هل يمكن بناء الجزائر “الجديدة” بأدوات الجنرال توفيق “القديمة”؟!

بقلم: هيثم شلبي

مباشرة بعد إنهاء الحراك الشعبي الجزائري، الذي خرج فيه ملايين الجزائريين إلى الشوارع، على مدى عام كامل، للمطالبة بإسقاط النظام العسكري الذي يدير البلاد منذ استقلالها “الصوري” عن فرنسا، تم رفع شعار “الجزائر الجديدة” من أجل الإيحاء بتحقق المطالب الشعبية بإسقاط نظامهم القديم، واستبداله بنظام جديد يشبه باقي الأنظمة الحديثة. وكدليل على ولادة ما أسموه النظام الجديد، تمت التضحية ببعض الرموز المدنية من قبيل الرجل القوي السعيد بوتفليقة، وبعض المقربين منه كالوزيرين الاولين أحمد أويحيى وعبد المالك السلال؛ ولتدعيم هذه الرواية، تم الزج بقرابة ثلاثين جنرالا في السجن، كانت الصلة المشتركة بينهم قربهم من رئيس هيئة الأركان أحمد قايد صالح، الرجل الأقوى في النظام “القديم”، والذي قضى بطريقة غامضة جعلت هناك ما يشبه الإجماع على أنه قد تم اغتياله!

وقد تكفل بكتابة شهادة ميلاد “الجزائر الجديدة” كلا من خليفة القايد صالح الجنرال السعيد شنقريحة، والرئيس “الصوري” عبد المجيد تبون، ليعقب ذلك سلسلة من عشرات التغييرات في قمة هرم المؤسسة الأمنية (المخابرات)، لتستقر على إخراج بضع جنرالات من “الاستيداع”، وبعضهم من السجون، مع رابط مشترك بينهم كونهم من رجالات الجنرال القوي محمد مدين (توفيق) المقربين، ليعلن رسميا عن عودة هذا الجنرال القوي إلى حكم الجزائر الجديدة!!

هذا الهيكل الثلاثي المكون من رئيس قديم تدرج في مختلف المسؤوليات في ظل النظام القديم، ورئيس هيئة الأركان القديم شنقريحة الذي تنقل بين مختلف مناصب المسؤولية في الجيش، ورئيس المخابرات القديم الجنرال جبار مهنا رئيس المخابرات الخارجية، الذي تقلب بدوره في مختلف المناصب لاسيما رئاسة مخابرات أمن الجيش، يظهر بجلاء أن مهمة بناء “الجزائر الجديدة” قد أسندت إلى قيادات في نهاية السبعينيات من عمرها، والأهم، أنهم من أبرز عناصر الجزائر القديمة، دون ان يهتموا بالتناقض الصارخ بين المهمة ومن تكفل بإنجازها. تناقض أسهم في إعاقة ولادة أي ملمح لهذه الجزائر الجديدة، وأسهم بشكل أساسي في خلو ولاية تبون كاملة من أي إنجاز يذكر.

بل إن استمرار الصراعات بين الأجنحة الثلاثة، وتحديدا بين شنقريحة وتوفيق (عبر مهنا) لم يحسم حتى اللحظة، مع الانفصال التام بين الرجلين وباقي قيادات الصف الثاني في المؤسستين العسكرية والأمنية، وحرص الرجلين على محاولة السيطرة على جناح الرئيس الضعيف تبون، من أجل الاحتفاظ بالكلمة العليا في النظام.

آخر فصول هذا الصراع كانت استكمال سيطرة الجنرال جبار مهنا على جهاز الأمن الداخلي، بعد أن تم تثبيت أحد رجالات الجنرال توفيق المدعو عبد القادر حداد، الملقب بـ “ناصر الجن” رسميا على رأس الجهاز قبل بضعة أيام.

وجود مهنا وحداد في جهازي المخابرات الأبرز، وامتلاك مهنا لرجالات مخلصة في جهاز مخابرات أمن الجيش (المخابرات العسكرية) الذي ترأسه لسنوات طويلة، على الرغم من وجود الجنرال محرز جريبي على رأسه، والذي جاء به شنقريحة عندما كان يسعى لضم هذا الجهاز لسلطته، يوحي بأن الجنرال المتقاعد توفيق قد أعاد لملمة شتات جهاز المخابرات بفروعه الثلاثة تحت سيطرته، بعد الدمار الذي ألحقه به الرئيس السابق للجيش الجنرال القايد صالح. أمام هذا المتغير، يبدو الجنرال مهنا -ومن ورائه الجنرال توفيق- في مظهر رجل النظام الأقوى، رغم الهالة المحيطة بقائد الجيش الجنرال شنقريحة، الذي لم يعد يمتلك من أوراق القوة الأخرى سوى سيطرته على جهاز الدرك الوطني عبر رئيسه الجنرال علي يحيى اولحاج، لاسيما مع استعصاء قائد الحرس الجمهوري الجنرال بن علي بن علي عليه.

الصراع حاليا يشتد حول منصب الرئيس الذي لا يخفى على أحد مدى معارضة الجنرال مهنا -تبعا لرؤية الجنرال توفيق- لمنح الرئيس الضعيف تبون عهدة ثانية. موقف يوجد حاليا في طور المراجعة، حتى لا يترك تبون فريسة سهلة للجنرال شنقريحة الذي يلوح له بورقة العهدة الثانية من أجل كسب ولائه، ليمتلك طبقة حماية ثانية غير تلك التي يمنحها إياه منصبه، أملا في إبعاده عن المصير المعروف لمن سبقوه: الاغتيال أو السجن.

