الرئيسية / وجهات نظر / العرب والمحكمة الجنائية الدولية
د.إدريس-لكريني-660x330

العرب والمحكمة الجنائية الدولية

بقلم: إدريس لكريني*

أعادت الحادثة التي تعرض لها الرئيس السوداني عمر البشير أخيراً عندما أمرت إحدى المحاكم بجنوب إفريقيا بمنعه من مغادرة البلاد بمناسبة حضوره أشغال قمة إفريقية مذكرة التوقيف التي صدرت في حقه منذ عام 2009 بتهمة ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية في إقليم دارفور إلى الواجهة.
إن مجرد توجيه التهمة بالمسؤولية عن جرائم ضد الإنسانية إلى رئيس دولة غير طرف في نظام المحكمة أثناء ولايته، أو إصدار مذكرة توقيف في حقه من قبل المحكمة، يعتبر في حد ذاته سابقة، يمكن أن تشعر كبار المسؤولين في الدول بأن زمن الإفلات من العقاب قد ولىّ رغم الحصانات الممنوحة والتذرع خلف السيادة والامتناع عن المصادقة على نظام المحكمة؛ غير أن ما يثير الانتباه في هذا الأمر هو أن منطق الانتقاء وعدالة الأقوى لايزالان يفرضان نفسيهما في واقع دولي تحكمه توازنات سياسية واقتصادية محددة.
فقرار الإحالة الذي قاده مجلس الأمن في مواجهة السودان، كان من الأجدر والمناسب أن ينصب أيضاً على الجرائم ضد الإنسانية الخطرة التي ارتكبتها الولايات المتحدة في العراق؛ وأفغانستان وغوانتانامو، وعلى الجرائم التي ما فتئت ترتكبها «إسرائيل» بشكل مستمر في الأراضي العربية المحتلة، وبخاصة أنهما معاً لم ينضما بعد لنظام المحكمة.
شكل تأسيس المحكمة الجنائية عام 2002؛ خطوة مهمة على طريق تعزيز السلم والأمن الدوليين وإرساء احترام حقوق الإنسان؛ حيث أنيطت بها مهمة ملاحقة ومحاكمة الأشخاص المتورطين في جرائم ضد الإنسانية.
وخلف إنشاء المحكمة آمالاً كبيرة على طريق ردع مختلف الجرائم والسلوكات الحاطّة من كرامة الإنسان، غير أن هذه الطموحات ستصطدم بمجموعة من الصعوبات التي ستشوش على مسار المحكمة؛ وتحول دون إرساء مبدأ الإفلات من العقاب، ودون بلورة عدالة جنائية دولية صارمة.
فقد أبدت مجموعة من الدول تحفظها تارة؛ وتخوفها تارة أخرى من المصادقة على نظام المحكمة؛ متذرعة في ذلك بأن من شأن هذه الخطوة أن تفتح للمحكمة مجالاً واسعاً للتدخل في سيادتها؛ وبخاصة أن قانون روما يتضمن مقتضيات تتعارض مع بنود دساتيرها؛ في علاقة ذلك برفض نظام الحصانات ضد المحاكمات الجنائية الممنوحة بموجب عدد من الدساتير لبعض الأشخاص بصفتهم المدنية والعسكرية (رئيس الدولة والمسؤولين الحكوميين والبرلمانيين..) والذي يتعارض مع المادة 27 من القانون الأساسي للمحكمة؛ وفرض تسليم الأشخاص المتهمين في جرائم تندرج ضمن اختصاصات المحكمة والذي يتعارض مع عدد من الدساتير أيضاً؛ وعدم القبول بتقادم الجرائم المدرجة ضمن هذا السياق؛ إضافة إلى رفض حق العفو الذي يملكه رؤساء الدول؛ في ما يتعلق بالجناة المتورطين في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
والواقع أن تطوير القوانين الوطنية وتحمّل المسؤولية في محاكمة مرتكبي الجرائم الخطرة عبر قضاء وطني مستقل ونزيه؛ سيقطع الطريق حتماً على تدخل المحكمة ما دامت ولايتها تكميلية وليست بديلة.
