الرئيسية / وجهات نظر / العدالة الانتقالية في السياق المغاربي
د . إدريس لكريني

العدالة الانتقالية في السياق المغاربي

منذ حصولها على الاستقلال، عاشت الدول المغاربية، كما هو الشأن بالنسبة لمعظم الأقطار العربية الأخرى، على إيقاع الصراعات والنزاعات التي اتخذت في كثير من الأحيان طابعاً من العنف، وارتكبت خلالها مظاهر مختلفة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما أثر بالسلب في استقرارها وفي مسارها السياسي والتنموي، وأفرز إشكالات سياسية واجتماعية أسهمت في تمزّق كيان الدولة والمجتمع، وعقّدت من مأمورية الانتقال نحو الديمقراطية.
شهدت بعض الأقطار المغاربية تجارب مختلفة في هذا الصدد (العدالة الانتقالية)، تباينت من حيث سياقاتها وخلفياتها وأهميتها. وإذا كان المغرب قد راكم تجربة مهمة عبر “هيئة الإنصاف والمصالحة”، وكذلك بالنسبة للجزائر من خلال تجربة “الوئام المدني” رغم الصعوبات التي واجهتها، فإن التحولات السياسية التي شهدتها كل من تونس وليبيا في ظل تحولات الحراك بالمنطقة، فرضت اعتماد آلية العدالة الانتقالية كسبيل لتعبيد الطريق نحو الديمقراطية بعيداً عن الثأر والانتقام، ولتحصين المجتمع من تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والتجارب القاسية للاستبداد.
كانت الجزائر سباقة إلى اعتماد آلية العدالة الانتقالية في أعقاب العنف الذي شهدته البلاد منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، ويتعلق الأمر باعتماد قانون “الوئام المدني” الذي تمت المصادقة عليه سنة 1999 كسبيل لتجاوز الإشكالات الأمنية والسياسية التي شهدتها الجزائر.
وهي الخطوة التي تمّ تعزيزها بالإعلان عن ميثاق السلم والمصالحة القاضي بإلغاء المتابعة القضائية في حقّ الأفراد الذين يبادرون إلى تسليم أسلحتهم، بعد الموافقة عليه في إطار استفتاء آخر نظّم سنة ،2005 غير أن “جبهة الإنقاذ” عبرت عن رفضها للميثاق، بمبرّر أن أعضاءها تعرضوا للعنف، مما أثر بالسلب في المبادرة في حينه.
شكل عمل “هيئة الإنصاف والمصالحة” التي أحدثت عام 2003 بالمغرب، تجربة متميزة في العالم العربي وشمال إفريقيا، وإلى جانب مقترحاتها بشأن جبر الضرر وإنصاف الضحايا عبر تعويض مادي وتأهيل صحّي واجتماعي، أوصت الهيئة بجبر الضرر الجماعي للمناطق التي تضررت نتيجة انتهاكات وتهميش لحقتها خلال فترة ما سمي بسنوات الرصاص، خلصت في تقريرها النهائي إلى بلورة مجموعة من التوصيات المرتبطة بالإصلاح السياسي والمؤسساتي والدستوري الداعم لتحصين الأجيال القادمة ضد تكرار نفس التجارب الأليمة.
وكان لاحتجاجات حركة 20 فبراير التي عرفها المغرب سنة 2011 الأثر الكبير في الإسراع “بدسترة” مجموعة من توصيات الهيئة التي طرحت أمام الملك منذ عام ،2005 في علاقة ذلك بدعم استقلالية القضاء وتجريم الاعتقال التعسفي أو السري والإبادة والتعذيب والمعاملات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة أو الحاطّة بالكرامة الإنسانية..
أما في ليبيا، فقد تمّ إحداث هيئة تقصي الحقائق والمصالحة، كلّفت بكشف الانتهاكات والمظالم التي شهدتها المرحلة السابقة منذ عام ،1969 وتلقي الملفات والطلبات من الضحايا ومختلف الهيئات ذات الصلة. وهناك مجموعة من الصعوبات التي تعتر مسار هذه العدالة بفعل الكثير من العوامل في علاقة ذلك بسعي بعض الفرقاء إلى اعتماد قانون للعزل، وضعف فعاليات المجتمع المدني الوليد، علاوة على تسرّب السلاح بين مختلف الميليشيات ودخول مختلف الفصائل والفرقاء السياسيين في مواجهات وصراعات دامية..
تباينت المواقف في تونس بشأن مشروع “قانون تحصين الثورة”، الذي يقرّ بمنع تونسيين شغلوا مناصب مهمة أو كانوا أعضاء في حزب “التجمع الدستوري الديمقراطي” السابق لمدة سبع سنوات على الأقل من ولوج الحياة السياسية ومن تولي مهام حكومية، بين من اعتبره أساسياً وضرورياً لحماية الثورة، وبين من أبدى تخوفه من أن يؤثر ذلك بالسلب في المشهد السياسي التونسي وفي التوافق الحاصل.. غير أن إقرار الوثيقة الدستورية وبلورة توافقات سياسية، كلها عوامل أسهمت في التسريع بوتيرة الجهود الداعمة لإقرار العدالة الانتقالية بالبلاد.
بادرت إلى حدود الآن أربع دول مغاربية إلى اعتماد هذا الأسلوب في سياقات تاريخية وسياسية متباينة، وإذا كانت بعض التجارب، كما هو الشأن بالنسبة للمغرب والجزائر تتطلب التقييم من خلال الوقوف على خلفياتها وتحدياتها وحصيلتها وتداعياتها السياسية والاجتماعية والحقوقية.. فإن تجارب أخرى، كما هو الشأن بالنسبة لحالتي تونس وليبيا وارتباطها واقترانها بتحولات سياسية جذرية يعيشها البلدان معاً، يفرض أيضاً الوقوف على سياق التجربتين والصعوبات التي تواجههما على مستوى تضارب المواقف بين خياري المحاسبة والعزل من جهة والمصالحة والتسامح من جهة ثانية.
لقد كان الدافع في المغرب إلى اعتماد الآلية المجسدة في “هيئة الإنصاف والمصالحة” هو دعم الانتقال السياسي في إطار الاستمرارية عبر طي صفحات قاتمة من تاريخ المغرب وإعادة الاعتبار للضحايا وإدماجهم في داخل المجتمع، حيث جاءت ولادة التجربة طبيعية وبشكل اختياري تبلورت معها إرادة المؤسسة الملكية المتوافقة مع بعض فعاليات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية والسياسية وعائلات الضحايا التي كانت تدعم هذا الخيار.
وفي الحالة الجزائرية، جاءت التجربة المجسدة في “الوئام المدني” تحت ضغط الأحداث المرتبطة بالعشرية السوداء التي أدخلت البلاد في متاهات وصراعات مسلحة خطرة، ورغبة في تعزيز الاستقرار وإدماج أعضاء الجماعات المسلحة في المجتمع.
وإذا كان السؤال المحوري في الحالتين يتركز حول مدى نجاح التجربتين، في دعم التحول السياسي وبناء المؤسسات وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب بالنسبة للمغرب، أو في استتباب الاستقرار وإدماج الجماعات المسلحة ومكافحة الإرهاب والتطرف بالنسبة للجزائر.. فإن السؤال المحوري المطروح بالنسبة لحالتي ليبيا وتونس اللتين برزتا في سياق تحولات الحراك بالبلدين، هو مدى نجاعة هذا الخيار في تجاوز مظاهر الاستبداد وبناء دولة مدنية ديمقراطية تحتمل جميع مكونات المجتمع بأقل كلفة.
شهدت موريتانيا مظاهر مختلفة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان على امتداد العقود التي أعقبت مرحلة الاستقلال من قبل مختلف الأنظمة التي توالت على حكم البلاد، لكن طرح الموضوع لم يتجاوز الإرهاصات الفكرية بعد، وهو ما يفرض تسليط الضوء على مختلف الأسباب السياسية والثقافية والاجتماعية التي أخّرت تبني هذا الخيار رغم أهميته وضرورته في تجاوز إكراهات الماضي وتحصين المستقبل..

* باحث أكاديمي من المغرب/”الخليج”