ولعل تسريب محاولة اغتيال مفترض للجنرال شنقريحة قبل ساعات، وصدور ترشيح تبون لعهدة ثانية من رجل المخابرات المخلص عبد القادر بنقرينة رئيس حركة البناء الوطني، دليل على انتقال المخابرات إلى السرعة القصوى في محاولة تنحية شنقريحة من جهة، والكسب النهائي لجناح الرئاسة من جهة أخرى؛ تمهيدا “للانفراد” بالسيطرة المطلقة على قيادة النظام الجزائري في حلته الجديدة- القديمة!

مأزق المؤسسة الأمنية والعسكرية، وعجزها عن إنقاذ النظام الجزائري، ناهيك عن تجديده، يكمن في غياب ما يمكن تسميته بالصف الثاني من القادة.

فلا يزال الجنرالات السبعينيون، الذين يعاد معظمهم من التقاعد، هم المهيمنون على المؤسسات الحساسة، ولا تزال الوجوه التي أدارت العشرية السوداء تمسك بتلابيب النظام العسكري “فاقد الصلاحية والشرعية”، وتباعد بين الجزائريين والحلم بنظام جديد وعصري. طبقة فاسدة يعرف جميع أعضائها قانون اللعبة “الخالد”: الخروج من المنصب لا ينقل صاحبة إلا إلى السجن أو القبر!! لذلك، لا تهدأ لعبة التصفيات الجسدية والمعنوية، ولا تحمل الرتب العسكرية لأصحابها سوى حصانة مؤقتة وزائفة، يمكن أن تزول في أي لحظة.

هذا الوضع، يجعل من المستحيل الاتفاق على مشروع مشترك بين هذه الأجنحة المتصارعة، ويؤكد صعوبة ولادة الجزائر الجديدة، بل ولا حتى ترميم النظام القائم منذ الستينات. ومما يزيد من تأزم هذا الوضع، اشتراك جميع الجنرالات -علاوة على الجرائم في حق الجزائريين خلال العشرية السوداء- في الفساد المالي الذي لا يسلم منه أحد من قيادات الأجنحة الثلاثة (الجيش والمخابرات والرئاسة)، بحيث يمتلك قادة كل جناح “ملفات” فساد ثقيلة تجاه منافسيهم في الأجنحة الأخرى، ويؤكد أن الجزائر، لم تتم إدارتها كدولة منذ عقود طويلة، وإنما على طريقة “كارتيلات” المافيا، بكل تفاصيلها المرعبة.

أما باقي الدعايات الكاذبة التي يتكفل بها جهاز إعلام النظام، والانتصارات الوهمية السياسية والاقتصادية، والصور الخادعة التي تروج لقوة الجزائر العسكرية والدبلوماسية، فما هي إلا وسائل إلهاء للشعب الجزائري المغلوب على أمره، والذي لم يعد يهمه إلا اختفاء طوابير المواد الغذائية! ويبدو أن مظاهر الغضب التي تنتاب المواطنين قد بدأت تخرج عن السيطرة، عبر الاحتجاجات الشعبية -على قلتها- على تردي الخدمات كالتزود بالماء والكهرباء؛ وما شهده ملعب قسنطينة من أحداث عنف، لا يمكن بأي حال تبريرها بتعادل فريقين في كرة القدم!

كخلاصة، فإن رؤية الحراك الشعبي لا تزال هي الأسلم والأقرب للمنطق: بناء “الجزائر الجديدة” لا يمكن أن يتم قبل هدم الجزائر القديمة، ومن باب أولى، لا يمكن أن يتم بأدوات ورجالات الجزائر القائمة منذ الاستقلال “الصوري” عن فرنسا، مهما بالغت أبواق النظام الإعلامية في الترويج لأكاذيب هذا النظام، الذي يبدو -كما نرجو- أنه يعيش أيامه الأخيرة!!

اقرأ أيضا

الاتحاد الأوروبي يصفع الجزائر بسبب القيود على التجارة

باشرت بروكسل الجمعة إجراءات في حق الجزائر لاتهامها بفرض قيود منذ 2021 على صادرات الاتحاد الأوروبي واستثماراته على أراضيها، مطالبة ببحث المسألة مع سلطات البلاد. وأعلنت المفوضية الأوروبية في بيان أن "الاتحاد الأوروبي أطلق إجراء لتسوية الخلافات بحق الجزائر".

الجزائر

الجزائر تتراجع بمركزين في تصنيف السلام العالمي

تراجعت الجزائر بمركزين ضمن "مؤشر السلام العالمي" لسنة 2024، إذ حلت ثالثة في الترتيب المغاربي والـ90 على الصعيد العالمي.

السفير عمر هلال

أمام اللجنة الـ24.. السفير هلال يُشْهِدُ المنتظم الدولي والشعب الجزائري على نية النظام العسكري المبيتة ضد المغرب

في إطار استخدامه لحق الرد مرتين على إثر المداخلة المدبجة بالأكاذيب لسفير الجزائر لدى الأمم المتحدة، عمار بن جامع، خلال أشغال لجنة الـ24، أَشْهَدَ السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال،