أحزاب المعارضة الجزائرية والقاعدة الشعبية المفقودة

في هذا الأسبوع واصلت أحزاب المعارضة الجزائرية عمليات استكمال تفككها الداخلي التدريجي الذي ينذر باندثار بعضها، وبتحول بعضها الآخر إلى عبء سياسي في صورة كيانات مجهرية لا تأثير لها في الساحة السياسية والاجتماعية. ويعود هذا التفكك بالدرجة الأولى إلى عاملين إثنين؛ أولهما يتمثل في السيطرة المطلقة للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وحاشيته على المشهد السياسي رغم مرضه. أما العامل الثاني فيتلخص في الانشقاقات التي تتعرض لها هذه الأحزاب جراء انعدام الممارسة الديمقراطية فيها، حيث نجد عددا من رؤسائها يرفضون تداول الزعامة في أحزابهم على مدى أكثر من عقد أو عقدين من الزمان الأمر الذي جعلهم لا يختلفون قيد أنملة عن الرئيس بوتفليقة الذي ينتقدونه ويرفضون تشبثه بالحكم على مدى أكثر من عقدين ونصف العقد من الزمان.
صورة زعماء أحزاب المعارضة الجزائرية اهتزت أمام الرأي العام الوطني مما أفقدهم المصداقية والتعاطف والنفوذ والقدرة على الاستقطاب، ما أدى إلى الفشل في الانتخابات البرلمانية وفي انتخابات مجلس الأمة. والأدهى والأمر هو أن كل مؤسس حزب معارض يعتبر نفسه الزعيم الأوحد و يحول ذلك الحزب إلى ملكية خاصة ويطرد من صفوفه أي معارض له. وبهذا الخصوص يمكن لنا ضرب عدة أمثلة، زعيمة حزب العمال لويزة حنون تحكم حزبها منذ أكثر من عشرين سنة، ولم يشهد الرأي العام الجزائري أي تطور في مضامينه وفي أشكال ممارساته السياسية التي تتحكم فيها الأيديولوجية اليسارية الشعبوية المغرقة في التقليدية.
أما حزب القوى الاشتراكية الذي أسسه الراحل حسين آيت أحمد وسيره على مدى سنوات طويلة من موقعه بسويسرا فقد بقي بدوره يلوك أفكارا اشتراكية تقليدية في خطاباته الرنانة، أما في الممارسة فإنه يتجنب الدخول في صراع مبدئي حقيقي مع النظام الجزائري الذي ثبت ولا يزال يثبت الرأسمالية الاستغلالية المتوحشة في البلاد.
إلى جانب ما تقدم فقد شهد هذا الحزب، في السنوات الأخيرة، صراعات داخلية ذات طابع شخصي في الغالب أدت إلى استقالة بعض قياداته، وإلى تمرد عدد من إطاراته المعروفة بالكفاءة وفضلت الخروج من صفوفه والشروع في تأسيس كيانات حزبية صغيرة لم تحصل بعد على الترخيص من وزارة الداخلية وهي في وضعها الحالي الهش لا تأثير لها في السياسة الوطنية.

إقرأ أيضا: الجزائر والأفق السياسي المبهم؟!

