الرئيسية / وجهات نظر / قراءة لتغييرات بوتفليقة في جهازي الأمن والحكومة
AZRAJE OMAR

قراءة لتغييرات بوتفليقة في جهازي الأمن والحكومة

لماذا اختار الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة وجماعته توقيت العطلة الصيفية، ومباشرة بعد أحداث غرداية ومقتل عدد من الجنود في صفوف الجيش الوطني الشعبي الجزائري جراء هجومات نفذتها عناصر من تنظيم القاعدة المتطرف، لإجراء تغييرات طفيفة في جهاز الحكومة التنفيذية وفي سلك المديرين المركزيين والموظفين التابعين، وللهيئات الحكومية التابعة لها على المستوى المركزي والجهوي (في المحافظات والدوائر) والتي أعقبتها تغييرات في جهازي الأمن الداخلي والأمن الرئاسي؟
في هذا السياق يعتقد بعض المحللين السياسيين أن هذا التغيير الجزئي الذي مس عددا قليلا من الوزارات غير السيادية هو مجرد تغطية للتغييرات الاستراتيجية التي طالت جهازي الأمن الداخلي والأمن الرئاسي بشكل خاص.
لا شك أن عملية تنحية شخصيات محورية في جهازي الأمن الداخلي والأمن الرئاسي ليست مجرد حركة عادية وإنما لها ارتباط عضوي بعاملين لكل منهما خصائصه وتداعياته في الحياة السياسية والأمنية في الجزائر.

المزيد: تغييرات مفاجئة في هرم السلطة الجزائرية

العامل الأول يتعلق بعدم فاعلية المسؤولين الكبار في هرم جهاز الأمن الداخلي في التعامل بجدية للحيلولة دون تكرار الاقتتال الدموي في محافظة غرداية التي أصبحت تمثل مشكلة معقّدة للسلطة وعلى وجه الخصوص في قصر الرئاسة بالمرادية، وتنذر بإمكانية امتداد هذه الظاهرة إلى محافظات أخرى تتفاقم فيها المشاكل المادية والاجتماعية والإثنية التي فجّرت الوضع في جزء من فضاء الجنوب الجزائري.
كما أن فشل المخابرات في الكشف المسبق عن مواقع وتحركات عناصر من تنظيم القاعدة التي تمكنت من قتل عدد من جنود الجيش الوطني الشعبي الجزائري في ولاية عين الدفلى، ومن مهاجمة مواقع عسكرية أخرى مثل ما حدث في محافظة مسيلة، قد ساهم في إقالة مدير الأمن الداخلي اللواء بن داود.
من جهة أخرى، فإن بعض المصادر تعيد إقالة مدير الأمن الرئاسي إلى وجود تحركات سرية مضادة للرئيس بوتفليقة وللجناح الموالي له داخل النظام الحاكم. ولكن هناك تأويلات أخرى لهذه التغييرات لا تقل أهمية عن الأسباب المذكورة آنفا منها التأويل الذي يتمثل في أنها ليست سوى سيناريو تمهيدي يرمي الرئيس بوتفليقة وجماعته من وراء تنفيذه تدريجيا وعلى نحو يؤدي إلى رسم خارطة سياسية وأمنية مختلفة للمرحلة المقبلة، حسب مقاسه ومقاس جماعته التي تخطط للبقاء في سدة الحكم بعد انتهاء العهدة الرابعة وبعد تفاقم مرضه.
وفضلا عن هذا التأويل فإن ثمّة من يرى أن مثل هذا السيناريو لن يكتمل إلا إذا شمل إبعاد كل الضباط الكبار الموالين للجنرال توفيق رئيس المخابرات الجزائرية عن مراكز صنع القرار الأمني والعسكري وذلك من أجل تحييده، أو التخلص منه فيما بعد في اللحظة المناسبة بدون أي ردود فعل عنيفة أو تبعات تقلق الرئيس بوتفليقة وجماعته.
على ضوء ما تقدم فإن إنهاء الرئيس بوتفليقة مهام 34 مديرا وإطارا ساميا تابعين لست وزارات وهيئات عمومية في البلاد، لا يمثل حدثا بارزا في الحياة السياسية الجزائرية، خاصة أن المواطنين الجزائريين اعتادوا على مثل هذا النوع من عدم الاستقرار في دواليب الجهاز التنفيذي للحكومة الجزائرية، سواء على المستوى المركزي أو على مستوى الجزائر العميقة، حيث أن تعيين الموظفين السامين وإنهاء مهامهم من طرف رئيس الجمهورية فقط يتم عادة بطرق عشوائية ولا يخضع لأي معيار من معايير الدولة الحديثة.

المزيد: موقع إخباري فرنسي يؤكد: “بوتفليقة أفلت من محاولة انقلاب”

أما ما يتصل بتعيين السفراء والوزراء أو إنهاء مهامهم فهو بدوره خاضع للحسابات الجهوية أو للترضيات المؤقتة وكثيرا ما يعيَن هذا الوزير أو ذاك لمدة أشهر قليلة ثم يقال من منصبه قبل استكمال المدة التي يقضيها الجنين في رحم أمه دون ضجة تذكر. فالنظام الجزائري هو النظام الوحيد، ربما، عبر التجارب السياسية في المعمورة، الذي يُنزل الوزير من مرتبته العليا ويُحوّله إلى مجرد مدير مؤسسة أو إلى محافظ، وفي أحسن الأحوال إلى قنصل أو سفير، دون أن يثير ذلك حتى حفيظة ذلك الوزير نفسه، أو الأحزاب المعارضة أو الموالية، أو البرلمان أو مجلس الأمة.
اللافت للنظر أيضا هو احتكار الرئيس بوتفليقة وجماعته، على نحو مطلق، لإجراءات تعيين حتى مديري المؤسسات العمومية في البلديات والمحافظات والمحافظين ونوابهم، حيث يمنع الوزير الأول وكذلك الوزراء، بمختلف تخصصاتهم وصلاحياتهم المفترضة، من ممارسة هذه المهمة بمفردهم كما هو معمول به في الأنظمة الديمقراطية حتى الناشئة منها. وأكثر من ذلك فإن تعيين الموظفين السامين في المناصب العليا لا يتم دون موافقة فرع من جهاز المخابرات الخاضع لرئاسة الجمهورية.

*كاتب جزائري/”العرب”