الرئيسية / وجهات نظر / محرار الثورة وتزامن الحركة الدبلوماسية وحركة المحافظين في تونس
مصطفى القلعي

محرار الثورة وتزامن الحركة الدبلوماسية وحركة المحافظين في تونس

تعرف تونس هذه الأيام تزامن حدثين أحدهما داخلي يتمثل في حركة المحافظين وثانيهما خارجي هو الحركة الدبلوماسية. وهما حركتان على درجة عالية من الأهمية. فالمحافظ هو ممثل سلطتي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في محافظته. والدبلوماسي هو ممثل لتونس ولمصالحها في الخارج.
ولكنّ مسألة هاتين الحركتين تفلت دائما من الأسئلة الإشكالية لتتلخص في مسألة الأسماء الجديدة، وفي طريقة توزيع المناصب. بينما السؤال المركزي الذي يقع تجاهله هو؛ أين محرار الثورة في تونس؟ هل يكمن دائما في مركز العقل المسير للشأن التونسي؟ الجواب هو: لا. لذلك فإن حركة المحافظين والحركة الدبلوماسية تختزلان في الجانب التقني وتمرّان على التونسيين مرورا عابرا كغيرهما من الأحداث.

المزيد: من مراكش شباب النهضة التونسية:”أحبطنا محاولة انقلاب الداخلية على الثورة”

هذا المرور العابر للحركتين وعدم الاكتراث بالشأن الوطني، والذي لاشك أنه يخدم السلطة باعتباره يعفيها من الضغط والمساءلة، هو المخيف والمريب. فهو دليل على أمور سلبية كثيرة منها غرق التونسيين في شؤونهم اليومية الملتبسة، وإقرارهم بلا جدوى المسار من 17 ديسمبر 2010 إلى اليوم.
لابد من الإقرار بأن هناك مشاكل خطيرة طارئة على تونس لابد من مواجهتها والحسم فيها لأنها لا تنتظر، مثل الخطر الإرهابي وتعاظم شأن التهريب. ولكن ذلك لا يبرر ما يحدث مما تعمد إليه السلطات التونسية القائمة بعد انتخابات 2014 من إطفاء لجذوة الثورة ومن ابتعاد عن محرارها بخياراتها الدبلوماسية والاقتصادية وبطريقة إدارتها لشؤون الحكم.
فأي محرار ثوري في اختيار محافظي أكثر من 14 محافظة تونسية؟ هل تغيرت مقاييس الاختيار عما كانت عليه في عهد زين العابدين بن علي؟ رئيس الحكومة كان قد أجرى منذ مدّة حركة جزئيّة في محافظات عديدة بطريقة باردة. وبنفس الطريقة سيجري الحركة الكبرى. والنيّة تتجه إلى الإعفاء وتعيين ولاّة جدد سيكون النصيب الأوفر منهم لحزب نداء تونس الحاكم، وبعض النصيب لشركائه الثلاثة حركة النهضة وحزب آفاق تونس والاتحاد الوطني الحر، إضافة إلى بعض الإداريين من خارج أحزاب الحكم الأربعة.
ولئن كانت حركة المحافظين تحت الإشراف المباشر لرئيس الحكومة فإن الحركة الدبلوماسية من مشمولات رئيس الجمهورية، كما ينص على ذلك الدستور التونسي. فبمناسبة الإعلان عن الحركة الدبلوماسية ألقى رئيس الجمهورية التونسية الباجي قائد السبسي كلمة تتلخص في توجيه أعضاء السلك الدبلوماسي التونسي الجدد نحو العمل على غاية واحدة هي خدمة المصلحة العليا لتونس. وأهم ما ورد في كلمة رئيس الجمهورية يتمثل في الإقرار بصعوبة الأوضاع في تونس، وبالعزم على مقاومة الإرهاب بلا هوادة. كما عاد السبسي لبروتوكول الشراكة والتعاون الذي أمضي في الربيع الماضي بين تونس والولايات المتحدة الأميركية ليقول إن الرئيس الأميركي باراك أوباما هو الذي طلب من تونس أن تكون الشريك غير العضو في الحلف الأطلسي. وفي نبرة غاضبة أدان السبسي حملة الانتقادات الموجهة لخياراته الداخلية التي تتهمه، وحزبه، بإعادة النظام القديم بإدارته وبأعوانه ولخيارته الدبلوماسية أيضا، لاسيما المتعلقة ببروتوكول التعاون التونسي الأميركي. وذكّر بكونه رئيسا منتخبا وبأنه يعرف مصلحة تونس ولن يتردّد في اتخاذ أي قرار وأي توجه لخدمتها.
ولم يكن السبسي مقنعا في ردّه على منتقديه، وإنما بدا متوترا ممنّيا النفس بقبول أفضل لما يفعل، بل إنه ردّ على منتقديه بانتقادات وجّهها بنفسه إلى الإدارة التونسية متهما إيّاها بالتباطؤ وبالعجز مما يعطّل ما سمّاه الإرادة في التغيير والتنمية. وهو يقصد التباطؤ في إجراء الإصلاحات اللازمة والتي تتطلبها صناديق التمويل والدول المانحة مقابل الاستثمار في تونس.
هل أخذ رئيس الحكومة انتقادات رئيس الجمهورية للإدارة التونسية في اعتباره وهو يختار محافظيه الجدد؟ وهل وضع رئيس الجمهورية نفسه انتقاداته أمام ناظريه وهو يختار سفراءه؟ وأي دور للمحافظين وللسفراء في تطوير الإدارة التونسية؟ وهل يرتبط هذا التطوير بأداء المحافظين والدبلوماسيين أم هي مسألة خيارات وطنية؟
ما هو الخيار الإداري الجديد لتونس؟ لا يوجد هذا الخيار الجديد، وإنما الموجود هو استمرار الوضع الذي كان. فتونس غارقة في الخيار الإداري الفرنسي القائم على المركزية القاتلة، إذ لا يمكن للإدارات والسلط الجهوية أن تتخذ أي قرار مهما كان بسيطا دون العودة إلى المركز. فالمسؤول الجهوي يقترح وينتظر أن يتكرّم عليه المركز ويقرّ الاقتراح أو يرفضه. بينما المركز لا يقترح وإنما يصدر القرارات دون تقدير لخصوصيات الجهات، وعلى هذه الجهات أن تنفّذ بلا نقاش. فكيف سيقاوم المحافظون والدبلوماسيون الجدد هذه الإعاقة الإدارية دون خيار مركزي جديد؟

*كاتب وباحث سياسي من تونس/”العرب”