وتتمثل إحدى مشكلات حزب القوى الاشتراكية الكبرى في ضبابية أيديولوجيته، وعدم تجديدها وعدم تطوير مضامينها الفكرية التي أدركتها الشيخوخة، وفي انعدام الإيمان بالاشتراكية كبديل لرأسمالية النظام الحاكم، لدى قياداته الأساسية، وفي إلصاق الجهوية به من طرف السلطة واعتباره حزبا جهويا سنده منطقة الأمازيغ بشمال الجزائر (محافظة تيزي وزو ومحافظة بجاية) وذلك رغم أدبياته الشكلية التي تعلن في المناسبات أنه حزب وطني وليس محصورا في المنطقة المذكورة آنفا.
وفي الواقع فإن إنشاء حزب التجمع من الثقافة والديمقراطية (الارسيدي) بقيادة سعيد سعدي لعب دورا مفصليا في إضعاف حزب القوى الاشتراكية في المنطقة الأمازيغية على نحو خاص، علما أن حزب (الارسيدي) انطفأ نجمه ولم يعد يحرك سكان منطقة الأمازيغ بعد سحب النظام الحاكم للبساط من تحت أقدامه بإدراج اللغة الأمازيغية لغة وطنية، ثم ترسيمها كلغة وطنية إلى جانب اللغة العربية في الدستور المعدل.
أما الأحزاب الإسلامية فلا تزال الانقسامات تتواصل فيها أيضا، وهي مقيدة بتراث جبهة الإنقاذ الإسلامية المحظورة من ممارسة النشاط السياسي من جهة، وبالواقع السلبي للحركات الإسلامية في العالم العربي بالمشرق من جهة أخرى. وأكثر من ذلك فإن تشظي التيار الإسلامي الجزائري إلى أحزاب تتصارع في الانتخابات قد حوله إلى إقطاعيات صغيرة تعاني بدورها من مرض التشبث بالزعامة الحزبية من طرف رؤساء هذه الأحزاب التي لا يجمعها أي برنامج مشترك أو عقيدة سياسية موحدة.
ومما لاشك فيه أن حزب حركة مجتمع السلم القوي سابقا (حمس) قد شهد انشقاقات حادة، كما أن انتماءه لفترة زمنية إلى التحالف الرئاسي أفقده المصداقية بين مناصريه. وبالمقابل فإن أحزاب المعارضة الأخرى كثيرة وصغيرة جدا حيث لا يستطيع المواطنون التمييز بينها، وإلى جانب ذلك فهي تتميز بمراوحة بعضها بين المعارضة الشكلية وبين مغازلة النظام الحاكم أو الدخول معه في صفقات الولاء بشكل مباشر.
إن عقدة هذه الأحزاب تتمثل في عدم امتلاك مؤسسيها للرأسمال التاريخي، وللقدرة على استقطاب شرائح الشباب والفلاحين والعمال التي يعول عليها في حسم الانتخابات، وفي العمل النضالي الذي يمكن أن يحدث التغيير الحقيقي، ولهذه الأسباب فقد ظلت مجرد أشكال هلامية بلا مضامين أو قاعدة شعبية تؤمن بها.
وهكذا، فإن الأحزاب المعارضة الجزائرية لا تملك مشروعا تتمكن بواسطته من بناء وعي نقدي جديد لدى الشرائح الشعبية، كما أنها لا تملك مشروعا اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وعلميا وتعليميا متكاملا وواضحا وجادا يعطي لها الشرعية. إن هذه الأحزاب التي تخسر الانتخابات باستمرار غالبا ما تتحول إلى مجرّد ديكور انتخابي، وأنها في وضعها الحالي تعيد بلا وعي منها إعادة إنتاج أزمات وذهنية وممارسات النظام السياسي التعسفي الحاكم الذي تريد أن تحل محله.

كاتب جزائري/”العرب”

اقرأ أيضا

بخور روما لن يبدد رائحة عفن زنازين عنابة: الجزائر والبابا وتجارة الصورة!

ثمة سؤال بسيط يطرح نفسه على من يتابع الإعلام الرسمي الجزائري هذه الأيام: هل زيارة البابا ليو الرابع عشر للجزائر حدثٌ ديني تاريخي، أم هي "صك غفران" دبلوماسي بالجملة؟ الإجابة، للأسف، أقرب إلى الثانية منها إلى الأولى، لا لأن الزيارة لا قيمة لها في ذاتها، بل لأن النظام العسكري الجزائري قرر أن يستأجر العربة البابوية لأغراض لا علاقة لها بالإيمان.

مراجعة أبريل 2026 في مجلس الأمن: الكابوس الذي يقضّ مضجع المرادية!

ليست المرة الأولى التي يجلس فيها النظام الجزائري أمام شاشة مجلس الأمن يراقب مراجعة أممية بقلق. لكن ما يجعل أبريل 2026 مختلفاً في الذاكرة الاستراتيجية للمرادية، هو أن القلق المعتاد تحوّل هذه المرة إلى شيء أقرب إلى الذعر الوجودي الذي يُشلّ القدرة على المناورة ويُضيّق هامش الخيارات إلى ما يكاد يكون أفقاً مسدوداً.

التصعيد القضائي ضد الناشط السياسي زغيلش يفاقم أزمة الحريات في الجزائر

دعت منظمة "شعاع لحقوق الإنسان" (تعمل في نطاق حدود الجزائر ومقرها الرئيسي في لندن)، السلطات الجزائرية إلى الوقف الفوري لكافة أشكال المتابعات القضائية ذات الطابع التعسفي ضد الناشط السياسي والصحفي عبد الكريم زغيلش؛ وضمان احترام حقوقه الأساسية، وعلى رأسها حقه في حرية التعبير.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *