الرئيسية / وجهات نظر / هل من استفاقة؟
خالد الحدّاد

هل من استفاقة؟

لا يختلفُ إثنان في الوضعية الدقيقة والصعبة التي تمرّ بها بلادنا اقتصاديًّا واجتماعيّا وسياسيّا أيضا، فالمؤشّرات كثيرة عن تراجع اداء العديد من القطاعات وحالات تململ واحتقان في الكثير من الأنحاء لم تعُد خافية على أحد والضغوطات تتزايد على الحكومة وسط تخلّ ـ أو يكاد ـ من الاحزاب والمنظمات الكبرى عن لعب دورها المحوري في استنهاض الهمم وشحذ العزائم لتحقيق مكاسب ومُنجزات تُسهم في تغيير صور الواقع المؤلمة والمرّة.
وربّما يعكسُ الوضع في الحوض المنجمي عُمق الأزمة التي بلغتها بلادنا عجزا عن إدراة المُشكلات وعدم القُدرة على التوصّل الى حلول واقعيّة ناجعة تستجيب للمطالب الشعبيّة وتُنمّي قدرات الدولة وتحمي موارد البلاد الطبيعيّة والماليّة.
على الرغم من أنّ التشخيص الموضوعي يُفضي الى أنّ مشكلات البلاد هي نفسها على امتداد السنوات الفارطة ، وهي مٌشكلات عميقة وحادّة ، والكثير منها هيكلي ، فإنّ جزءا كبيرا من النخبة ما يزال يضعُ هذه المشكلات والازمات تحت كلكل المزايدات والتوظيف السياسي ويتعاطى معها بمنطق فيه الكثير من الأنانيّة والانتهازيّة ويعدّها مجالا لتصفية الحسابات الحزبيّة والفئويّة الضيّقة ولو كان ذلك على حساب التهدئة والاستقرار.
إلى متى ستتواصل هذه المزايدات والتجاذبات التي بلغ البعض منها حدّ العَدَميّة والفوضويّة والعبثيّة؟.
والى متى سيتعاظم هذا التباغُض السياسي؟.
ومتى ستستفيق جميع النخبة بأحزابها ومنظماتها وشخصياتها الوطنية من غفوتها وتُصوّب جهودها نحو تفادي المزيد من الازمات وحالات الاحتقان والتوتّر ووضعيات الرؤية السياسية الغامضة والمشوّشة.
للأسف فإنّ بعض القوى ما تزالُ تعتقدُ في إمكانيّة تنفيذ أجنداتها الايديولوجيّة الاقصائيّة والاستئصاليّة تجاه خصومها فيخلقون مواطئ للاستقطاب والتعمية على الرأي العام او يعمدون الى تسليط ضغوط على القضاة والإعلام ورجال الأمن والجيش في محاولة للتطويع او التوظيف.
وللاسف ايضا فإنّ البعض الآخر يعتقدُ أنّ خلط أوراق العمليّة السياسيّة في البلاد ، وإن أدّى ذلك الى تعفين الاوضاع الاجتماعية وانهيار الاقتصاد الوطني ، سيفتحُ أمامها فرصا للاقتراب من مواقع السلطة والحكم والتعويض عن انكساراتها او خيباتها الانتخابيّة.
ولكن هؤلاء جميعا يتناسون خطورة أفعالهم ومخططاتهم ، لقد حسم الدستور ومختلف النصوص التشريعية التأسيسية مُجمل القضايا الخلافيّة وانتهى منطقيّا بفعل ذلك زمن الصراع الايديولوجي ولم تعدُ لاستقطاباته العنيفة أو هوس أصحابه بالتسلّط أو الاستبداد او افتكاك السلطة او الانفراد بها أيّ معنى وأي وجاهة.
لقد خطّ الدستور معالم الجمهورية الثانية بما فيها من مدنيّة للدولة وحريات وحقوق إنسان وتداول سلمي على السلطة وعالج بصفة جذريّة كلّ مظاهر الصدام المُمكنة حول قضايا الهويّة والنظام السياسي ومسار الوصول الى مواقع الحكم، ومن العبث اليوم أن تسعى بعض الاطراف والجهات الى محاولة النكوص بالحياة الوطنية الى الوراء والرجوع بها الى منطق الهيمنة وضرب الحريات ومحاولة استبعاد الخصوم أو إقصائهم بالتلبيس عليهم او بالمزايدات أو الاكاذيب والإشاعات.
تحتاجُ بلادنا الى استفاقة فعليّة وناجعة من النخبة كلّها من أجل تغليب الصالح العام ومن أجل التفاعل مع قضايا الناس ومشاغلهم المتزايدة وتخليص المشهد الوطني من كلّ عناصر الضبابيّة والغموض والتداخل وتحقيق التوافقات الكبرى للانقاذ.

*صحفي تونسي/”الشروق”