمنح الجمارك صلاحيات بوليسية، بل بتهيئة بيئة استثمارية تستقطب رأس المال وتُنتج السلعة بدلاً من استيرادها. ولا يُصان بتحويل كل مستورد إلى متهم مفترض، بل بإصلاح هيكلي حقيقي يُفكك الاحتكارات العسكرية للاقتصاد ويُطلق طاقات القطاع الخاص.

ما أعلنه النظام العسكري الجزائري ليس نظاماً للمراقبة، بل هو نظام لتأجيل الاعتراف بأزمة لم تعد قابلة للتأجيل. وقد جرت العادة في مثل هذه الأنظمة أن الاعتراف حين يأتي لا يأتي في شكل بيان رسمي، بل في شكل واقعة يصعب إخفاؤها.

اقرأ أيضا

بخور روما لن يبدد رائحة عفن زنازين عنابة: الجزائر والبابا وتجارة الصورة!

ثمة سؤال بسيط يطرح نفسه على من يتابع الإعلام الرسمي الجزائري هذه الأيام: هل زيارة البابا ليو الرابع عشر للجزائر حدثٌ ديني تاريخي، أم هي "صك غفران" دبلوماسي بالجملة؟ الإجابة، للأسف، أقرب إلى الثانية منها إلى الأولى، لا لأن الزيارة لا قيمة لها في ذاتها، بل لأن النظام العسكري الجزائري قرر أن يستأجر العربة البابوية لأغراض لا علاقة لها بالإيمان.

مراجعة أبريل 2026 في مجلس الأمن: الكابوس الذي يقضّ مضجع المرادية!

ليست المرة الأولى التي يجلس فيها النظام الجزائري أمام شاشة مجلس الأمن يراقب مراجعة أممية بقلق. لكن ما يجعل أبريل 2026 مختلفاً في الذاكرة الاستراتيجية للمرادية، هو أن القلق المعتاد تحوّل هذه المرة إلى شيء أقرب إلى الذعر الوجودي الذي يُشلّ القدرة على المناورة ويُضيّق هامش الخيارات إلى ما يكاد يكون أفقاً مسدوداً.

التصعيد القضائي ضد الناشط السياسي زغيلش يفاقم أزمة الحريات في الجزائر

دعت منظمة "شعاع لحقوق الإنسان" (تعمل في نطاق حدود الجزائر ومقرها الرئيسي في لندن)، السلطات الجزائرية إلى الوقف الفوري لكافة أشكال المتابعات القضائية ذات الطابع التعسفي ضد الناشط السياسي والصحفي عبد الكريم زغيلش؛ وضمان احترام حقوقه الأساسية، وعلى رأسها حقه في حرية التعبير.