الرئيسية / وجهات نظر / قادة المغرب العربي: إشكاليات العمر والسلطة
خالد

قادة المغرب العربي: إشكاليات العمر والسلطة

منذ العام 1999، الذي يمكن أن نعتبره سنة التغيير في كل من الجزائر والمغرب، حيث وصل في الأولى إلى الحكم عبدالعزيز بوتفليقة بعد انتخابات انسحب منها ستة مرشحين، وفي الثانية اعتلى العرش محمد السادس خلفا لوالده الراحل الملك الحسن الثاني، عاشت دول المغرب العربي تطورات على الساحة السياسية، بدا فيها المغرب أكثر استقرارًا مقارنة بالدول المغاربية الأخرى، وقد يكون ذلك مرتبطًا بمقومات الدولة وشرعية الحكم، والخطط الإستراتيجية، واستشراف المستقبل، لكنه أيضا ذو صلة بعمر الملك، الذي هو أصغر حكام المنطقة سنًّا منذ وصوله إلى الحكم وإلى غاية الآن، حيث يبلغ من العمر 51 عاما في الوقت الراهن، وحين خلف والده لم يكن عمره يتجاوز 36 عاما.
وتأتي موريتانيا في المرتبة الثانية مغاربياً بعد المملكة المغربية من ناحية الاستقرار، ورئيسها محمد ولد عبدالعزيز عمره 58 عاما، وهو – كما نرى – الأقرب عمرياً إلى الملك محمد السادس، منه إلى الرئيسين التونسي الباجي قائد السبسي، والجزائري عبدالعزيز بوتفليقة.
أما بالنسبة إلى ليبيا، والتي لم يستقر حالها بعد، حيث لم تضع الحرب أوزارها هناك، فإن قائدها العسكري الحالي اللواء خليفة بلقاسم حفتر يعد الأقرب إلى الرئيس الجزائري، إذ يبلغ من العمر 71 عاماً، وهو أيضا أقرب إلى الرؤية الجزائرية في مواجهة الإرهاب خلال العشرية السوداء، وإن كان الأبعد عنها من ناحية رؤيتها لحل الأزمة الليبية الراهنة.
عموما، فإنه بفوز الباجي قائد السبسي – رئيس حزب نداء تونس – في الانتخابات الرئاسية تدخل تونس ومعها دول المغرب العربي الأخرى مرحلة جديدة من تاريخها، إذ باستثناء الإسلاميين في ليبيا، فإن الدول المغاربية الأخرى – الجزائر والمغرب وموريتنايا – ترى فيه منقذاً لتونس من الانزلاق نحو المجهول، ومن تفشي ظاهرة الإرهاب، ومن انعدام الاستقرار، ناهيك عن اعتباره جدار صدّ أمام استحواذ الإسلاميين على السلطة، وهو ما ظهر جلياً في تراجع حركة النهضة في الانتخابات التشريعية الماضية.
غير أن فوز السبسي يطرح إشكالية العلاقة بين السلطة والعمر من جهة، واختيارات الشعوب في المنطقة المغاربية لقادتها من جهة ثانية، فبالنسبة إلى الأولى، تكشف عن إصرار قادة وسياسيي الجيل القديم – ومعظمهم من جيل ثورات التحرير – على الاستمرار في السلطة أو السعي إليها، مهما كانت شاقة ومتعبة، من منطلقين، الأول: اعتبارهم حرّاسا وأمناء على الاستقلال بعد ثورات التحرير حتى لو مرّ على ذلك أكثر من خمسة عقود، حيث تدخل الدولة الوطنية اليوم مرحلة الجيل الثالث، أي جيل أحفاد الثوار، والثاني: تجاربهم الطويلة في الحكم، التي مكّنتهم من الظهور بعد الأزمات الكبرى بوجه المنقذ من سلبيات الحكم السابق، ما يعني أنهم يقومون في الغالب بدور الخصم والحكم.
أما بالنسبة إلى الإشكالية الثانية المتعلقة باختيارات الشعوب، فإن هناك تداخلا بين البحث عن الأمان والاستقرار والتغيير، وبين عودة الجيل القديم إلى الحكم، بعد تعرض معظم المجتمعات المغاربية إلى هزات كبرى، إذ باستثناء المغرب فجميعها عانى، أو يعاني الآن، من تغير مكلف، وأقل تلك الدول توتّرا هي موريتانيا، كما ذكرت سابقا، وإن كانت مُرشّحة هي الأخرى إلى السير على خطى الجزائر وتونس، ما لم يتم تدارك الوضع الراهن، والسبب المباشر في فوز الباجي قائد السبسي هو ذلك التداخل، حيث رأى فيه الشعب التونسي حاميا للمكتسبات التي تحققت منذ عهد الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة.
وعلى مستوى التصور السياسي، وانطلاقاً من الانتفاضة التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، لم يكن متوقعا أن تنتهي تونس بعد ثورة شبابية بالأساس إلى اختيار مرشح من الجيل القديم، يبلغ من العمر 88 عاماً بغض النظر عن تجربته وخبرته، بل ما كان لها وما ينبغي أن تختار متنافسين للرئاسيات في الجولة الثانية تتراوح أعمارهما ما بين 69 و88 سنة، ولكن الحاجة إلى الأمان الداخلي من خلال إبعاد الإسلاميين ومن يواليهم، وإلى العلاقة السويّة مع الجيران، وإلى الدعم الدولي، اقتضت اختيار السبسي رئيسا دون النظر إلى مسألة العمر، ومساهمة الشباب في التجديد والانطلاق من أعلى قمة السلطة.
وغير بعيد عن تونس، وفي جارتها الجزائر، تبدو أيضا مسألة الحكم محسومة لصالح المجاهدين القدامى، الذين يمسكون بزمام الأمور رغم انتفاضات الشباب المتتالية، التي بدأت منذ أكتوبر 1988، ولم تنته إلى الآن، وأيضا رغم قيام التعددية، وما صاحبها من ظهور للإسلاميين ومن إقصاء ودماء، من ذلك تجربة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة البالغ من العمر 77 عاما.
لقد وصل بوتفليقة إلى الحكم عبر انتخابات حرة ونزيهة في العام 1999، وفاز للمرة الرابعة بعد أن عدّل الدستور لصالحه، وقد تجاوزت فترات حكمه في نوفمبر العام 2012 مدة حكم الرئيس هواري بومدين، ليصبح أطول رؤساء الجزائر حكماً، وقد يكون أطول حكم مقارنة بمن سيأتون بعده في المستقبل القريب وحتى البعيد، مع أنه يعاني من مرض يحول دون ممارسة مهامه، بل بسببه مرضت الدولة الجزائرية، وإن كانت الغالبية من الشعب ترى فيه نموذجا للحفاظ على التوازن والاستقرار والأمان.
هكذا إذن، تبدو إشكالية السلطة في الدول المغاربية مرتبطة بعمر الحكام، حيث يتخوف الجزائريون، وكذلك التونسيون ـ وإن كان بدرجة نسبية ـ من كبر سن بوتفليقة ومرضه، وبقرب السبسي من سن التسعين، ويقلّ هذا الخوف في موريتانيا، وينعدم في المغرب، ويبقى مجهولاً في ليبيا إلى أن يتحدد مصيرها السياسي.

*كاتب وصحفي جزائري/”العرب”