علاوة على هذه الاعتبارات؛ هناك إشكالات أخرى تحيط بأداء المحكمة وتحول دون التأسيس لعدالة جنائية حقيقية تتجاوز عدالة الأقوى أو العدالة الانتقائية التي ظلت سائدة لعقود، فالعديد من بنود النظام الأساسي للمحكمة تشوبها بعض النقائص؛ من قبيل عدم إدراج استخدام الأسلحة غير المشروعة دولياً في النزاعات العسكرية ضمن لائحة الجرائم ضد الإنسانية التي تدخل ضمن اختصاصات المحكمة.
من جهة أخرى؛ تتيح المادة 98 من نظام المحكمة للدول فرصة حماية الجناة من مواطنيها عبر إبرام اتفاقات تعرقل تحرّك المحكمة وتحول دون متابعة المتورطين في جرائم خطرة تدخل ضمن ولايتها؛ وهو ما بالغت الولايات المتحدة في استخدامه.
وهناك عامل آخر يحد من فعالية المحكمة؛ ويمكن أن يؤدي إلى تسييس العدالة؛ ويتعلق الأمر بالصلاحيات التي خولها نظام روما لمجلس الأمن؛ من حيث إمكانية طلب إرجاء التحقيق أو المقاضاة التي تباشرها المحكمة بموجب المادة 16 من نظامها الأساسي بصدد جرائم تندرج ضمن ولايتها بواسطة قرار صادر بمقتضى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ويجوز للمجلس تجديد هذا الطلب بالشروط ذاتها، وهو ما يسمح بشلّ عمل المحكمة والحيلولة دون تحركها في الوقت المناسب.
كما يتمتع المجلس بامتياز آخر؛ ويتعلق بإمكانية الإحالة على المحكمة بموجب المادة 13 من نظامها الأساسي؛ التي خولته ممارسة هذا الحق عندما يتعلق الأمر بحدوث جريمة تندرج ضمن اختصاص المحكمة، بغض النظر عن جنسية المتهم أو محل ارتكابه للجريمة؛ وسواء تعلق الأمر بدولة طرف في نظام المحكمة أم لا؛ شريطة أن يتصرف بموجب الفصل السابع الذي يتعلق بالترتيبات المتخذة في حالات تهديد السلم والأمن الدوليين، أو الإخلال بهما أو وقوع العدوان، وهي الحالات التي يكون فيها للمجلس صلاحيات وسلطات تقديرية واسعة للإقرار بحدوثها تبعاً للمادة 39 من الميثاق.
ومما لا شك فيه أن اختصاص المجلس في هذا الشأن؛ يكتسي خطورة كبيرة بالنظر إلى طبيعة تشكيلته وطريقة اتخاذه للقرارات المرتبطة بحفظ السلم والأمن الدوليين؛ التي قد تسمح بالتعامل بنوع من الانتقائية مع الجناة وتؤدي إلى تسييس العدالة.
ورغم أن عدم المصادقة على نظام المحكمة لا يعني تجنب المتابعة وتحريك مسطرة الإحالة من قبل مجلس الأمن؛ بصدد الجرائم المرتكبة؛ وهو ما تعكسه حالات السودان وليبيا، ما زالت الكثير من الدول العربية تتردد في الانضمام للمحكمة؛ فالدول العربية التي صادقت على هذا النظام إلى حدود الساعة هي الأردن؛ وجيبوتي؛ وجزر القمر وتونس.
والواقع أن امتناع أغلبية الدول العربية عن المصادقة على نظام المحكمة؛ يجعل من إمكانية الإفلات من العقاب؛ في ما يتعلق بجرائم ضد الإنسانية أمراً وارداً في كل حين، كما أنه يفوت على هذه الدول فرص التأثير في مسار المحكمة؛ والاستفادة من مختلف الامتيازات المخوّلة للدول المنضمّة، وبخاصة على مستوى تعيين القضاة وتكوينهم.

*باحث أكاديمي من المغرب/”الخليج”