… وكأنه يحكم!!!

أخيرا، وكما كان متوقعا إلى حد كبير، اختار الممسكون بزمام الأمور في النظام الجزائري أسوأ السيناريوهات وأكثرها خطرا على مستقبل الاستقرار في الجزائر، وقرّروا أن يستمروا في الحكم باسم “الرئيس المريض المنفصل عن الواقع” على حد توصيف العديد من رموز المعارضة ووسائل الإعلام الجزائرية، بعد أن تعذر عليهم الاتفاق على خليفة له يضمن مصالح الأجنحة المختلفة في أروقة النظام، وهكذا بشروا الجزائريين بأن “الرئيس بوتفليقة سيكمل عهدته حتى عام 2019” !!!

“نكتة” أن بوتفليقة سيستمر في حكم الجزائر حتى عام 2019، تفترض أنه يحكم أصلا منذ 2013، ولعل ما يحيلها إلى نكتة سوداء، كونها تأتي والجزائر تعيش احتقانا سياسيا غير مسبوق، وأوضاعا اقتصادية غاية في الصعوبة نتيجة تدهور أسعار النفط منذ مطلع العام. إحتقان لم يجد كاتبوا كلمة الرئيس للشعب الجزائري في ذكرى الاستقلال ردا عليه سوى الهروب منه إلى الأمام عبر إنكاره والتشبث بأن كل شئ على ما يرام، في سلوك لا تخطئ العين دقة إحالته على سلوك حكامنا العرب المستبدين، أو جنرالات أمريكا اللاتينية الذين أبدع الراحل “غابرييل غارسيا ماركيز” في تصويرهم.

فالخطاب ببساطة، اعتبر كل حديث المعارضة السياسية حول ضرورة الإصلاح السياسي مجرد “خطابات شعبوية وديماغوجية تتطاول على القانون”، متشبثا بواقعه الافتراضي الذي يتغنى بنجاح “الوئام المدني والمصالحة الوطنية”، ومبشرا بتعديلاته الدستورية، رغم أن الواقع يقول باستفراد جبهة التحرير الوطني ورديفها الحديث حزب التجمع الوطني الديمقراطي بالسلطة، تاركا بعض المقاعد لمعارضة محسوبة تحت قبة البرلمان، وبعض الرموز المعارضة خارجه.

نفس الإنكار واجه به كاتبوا الخطاب الأزمة الاقتصادية التي تضرب عميقا مختلف جوانب حياة المواطن الجزائري، باعتبارهم أن “سفينة التنمية الوطنية والبرامج التنموية ستسير قدما، معتمدة على تعبئة القدرات الاقتصادية العمومية والخاصة والاستثمار الأجنبي”، كل هذا رغم خروج الحكومة يوميا للتأكيد على ضرورة “شد الأحزمة واعتماد موازنات تقشفية”، وهو ما تذهب أبعد منه تقارير وتقديرات خبراء الاقتصاديين الجزائريين الذين يرسمون صورة متشائمة لمستقبل الاقتصاد الجزائري نتيجة الفساد وغياب الرؤية، مستدلين على ذلك بانخفاض قيمة العملة الوطنية من ثمانين دينارا مقابل الدولار إلى مائة (حوالي 20 بالمائة) خلال أقل من ستة أشهر، وانخفاض الصادرات خلال الشهور الخمسة الأولى من العام الحالي، من 28 مليار دولار إلى 19 مليارا فقط، متوقعين تجاوز عجز ميزان المدفوعات الثلاثين مليار دولار، واستنزاف مليارات صندوق ضبط العائدات مع حلول مايو 2017.

أخيرا، فإذا كان من المشكوك فيه بأن اتفاقا سريعا بين أجنحة النظام المختلفة من رجالات عسكر وأعمال على “خليفة” لبوتفليقة سيسهم في جر المواطنين الجزائريين إلى عملية “بيعة” جماعية، وتخلصهم بالتالي من مطالبات الشارع بالإصلاح السياسي والقضاء على الفساد، فإنه يكاد يكون من شبه المستحيل أن يسهم عناد رجالات النظام المتنفذين، المتمثل في إصرارهم على “تعذيب” شخص في صحة وعمر الرئيس بوتفليقة، في أن يجلب أي استقرار أو رفاه للبلاد. فما يحتاجه الجزائريون، مواطنون وطبقة سياسية، هو العبور إلى حقبة سياسية مختلفة تماما، يصوغون فيها دستورهم “الجديد كليا”، ويختارون فيها، هم لا جنرالاتهم، من يحكم البلاد، ولا يعرف أحد منهم هوية الرئيس المقبل قبل إغلاق آخر صندوق انتخابي، ولا يتم ذلك كله لا عبر التوريث ولا الاستخلاف بل على أساس برامج مضبوطة قابلة للتنفيذ والمحاسبة.

اقرأ أيضا

بخور روما لن يبدد رائحة عفن زنازين عنابة: الجزائر والبابا وتجارة الصورة!

ثمة سؤال بسيط يطرح نفسه على من يتابع الإعلام الرسمي الجزائري هذه الأيام: هل زيارة البابا ليو الرابع عشر للجزائر حدثٌ ديني تاريخي، أم هي "صك غفران" دبلوماسي بالجملة؟ الإجابة، للأسف، أقرب إلى الثانية منها إلى الأولى، لا لأن الزيارة لا قيمة لها في ذاتها، بل لأن النظام العسكري الجزائري قرر أن يستأجر العربة البابوية لأغراض لا علاقة لها بالإيمان.

مراجعة أبريل 2026 في مجلس الأمن: الكابوس الذي يقضّ مضجع المرادية!

ليست المرة الأولى التي يجلس فيها النظام الجزائري أمام شاشة مجلس الأمن يراقب مراجعة أممية بقلق. لكن ما يجعل أبريل 2026 مختلفاً في الذاكرة الاستراتيجية للمرادية، هو أن القلق المعتاد تحوّل هذه المرة إلى شيء أقرب إلى الذعر الوجودي الذي يُشلّ القدرة على المناورة ويُضيّق هامش الخيارات إلى ما يكاد يكون أفقاً مسدوداً.

التصعيد القضائي ضد الناشط السياسي زغيلش يفاقم أزمة الحريات في الجزائر

دعت منظمة "شعاع لحقوق الإنسان" (تعمل في نطاق حدود الجزائر ومقرها الرئيسي في لندن)، السلطات الجزائرية إلى الوقف الفوري لكافة أشكال المتابعات القضائية ذات الطابع التعسفي ضد الناشط السياسي والصحفي عبد الكريم زغيلش؛ وضمان احترام حقوقه الأساسية، وعلى رأسها حقه في حرية التعبير.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *